
د.
ه. لورنس يعود بعد 75 عاماً على رحيله
حياة
الغريب
تأليف: جون
ورثن
عن دار ألين
لين البريطانية للنشر صدر كتاب «د. هـ. لورنس: حياة الغريب»
تأليف جون ورثن. الكتاب توثيق أدبي جديد لسيرة حياة الروائي
والشاعر والكاتب البريطاني د. ه. لورنس (1885-1930) يلقي
الضوء على خلفيته الاجتماعية وحالة الإقصاء التي فرضها على
نفسه جغرافياً وثقافياً، والاضطراب الذي تميزت به حياته
الشخصية متناولاً حياته الزوجية وعزلته ونزوعه نحو الاستقلالية
والتوحد. كما يقدم توضيحاً مهماً لبعض المواقف التي جلبت
له السمعة السيئة لاسيما روايته الشهيرة «عشيق ليدي تشاترلي».
تحتفي الدوائر الأدبية الغربية هذه السنة بالذكرى الخامسة
والسبعين لرحيل لورنس اثر إصابته بمرض السل.
والواقع
أن العالم ما زال يتذكر هذا المؤلف الذي منعت رواياته في
بريطانيا ونشرت بصورة سرية في فرنسا ولم يظهر الكثير منها
على خارطة الأدب الغربي حتى عام 1960 حين أزيل عنها الكثير
من الغموض في أعقاب محاكمة رواية ليدي تشاترلي.
في هذه الأثناء،
بالتزامن مع ذكرى رحيله يتصدى جون ورثن الأكاديمي بعدد من
الجامعات البريطانية، الذي سبق له الكتابة عن حياته وأعماله
للدفاع عن لورنس بتقديمه كتاباً بالحجم العادي مؤيداً بالمستندات
والوثائق التي تثبت صحة آرائه حول أحد أهم وألمع كتاب القرن
العشرين وأكثرهم راديكالية ووقوعاً تحت طائلة سوء الفهم.
بالنسبة
للكثيرين يبدو أن ماتعنيه حياة لورنس هو الإلتزام و عدم
الإلتزام في الوقت ذاته. حيث هناك من ينظر إليه باعتباره
أهم روائي بريطاني منحدر من أصول عمالية ومن ينظر إليه على
أنه الرجل الذي استطاع أن يخرج الأدب الإنجليزي من شرنقة
الفكتورية المتشددة إلى أفق أكثر رحابة يفسح المجال لشتى
أنواع التعبير وعلى وجه الخصوص التعبير عن الرغبة الذاتية.
على الرغم
من هذا التنافر في وجهات النظر إلا ان ما يثير الجدل حول
لورنس هو الإتفاق على أن روايته ليدي تشاترلي لا تزال تشكل
نقطة تحول في تاريخ القوانين المتعلقة بالخروج على الأخلاق
سواء تعلق ذلك بنشرها للمرة الأولى في نهاية العشرينيات
أم السماح لدور النشر البريطانية بإصدارها في الستينيات.
والواقع ان لورنس كان قد حظي بسمعة طيبة وانتشار واسع خلال
النصف الأخير من القرن العشرين.
كتاب «حياة
الغريب»، سيرة مفصلة تتناول ه. لورنس متضمنة للمرة الأولى
ما يرمي إلى تبديد ما لصق به من مزاعم لا أساس لها من الصحة.
يقول ورثن «إن هذا العمل هو الأول منذ تعرض سمعة لورنس للإساءة
باعتباره شهوانياً وفاشياً». غير أن هذا الكتاب بوصفه عملاً
شديد الإختلاف، يقتفي حياته من مرحلة الطفولة في قرية نوتنغهام
إلى عمله معلماً في قرية كرويدن ثم حبه الأعمى لفريدا زوجة
الأكاديمي ارنست ويكلي والحرب العالمية وما جرته عليه من
أزمات، ثم حياته كغريب جوال وارتباطه الشديد بنيومكسيكو.
ولد لورنس
في إيستوو بمقاطعة نوتنغهامشير، أما والدته ليديا فتنتمي
إلى الطبقة البرجوازية وكانت قد تزوجت والده بدافع من الحب
وهي علاقة أصبحت متوترة فيما بعد. في المدرسة الإبتدائية
استأثرت إنجازاته اللغوية المتواضعة على إعجاب كل من زملائه
ومعلميه ولم يحل بينه وبين استمراره طوال حياته في التدريس
سوى المرض ثم الموت في سن مبكرة. كانت أمه ليديا تشرف على
علاجه وكان كل منهما شديد التعلق بالآخر فيما استمرت هذه
العلاقة حتى لحظة وفاتها في سنة 1910. في تلك الأثناء كشف
لورنس عما أسماه «بالأوديبية الفرويدية» في حياته.
والحقيقة
أن التعبير عن هذه العلاقة كان مجسداً في روايته السير ذاتية
«أبناء وعشاق». في كتابه «لورنس حياة الغريب» يعلق ورثن
على هذه الجزئية بالقول «الواقع أن ليديا بدء بسنة 1902
وما بعدها كانت تبدو امرأة شديدة التفاني، ذات هدف مفرد
يستقطب كل قواها في تعاملها مع لورنس الذي لم تتعاط معه
باعتباره طفلاً، وإنما باعتباره رجلاً شاباً».
بالنسبة
لقراره الكتابة كمحترف سعياً وراء كسب العيش فإن ذلك ينبع
حسبما يرى نقاده من شعوره بملاحقة مرض السل الذي لم يكن
قد اكتشف له دواء في تلك الآونة. غير أن ما يثير الدهشة
هنا هو حجم ما قدمه من إنجاز أدبي توزع على أقل من 20 عاماً
وهو ما لا يمكن أن يصدر في الأوقات العادية عن شخص مريض
فعلاً، الأمر الذي يبدو قريب الشبه بالمعجزة.
كان قد ألف
عدداً كبيراً من القصائد والمسرحيات وكتب الرحلات عدا ما
خلفه من رسائل مهمة. بالنسبة لكاتب مثل لورنس كان يعرف بتأثيره
على الآخرين كمتحدث، كانت الكتابة لا تقل أهمية أو بالأحرى
تحدياً قياساً بقلقه الشديد من دنو أجله «لا وقت لديه للقلق
مما يسمى صعوبة الإبداع. وكان سعيه الحثيث قد استمر على
نحو استثنائي «كانت لديه القدرة على كتابة 4000 كلمة يومياً.
أما روايته الأسترالية «الكنغر «التي يعتبرها البعض من افضل
أعماله فلم يستغرق تأليفها اكثر من خمسة اسابيع.
كانت حياته
العاطفية مصدر قلق، لا سيما في مرحلة مبكرة. ويؤخذ عليه
الكثيرون اعترافه بأنه لم تكن لديه علاقات عاطفية قبل بلوغه
منتصف العشرين. في حين يرى البعض ان علاقته الغرامية بفريدا
هي الشيء الوحيد الذي ما زال يؤرخ لتحول حقيقي بالنسبة له.
فريدا أو فريدا فون ريشتوفن أرستقراطية ألمانية أصبحت فيما
بعد زوجة لورنس وكانت شخصيتها القوية المتنفذة جزءاً من
العلاقة بينهما. كتب يقول عنها «إنها كل شيء بالنسبة لي.
ولا يمكن لها أن تكون غير هذا».
يشير ورثن
في كتابه إلى فرارهما إلى المانيا، حيث تجاهلها الشديد له
وعلاقاتها الكثيرة مع رجال آخرين، ثم طلاقها من زوجها وزواجهما
ومعاناتهما الشديدة من الفقر ومن الإتهام بالتجسس لصالح
المانيا في المرحلة المتزامنة مع الحرب العالمية الأولى.
وكان من الواضح أن يبدو عليه الاستياء الشديد من علاقاتها
الجانبية مع رجال متنفذين منهم تلميذه الضابط الإيطالي «اندرو
رافاغيلي» لولا انه كان قد اختزل ذلك في ذهنه لكي يقرأه
الاخرون في رواية «عشيق ليدي تشاترلي».
جمعت بين
لورنس وفريدا علاقة عاصفة على الرغم من اعترافه واعتراف
نقاده فيما بعد بالدور المهم الذي لعبه وجودها في حياته
الإبداعية. كانت ملهمته والشخص الوحيد الذي كان يحمله على
الكتابة رغماً عن أنفه. وفي الوقت الذي كانا يطوفان فيه
معاً أنحاء مختلفة من أوروبا كان تأثير ذلك يظهر واضحاً
في مؤلفاته التي تأتي في مقدمتها كتب الرحلات، يذكر هنا
كتابي «البحر وسردينيا» و «مشاهد اترورية والفجر في إيطاليا».
كان الزوجان
قد أمضيا فترة من الزمن متنقلين بين نيومكسيكو و أستراليا،
وأميركا قبل عودتهما إلى جنوب أوروبا. غير أن مقارنة بسيطة
بين ما ألفه لورنس وما ألفه جيمس جويس في منفاه الاختياري
ربما كانت كافية للدلالة على أنه على الرغم من مقاومته فكرة
تجسيد الوطن في أعماله، إلا أن هذه الصورة كانت متسلطة على
إبداعه.
أحد المرتكزات
الأساسية التي يستند إليها ورثن في دفاعه، الرسائل التي
كتبها لورنس، المنشورة في الطبعة اللندنية الصادرة عن دار
بنغوين للنشر. يصفها بانها «أفضل مؤلفاته». غير أن تعامله
مع هذه الرسائل يتميز بالحذر والموضوعية الشديدين وهو ما
يفسح المجال أمام لورنس للدفاع عن نفسه. والواقع أن لورنس
الذي يظهر في رسائله كشخصية مكتئبة قليلة الثقة بنفسها تسعى
باستمرار إلى تجنب الوقوع في أزمة نفسية هو ما يبني عليه
ورثن رأيه الأخير حول النهاية التي يؤول إليها.
هنا يصف
الأسابيع الأخيرة من حياته. توفي لورنس وهو يعاني من نوبة
من الصرع العنيف بمنزل كان قد استأجره في فنس، فرنسا. ولم
يحضر لمعاينة جثته سوى فريدا وألدوس هكسلي الذي نشرت دار
بنغوين شهادته فيما بعد. ويسلط ورثن الضوء على الظروف التي
قادت إلى موته بالاستعانة بقصيدته التي تحمل عنوان «زهرة
الجنطيانا البافارية» إحدى أكثر قصائده غموضاً وكان قد كتبها
وهو يشعر بدنو أجله. في هذه القصيدة كان الشاعر يتطلع إلى
أن يحمله بلوتو إله الموتى بين ذراعيه.
جون ورثن
في سطور
ولد جون
ورثن عام 1943 في لندن ـ مؤلف وأكاديمي بريطاني، متقاعد،
عمل في عدد من الجامعات (شارلوتسفيل، سوانسي ونوتنغهام).
يعرف ورثن من خلال كتابته وتوثيقه لحياة الروائي البريطاني
د. ه. لورنس الذي تخصص في تدريسه بجامعة نوتنغهام.
من أهم أعماله
التي توثق لسيرة لورنس د.ه. لورنس وفكرة الرواية 1979، دار
مكميلان، «د. ه. لورنس: حياة أدبية» 1989، دار مكميلان،
«د. ه. لورنس: المرحلة المبكرة 1885 - 2191، 1991 » إصدار
جامعة كامبردج، «د. ه. لورنس: حياة الغريب» 2005. إضافة
إلى مجموعة من الدراسات الأكاديمية المقدمة لجامعة كامبردج
حول حياة لورنس.
تفرغ في
بداية الألفية الثالثة للكتابة (حول حياة عدد من المبدعين
البريطانيين).
من أعماله
الأخيرة «العصابة: كولردج، وردزورث وهتشنسون في سنة 1802»
حياة روبرت شومان ». من المنتظر أن يصدر له كتاب حول حياة
فريدا فون ريشتوفن يسلط الضوء على حياتها قبل لقائها بلورانس.
الكتاب:
د. هـ. لورنس: حياة الغريب
الناشر:
دار ألين لين - لندن 2005
D. H.Lawrance:
The Life of an Outsider
John Worthen