اعتذار
عن البربرية
الإمبراطور
كلمة لاتينية تعني «الرجل الأول في الدولة», وفيما بعد
تطور معناها لتصبح «الجنرال المنتصر في الحرب» وابتداء
من روما القديمة ويوليوس قيصر, وانتهاء بإمبراطور اليابان...
كانت الإمبراطوريات تعني الحكم الواسع لبلدان متعددة وشعوب
مختلفة.
انهارت
الإمبراطوريات... وبقي, في الحيز الأخلاقي والدستوري,
الكثير من «الإمبراطورات» الذين يحكمون دون منازع بصفة
الرجل المطلق الصلاحية.
اليوم,
في عصر الحداثة, الذي ينطوي على مراجعات شاملة للتاريخ,
ومحطات آثاره المدمرة في العصور المختلفة... يطيب لي انا
شخصياً, أن أفكر, كشخص عالمي لديه الحس العالي بالمسؤولية,
فأقدم لائحة اعتذارات في عدد من القضايا, وللكثير من الشعوب,
ولعديد من البلدان.
الاعتذارات
مشفوعة بطلب الغفران, وداعية إلى عصر التسامح والى نعمة
لا ينكرها أحد وهي: النسيان.
فأبدأ
بالاعتذار من الهنود الحمر. فقد بادلوا, في سذاجة, الفاصولياء
بالويسكي. والذرة بسروج الخيل, فقتلناهم وأخذنا أراضيهم.
واعتذر
لسبعين مليون عبد أفريقي. مات منهم في أقفاص النقل في
عنابر السفن عشرون مليوناً, والباقي جَلْداً وجَلَدَاً.
أعتذر
من اليهود €بناء على فتوى الفاتيكان بتبرئتهم من دم المسيح€
ومن ضحايا محاكم التفتيش في العصور الوسطى الأوروبية €بناء
أيضاء على فتوى البابا€.
أعتذر
من ضحايا الحروب الصليبية وهي تفتك بغير المسيحيين خلال
مئة عام, ولا أحد يعرف عددهم من كل الجنسيات على خطوط
أجتاحهم نحو الشرق بحثاً عن غنائم المسيحية, لا عن مسيحية
الموطن الأصلي ليسوع الناصري.
كما واعتذر
من الفيتناميين الذين ماتوا دفاعاً عن وطنهم, بأسلحة أميركية
اعتذرتْ لاحقاً عن المجازر, وأقرّتْ بالمبالغة في القتل
المعمّم والحرائق الشاملة لبلدٍ يقع في المقلب الثاني
من الكرة الأرضية.
اعتذر
من سود جنوب أفريقيا بعد ان اعترف البيض بلغة السكان وأغلبيتهم
المطلقة, واعترفوا بذنوب القتل والأيديولوجيا والنهب الاستعماري
الاستيطاني بالغ الوضوح, فيما كانت الأقلية البيضاء تخترع
قنبلة ذرية وتدرّب الإسرائيليين على فنون الإبادة.
اعتذر
من البوسنة والهرسك والشيشان وفلاحي القفقاس ومسلمي آسيا
الشمالية, باسم الشيوعية التي ذهبت الى هناك ولم تنزرع
هناك, رغم القتل والتعذيب بحجة الإلحاد العلمي الماركسي
الستاليني المقيت دائماً.
أقدّم
الاعتذار الشديد نيابة عن الطبيعة لقتلى البراكين والزلازل
والهزات الأرضية. لهيروشيما وناغازاكي. ولليونانيين عن
تدعيس آلهتهم في جبل الأولمب بأرجل الآغا التركي لأربعمائة
سنة متخلفة.
إذا كنت
قد نسيت أحداً... فأنا, سلفاً, أعمّم الذاكرة, وأدين النسيان
إدانةَ شيخوخةٍ مبكرة. وأنوّه بالفداحة التي رافقت مسيرة
البشرية, لأسباب قد لا تكون كافية لتبرير البربرية. وفي
الوقت نفسه بفداحة الاعتذار المتأخر €الذي لم يُجْبرْ
أحداً بَعْد ساعةٍ من الاعتذار على تغيير ما يؤدي الى
البربرية نفسها المطلوب غفرانها.
لقد اعتذرتُ
بوصفي «إمبراطور» سوري المنشأ وعربي المزاعم... من كل
البشرية الحديثة عن ماض لا يريد أن يمضي في سلاسة الدماء
التي هُدرت والخرامات التي انتهكت...
ولكن...
آسف جداً لأنني لن أعتذر من سوريا ومن السوريين فأنا إمبراطور
منتصر ولم أذنب, خلال خمسين سنة استقلال, بحق أحد!!
عادل محمود