حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الكتابة على شاهدة قبر

إن استخدام اللغة بحيث ترضي القارئ وتنوره أمر لا يستهان به. هذه الجملة اقترح الكاتب الإنكليزي انطوني بورجيس أن تكتب على شاهدة قبره. ولذلك بالإمكان القول إننا عندما نبدع يجب أن نكون عنيفين لارغام اللغة على الخضوع لنا. كذلك يجب على المبدع الحقيقي أن يعرف دائماً كيف يتجاوز العصور والمجتمعات والأنماط الأدبية. لكننا حين نلتفت الى هذا الكم من النتاج الأدبي والفكري العربي, ندرك إن هذه التلاوين نادراً ما تكشف عن موهبة, او تقود الى محاكاة, او تكشف عن أصالة وعبقرية. وإذا كان بورجيس صاحب رواية «البرتقالة الآلية» يقرأ كل شيء في المجالات كلها, ويتكلم 7 لغات, فإن كتابنا العرب, نادراً ما يقرأون لزملاء لهم, بل إن غالبيتهم لا يكلفون عناء أنفسهم ان يتابعوا ما ينتج في حقل الرواية, للتعرف على الأقل الى المدى الذي آلت إليه هذه «الحرفة» التي بات يمارسها الكثيرون ممن يستهويهم «الرسم بالكلمات» من دون ان يكون لهم مرجع او دليل, بل يوظفون ثقافتهم بمكر الى درجة لا نقع معها إلا على فكر سطحي يشوه كل انواع الفنون.

لكن لتعرف على بورجيس الذي كان هاجسه إحداث مفردات جديدة في اللغة. لقد تخصص بالألسنية قبل أن يكرس نفسه للكتابة. وهو قبل هذا هاو كبير للموسيقى ويعزف على الأورغ والبيانو والغيتار وألف 3 سمفونيات, ووضع موسيقى مسرحية «عوليس» للكاتب جيمس جويس. امام هذه المغالاة وتقلباته وتلاوينه الفنية, وأمام مواهبه الوافرة والمتنوعة, تساءل النقاد, من هو هنا الموسوعي: هل هو مستخدم سيئ للأدب والفن والفكر, يقلد اكبر الكتاب ويتمثل بموهبة فن الكتابة عند شترن جويس ونابوكوف, أم هو مبدع ينبغي الاعتراف بأصالته وعبقريته؟, هل كان التمثل لديه وسيلة أم غاية, أم الاثنان معاً؟ باختصار كان هناك تساؤل: ما الذي يحمله بداخله: الرغبة في الإبداع ام المحاكاة الساخرة. لقد اتهم بورجيس بممارسة كل انواع الفن, واعتبر ذلك علامة على فكر سطحي وتأكيداً بانه يعمل بسرعة كبيرة وبالكثير من السهولة. على أي حال, يقول جويس: لا تضع الكثير من المخططات مقدماً, تأتي الأمور الجيدة, أثناء العمل»... لقد روى جويس كيف كان يباشر العمل دون انتظار «الوحي» كان يكتب من الصباح حتى المساء 12 ساعة باليوم و7 أيام بالأسبوع. وكان يعود الى كل فقرة 20 مرة على الأقل. لكن في حالة بورجيس هذه النابغة الذي حاول ان يلم بكل ما تقع عليه عيناه, استقبلت حيويته المدهشة في إنكلترا بشكل سيئ, كان يشعر انه غير مفهوم ومعزول. ولذلك لم يتوقف عن الهرب من موطنه, بل انه أعلن انه عاش منفياً منذ ولادته.

كان جمهوره مثل جذوره الروحية في فرنسا. يقول: يعود تقليد الصلابة لدى فرنسا الى رابليه, انه التقليد الذي احب ان آخذ مكاني فيه. أن أكون صلباً مع هذا الجانب المادي والهجائي بشدة. وأيضا مع هذا النشاط في ابتكار مفردات جديدة في الأبجدية. ان هذا الابتكار الدائم للكلمات لتقديم أنماط غير مطروقة في التعبير وطرق جديدة في الإحساس هو حاجة ضرورية بالنسبة الى بورجيس. لكن أين نعثر على هذه النواة في إبداعنا العربي, ومن هم الكتاب الذين يمارسون الغفران ضد الكسل والاستسلام للناجز او التماهي مع المستنسخ.

في الحقيقة قلما نقع في نتاجنا العربي المعاصر على كتابات ومواضيع تندرج ضمن الهموم الكبيرة لعصرنا. كأن كتابنا اكتفوا بتدوين سيرتهم. من دون أن يدركوا إن هذه الحقيقة انتهت منذ ما يعرف بفترة التدوين.

 

حسين نصر الله - nassrallah_h@hotmail.com



.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri