حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

مانيه فلوبير وظهور الحداثة

مؤلف هذا الكتاب هو الباحث أروين ريد المختص بشؤون الفن والأدب في القرن التاسع عشر وهو يتعرض في هذا الكتاب الجديد لعملاقين من عمالقة الأدب والرسم هما: ادوار مانيه وغوستاف فلوبير. وهما ينتميان إلى الجيل نفسه وقد ولدا وماتا في أوقات متقاربة فالأول، أي مانيه، ولد عام 1832، ومات عام 1883 واما الثاني أي فلوبير فقد ولد عام 1821 ومات عام 1880. وكلاهما كان مجدداً في مجاله بل ومساهماً في بلورة ما ندعوه الآن بالحداثة الفنية أو الروائية، فبيكاسو، زعيم الحداثة في الفن ينسب نفسه الى مانيه. وفلوبير هو الذي دشن المدرسة الواقعية في الرواية الفرنسية وانتقل بها من ميوعة الرومانطيقية اذا جاز التعبير الى مرحلة أعلى من النضج الكتابي، ويرى المؤلف ان مانيه كان روائياً في فنه، بقدر ما كان فلوبير رساماً في كتابته ورواياته.

ومعلوم ان مارسيل بروست، صاحب رائعة «بحثاً عن الزمن الضائع» كان قد قال بان فلوبير هو والد الرواية الحديثة واننا جميعاً مدينون له. فقد كان يعبر البلدان من فرنسا، الى مصر، الى فلسطين الى تركيا، الى تونس، والقلم في يده وذلك لكي يسجل خواطره وانطباعاته قبل ان تتبخر وتختفي وبعدئذ كان يستخدمها في رواياته.

لقد كان فولبير مصوراً للحياة الواقعية المحسوسة في رواياته الرائعة «مدام بوفاري»، «والتربية العاطفية» وسوى ذلك بقدر ما كان مانيه راوياً للحياة الفرنسية في لوحاته الرائعة ايضا «كالربيع» او «غداء على العشب» او سوى ذلك، كلاهما كان يريد ان يقول شيئاً ما، وقد قال من خلال فنه التشكيلي او كتابته الروائية كلاهما كان شاعراً على طريقته الخاصة وكلاهما كان مخلصاً في ذات الوقت لتصوير الحياة كما هي.

ثم يردف المؤلف قائلاً بما معناه: لم يكن مانيه رساماً كبيراً جداً فقط وانما كان يشكل ايضا قطيعة بالقياس الى من سبقوه، لقد فتح عصراً جديداً في تاريخ الفن التشكيلي، وهو العصر الذي لا نزال نعيش فيه حتى الآن، ولكنه سبق عصره بواقعيته الجارحة ولوحاته الجريئة. ولذلك كان يمثل فضيحة في عصره وان كان قد أصبح عادياً او مفهوماً في عصرنا الراهن، بمعنى آخر فقد استبق على عصره بمدة اربعين او خمسين سنة.

فلوحته الشهيرة: «غداء على العشب » تظهر لنا رجلين لابسين كل ثيابهما بما فيها القبعة والكرافات مع امرأة عارية تماما، هذه الصورة صدمت أناس ذلك العصر، عصر مانيه، الى اقصى الحدود، ولكنها لم تعد تصدمنا نحن الآن بعد ان أصبح العري شيئاً طبيعياً في الحضارة الحديثة، وبعد ان تطورت الازياء والموضات كثيراً بالقياس الى القرن التاسع عشر حيث عاش مانيه.

لقد هاجم النقاد مانيه كثيراً في عصره لأنه لم يكن يرسم كبقية الفنانين. وعند ما كانوا يحضرون معرضاً للرسم كانت لوحة مانيه هي وحدها التي تختلف عن بقية اللوحات. وكان اناس يقولون: مستحيل ان يكون وحده على حق والجميع على باطل!

كان مانيه يرسم الحياة كما هي ثم يضيف اليها مسحة الشاعرية، أليس هذا هو الفن؟ الا يحتم علينا الصدق ان نرسم الناس كما هم في الحياة اليومية؟ عندما كان يخرج مانيه من بيته للتنزه كان يصادف الناس في طريقه كبقية المارة، ولكنه كان يراقبهم باهتمام ويدرس الانفعالات المرتسمة على وجوههم لكي يستفيد منها لاحقاً عندما يتفرغ لرسم لوحاته الخالدة.

لكن ما الذي دفع مانيه الى حب استفزاز الجمهور؟ البعض يقول بأنه كان ثورياً في أعماقه وهادئاً في مظهره الخارجي. كان يغلي كالبركان دون ان يلمح ذلك أحد، اللهم إلا في لوحاته حيث كان يطلق لمشاعره الدفينة العنان. لماذا صور امرأة عارية تماماً مع رجلين لابسين حتى «الكرافيتات» أو ربطة العنق؟

عندما عرضت اللوحة في صالون كبير إلى جانب لوحات الفنانين الآخرين لم ير الناس غيرها، لقد سيطرت على المعرض كله، وكان الناس يشتمونه وهم خارجون من المعرض: عيب عليه، حقير، وغد، نذل، إباحي... الخ.

ولكن هذه اللوحة أصبحت خالدة الآن، أصبحت إحدى أجمل وأهم اللوحات في تاريخ الفن الحديث، ولم تعد تثير استفزازنا أو مشاعرنا الحساسة. في الواقع ان مانيه كفلوبير، كان ثائراً على تقاليد المجتمع الفرنسي البرجوازي المنافق والمحافظ، كان يحب الحقيقة ويريد أن يقولها. والُعري هو أحد مظاهر الحقيقة. والعري ليس ابتذالاً ولا رذيلة إذا ما عرفنا كيف نصوره، وبالتالي فقد كان مانيه ثورياً على الرغم منه.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وهذه هي حالة فلوبير ايضاً في مجاله الخاص: أي مجال الكتابة الروائية. ففلوبير ايضاً ثار على مجتمعه ووصف الواقع كما هو بدون أي كذب أو مساحيق تجميلية. ولذلك فإن روايته «مدام بوفاري» اعتبرت بمثابة فضيحة كاملة وخروجاً على الآداب والاخلاق والذوق العام.

ولولا وساطة بعض المراجع العليا لقدم فلوبير الى المحاكمة في باريس ولعوقب على كتابته هذه الرواية الخلاعية الخارجة عن مكارم الأخلاق.

ولكن الآن أصبحت مفخرة الآداب الفرنسية تماماً مثل لوحة مانيه «غداء على العشب» أصبحت فرنسا تفتخر بها أمام الأمم كلها في حين انها أدانتها لحظة ظهورها، كيف نفسر ذلك؟ التفسير الوحيد هو ان الفنان الكبير قد يسبق عصره بسنوات عديدة، وبالتالي فلابد من انتظار الأجيال التالية لكي يفهمه الناس.

هناك نقطة أخرى تقرب بين مانيه الرسام وفلوبير الكاتب هي أن كليهما ولد في عصر تسيطر عليه الرومانطيقية، ولكن كليهما خرج على الرومانطيقية ودشّن عصراً جديداً في تاريخ الفن والأدب.

فلا ينبغي أن ننسى أن فيكتور هيغو كان يسيطر على الآداب الفرنسية عندما ولد فلوبير أو بعد أن ترعرع وأصبح شاباً، بل وكان فلوبير في شبابه الأول رومانطيقياً. ففي حوالي العشرين سنة كان يعيش الحياة الرومانطيقية ويحاول استكشاف آفاق هذه المدرسة في الفكر والكتابة.

كان يحاول تقليد كبار الكتاب الرومانطيقيين من أمثال فيكتور هيغو وبلزاك وجورج صاند واللورد بايرون وجان جاك روسو، وكان هؤلاء هم كتّابه المفضلون، ولكنه فيما بعد خرج عليهم مثلما خرج مانيه على الرسم الرومانطيقي على طريقة يوجين دولاكروا.

لقد سقطت الرؤيا الرومانطيقية للعالم بعد ان اصطدم فلوبير بالحياة وبعد ان انقشعت الأوهام الكبرى، التي كانت تغذي هذه الرؤيا. ففي بداية حياته كان يؤمن بوجود الحب المطلق، والعدالة، والحرية، والعبقرية، مثله في ذلك مثل كل الرومانطيقيين الحاليين.

ولكن بعد ان جاء الى باريس من الاقاليم البعيدة لدراسة القانون واصطدم بالاكراهات الاجتماعية والقيود عرف ان الرومانطيقية هي مجرد وهم جميل، وان واقع الحياة شيء اخر. قد عبّر عن ذلك في روايته «التربية العاطفية» حيث اكتشف ان الحب والسعادة ما هما الا وهم سرعان ما يتبخر من الحياة.

ولكن الناس لا يحبون ان تقول لهم ذلك حتى لو كان صحيحاً. الناس بحاجة الى اوهام وردية، الى كاتب يكذب عليهم ويصور الحياة بألوان مثالية، باسمة، جميلة.

ثم يردف المؤلف قائلاً:

للوهلة الأولى قد تبدو لنا روايات فلوبير مختلفة جداً عن بعضها البعض. ولكن عندما ندرسها عن كثب نلاحظ انها مترابطة فيما بينها بشكل وثيق.

فهي تعبّر وإن كان بأشكال مختلفة، عن رؤيا واحدة للعالم، هي رؤيا المؤلف نفسه. ولذلك فإن فلوبير قال عبارته الشهيرة: مدام بوفاري هي أنا!

بم تتمثل الرؤيا العامة لفلوبير؟ بالشيء التالي: فلوبير كان يعتقد ان الثورة الفرنسية دمرت حضارة كاملة دون ان تحل محلها حضارة اخرى جديدة. وكان يعتقد ان الفترة التي يعيشها هي فترة انتقالية، وهذا صحيح. كان يقول مثلاً: ارى الماضي حطاماً والمستقبل براعم لم تتفتح بعد. وانما بينهما اعيش. كل شيء مشوش، غامض. فلا القديم مات كلياً ولا الجديد ولد فعلاً. هذه هي الفترة التي عاش فيها فلوبير.

انها فترة مليئة بالخضات والرجّات والاهتزازات والاضطرابات والثورات التي لا تنتهي الا لكي تبدأ من جديد. لم تكن فرنسا قد استقرت بعد على نظام مبني، كانت لاتزال تبحث عن نفسها، عن نظام اخر غير النظام الذي اطاحت به الثورة الفرنسية.

فكيف تريد الا ينعكس ذلك في أعمال الفنانين والكتّاب الكبار؟ كيف تريدهم ان يكونوا سعيدين، واثقين من مستقبلهم، وهم يعيشون في عصر مضطرب، هائج، مليء بالقلاقل والحروب الأهلية؟

كيف تريدهم ان يؤمنوا بالمثاليات بعد كل ما حصل ويحصل؟

هذا مستحيل. ولذلك فإن المرحلة الرومانطيقية في الأدب والفن انتهت وانحسرت، وكان ينبغي ان يحل محلها شيء جديد. وهذا الشيء ما هو الا الواقعية والانطباعية. ينبغي على الفنان ان يصور الواقع كما هو لا كما يحبّ ان يكون.

ولكن بما ان الناس كانوا لا يزالون متأثرين بالفن الرومانطيقي والشعر الرومانطيقي والرواية الرومانطيقية فإنه كان يصعب عليهم أن يفهموا أو يتذوقوا الانتاج الجديد وهذا ما يحصل لكل فترات الانقطاع والانتقال ألم يحدث الشعر الحر فضيحة في عصره؟ ولماذا أحدثها؟ لأن الناس كانوا متعودين منذ مئات السنين على الشعر الموزون والمقفى وكان هو وحده الذي يشبع آذانهم وأرواحهم ولذلك استنكروا الشعر الحديث أول ما ظهر واعتبروه فضيحة كبيرة.

ثم راحوا يتعودون عليه شيئاً فشيئاً بمرور السنوات حتى قبلوه في نهاية المطاف وهذا ما يحصل لكل جديد انه يصدمنا في البداية ثم نبتدئ باستساغته بعدئذ ولكن البعض يظلون مخلصين للقديم ولا يستسيغون الجديد أبداً وهؤلاء هم المحافظون ان لم نقل الرجعيين الذين يحنون دائماً رجعياً إلى الوراء.. انهم مخلصون للقديم ولا يستطيعون من أسره فكاكاً.

على هذا النحو نفهم سبب الضجة الكبرى التي أحدثتها الأعمال الرائدة في القرن التاسع عشر كأعمال مانيه وفلوبير ولكن ينبغي ان نضيف إليها أعمال بودلير أو قصائده التي صدمت عصره وقدمت للمحاكمة أيضاً مثلما حصل لفلوبير فديوان «أزهار الشر» انفجر كالقنبلة الموقوتة وشكل فضيحة كبرى ولم يكن حظه أفضل من حظ مدام بوفاري.

ثم أصبح الآن مفخرة الشعر الفرنسي ولم يعد يثير سخط أحد او استغرابه لماذا؟ لأن الأذواق تطورت وكذلك العقول وما كان يشكل فضيحة قبل مئة سنة أصبح الآن شيئاً عادياً لا يثير اهتمام أحد. وهذا أكبر عزاء للمجددين والمبدعين الكبار كما أنه يشكل تحذيراً للمحافظين الذين يعتقدون بأن رؤياهم للعالم أبدية سرمدية في حين أنها عابرة وتاريخية.

 

تأليف: أروين ريد

الكتاب: مانيه، فلوبير وظهور الحداثة

الناشر: مطبوعات جامعة كمبردج 2003

MANET, FLAUBERT, AND THE EMERGENCE OF MODERNISM

ARDEN REED

CAMBRIDGE UNIVERSITY PRESS 2004



.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri