السياب
وسيتويل وشـبح نص قايـين
(1)
بعضهم
يسميه (السرق) حسب مصطلح النقد العربي القديم - وبعضهم
يصفه بـ(التأثر والتأثير) وثالث يدعوه (التثاقف والمثاقفة)
وانتهى أخيرا الى (التناص)في النقد البنيوي والتناص تقنية
تختلف باختلاف مستويات الخطاب الشعري او السردي وبحسب
براعة الكاتب وثقافته
وفيما
يتعلق بصلة (تأثر) السياب بالشاعرة الإنكليزية ايدث سيتويل
وخاصة قصيدتها (شبح قايين) فقد كتب بشأنها الكثير، وكان
السياب نفسه أول من أشار الى هذه العلاقة عندما قال في
استجواب اجراه معه خضر الولي ونشر عام 1956 في كتيب صغير
بعنوان :(آراء في الشعر والقصة) قال السياب مستعرضاً تأثره
في بدء حياته الشعرية بعدد كبير من الشعراء وقال (وحين
استعرض هذا التاريخ الطويل من التأثر اجد ان ابا تمام
وايديث سيتويل هما الغالبان) وقال (فالطريقة التي اكتب
بها اغلب قصائدي الآن هي مزيج من طريقة ابي تمام وطريقة
ايديث سيتويل : ادخال عنصر الثقافة والاستعانة بالاساطير
والتاريخ والتضمين في كتابة الشعر)(ص14).
(2)
ثم قارب
هذا التأثر والتلاقح الشعري بين السياب وسيتويل الراحل
الدكتور احسان عباس في كتابه (السياب دراسة في حياته وشعره)
1969 بشيء من التفصيل المركز والمقارنة الموضوعية لكن
الدكتور علي البطل في كتابه (شبح قايين بين ايديث سيتويل
وبدر شاكر السياب قراءة تحليلية مقارنة - 1984) المخصص
لهذه القضية: (العلاقة التأثرية من الشاعر بالشاعرة) ذهب
بعيداً اذ يخرج القارئ للكتاب هذا بنتيجة مفادها ان السياب
في لغته ورموزه وبناء قصيدته وموضوعه لم يكن سوى (مقلد)
او (عيال) ولا نقول : سارقاً - على الشاعرة سيتويل في
افضل شعره حتى ليمكن القول :كأن السياب في قمة ما حقق
من ابداع هو مجرد احتذاء لسيتويل مضموناً وشكلاً ! او
كأن لسان حال الدكتور (البطل)يقول:ان (جيد)شعر السياب
هو من (جيد) سيتويل اما رديء السياب فهو رديئة هو : بحسب
تعبير البحتري في المقارنة بين شعره وشعر ابي تمام.
(3)
والحال:
(1) كان
السياب من أوائل من أشار الى استفادته من الأدب الرافديني
القديم : اساطيره ورموزه- في اكثر من مناسبة وهذا يعني
ان ماذهب اليه جبرا إبراهيم جبرا من ان اول معرفة للسياب
واستثماره اساطير ورموز الادب العراقي القديم جاء عن طريق
كتاب(الغصن الذهبي) لجيمس فريزر الذي ترجمه جبرا ليس دقيقا.
(2) لايمكن
لاحد ان ينكر تأثر السياب بأيدت سيتويل واليوت وسواهما
ولكن عندما يؤمن المرء مسبقاً بـ(فكرة) تأثر السياب بهذا
الشاعر او تلك الشاعرة ثم يروح يفتش وينقب في (ضمير) الكلمات
والصور في شعره عن هذا التأثر فتلك هي واحدة من المستحيلات
او من قبيل التفوهات المسبقة عن (وجود) العنقاء بل رؤيتها
ووصفها بالتفاصيل الدقيقة كما سخر الجاحظ اعني ان الدكتور
البطل اخذ بالفكرة الشائعة وربما اشاعها السياب تعمداً-
عن تأثر السياب بسيتويل وهذا مالا يقدر ان ينفيه احد -
كما قلنا- راح ينقب في (ضمير) كلمات السياب في قصائده
بحثاً عن هذا التأثر اوالاحتذاء حتى باتت كل كلمة عند
السياب مثل (ذرات) )غبار) (شبح او اشباح) الخ هي من قبيل
تأثر السياب بسيويل في قصيدتها (شبح قايين) والغبار الذري!
ولننظر على سبيل المثال هذه المقارنة الصورية بين سيتويل
والسياب من قصيدته (غريب على الخليج):
تقول سيتويل
في (شبح قايين):
(ولم نأبه
لسحابة في السماء على صورة يد انسان وجاءت صيحة كما لو
ان الشمس والارض ارتطمتا- نزلت الشمس والارض صعدت
لتأخذ
مكانها في الاعالي - فوق الهيولى انفجر الرحم الذي منه
بدأت كل حياة.
عندئذ
وفي اتجاه الشمس المقتولة قام العمود الطوطمي الترابي
في ذاكرة الانسان (ص28).
وقال السياب
في (غريب على الخليج):
وجلس الغريب
يسرح البصر المحير في الخليج ويهد اعمدة الضياء بما يصعد
من نشيج:
(اعلى
من العباب يهدر رغوه ومن الضجيج صوت تفجر من قرارة نفسي
الثكلى: عراق كالمد يصعد كالسحابة كالدموع الى العيون).الخ.
ويقول
الكاتب معلقاً على نص السياب :(مستحضراً صورة سيتويل عن
العمود الطوطمي والسحابة الذرية..) !؟(ص81)
ولست ادري
اية صلة بين العمود الطوطمي والسحابة الذرية في نص سيتويل
ونص السياب؟ ولماذا لاتكون (السحابة) في نص السياب سحابة
عادية ؟. او تلك السحابة المخادعة التي ظللت قوماً من
الجاهلين فأذا ما استتروا تحتها من حر الشمس امطرتهم ناراً
فكانوا من الهالكين كما جاء في الموروث الديني!.
وهكذا
لماذا لا تكون (الأعمدة) في نص السياب أعمدة بابل، او
أعمدة الاكروبول او أعمدة بيوت الشعر العربية او اعمدة
الكهرباء او أعمدة الشعر! أرجو ان ننتهي من مثل هذه الافتراضات
عن تبعية الشاعر العربي لشاعر اجنبي وكأن الشاعر الاجنبي
شيطان الشاعر الذي يلهمه الشعر - كما جاء في حكاية او
اسطورة توابع الشعراء عند العرب.
(3)
وهكذا
في مواضيع عديدة من شعر السياب نجد الدكتور البطل يرد
كل صورة او شطرة يرد فيها اسم (قابيل قايين) الى تأثير
سيتويل وكأن هذا التراث ليس تراث السياب نفسه وهو الاقرب
اليه من سواه قال د. صلاح فضل : انه غير صحيح الانطباع
الشائع عن اسراف السياب في استخدام الاساطير الغربية دون
العربية:(في قراءة الجداول الاحصائية والاهتمام بأستخلاص
نتائجها الكلية الدالة فأن بوسعنا الاشارة الى ان جملة
العناصر الاسطورية التي يوظفها السياب ابتداءً من ديوانه
الناضج:(انشودة المطر) تبلغ(36) عنصراً يتكرر ذكرها(217)
مرة وان الاشارة الى المسيح والصلب تتمتع بأعلى نسبة تكرار
في هذه الرموز اذ تبلغ (65) تليها الاشارة الى تموز وعشتار
التي تصل الى (41) مرة ثم قابيل وهابيل التي تستخدم (24)
مرة. والسندباد الذي يتكرر(14) مرة .(ص79 اساليب الشعرية
المعاصرة).
(4) وبأختصار
- كأن كتاب الدكتور البطل يريد ان يقول - او قال فعلاً-
انه لم يكن لدى السياب من (شغل ٍ)الا احتذاء سيتويل -
وقع الحافر على الحافز- كما يقول المثل- او التنويع والتفريع
على قصيدتها و(شبح قايين) او سواها على نحو ما اي ان السياب
كان (يؤلف بقوة الاحتذاء اكثر مما كان يبدع بأصالته الذاتية
(ص96) (اتباعاً لما قاله د. احسان عباس عن قصيدة :(رؤيا
فوكاي).
(5) واخيراً
لابد من الاشارة بشأن السياب- الى أمرين الاول : ان السياب
كان يغرف من بئره(المكان) بالدرجة الاولى واذا كان قد
انساب ماء من بئر الآخرين الى بئره كما ينساب محفوظ الذاكرة
او اللاوعي- دون وعي الى ما يقوله او يكتبه، فذاك هو شأن
جميع الكتاب والمبدعين وانه لامر طبيعي ينطبق عليه ما
ينطبق على الجميع منذ بدأ الانسان يقول الشعر ويروي القصص
ويرسم على جدران الكهوف الى اليوم وحتى الابد.
الثاني:
ما سبقت الإشارة اليه وهو ما دعاه د. صلاح فضل في كتابه
المشار اليه بـ(تقنية التناص) في خطاب السياب الشعري -
بـ(لعبة الاقواس) اذ قال : حين نتحدث عن (تقنية التناص)
في خطاب السياب الشعري ندرك مدى جرأته المبكرة في استخدام
هذه التقنية بوعي كبير يجعله يمزج مستويات خطابه الشعري
بعناصر سردية وشعبية ورمزية وأسطورية بأبيات من شعراء
سابقين عليه وفلذات مما قاله من قبل وجمل مما كان يعرفه
معاصروه وضاعت الاشارة اليه..) (ص75) ويضرب على هذا مثالاً
قصيدة (انشودة المطر) نموذجاًَ لنص يحفل بالعديد من التقنيات
التعبيرية المتضافرة يقوم فيها الترجيع والإنشاء والتناص
والأسطورة والترميز بالدور الاساسي في تكوين بنية النص
وتوليد دلالآته المشعة طبقاً لاستراتيجية حيوية فعالة
تحقق درجة عالية من شفافية التوازن والكثافة النسبية بحيث
لاتقع في الابهام وهي تحول العالم الى كلمات.(84).
طراد الكبيسي