الإنسان واللغة والشعر
من الإبداع والمحاكاة إلى تجسيد الحقيقة اليومية
حينما نظر الإنسان إلي ذاته بدأ التحول الأكبر للإنسان البشري ،فقد أحاله هذا الإدراك من إدراك ساكن فاتر إلي إدراك متحرك متجاوز، ويرتقي باللغة البشرية إلي مرحلة الحوار مع النفس الذي هو أكثر درجات الحوار صدقاً ونزاهة وتواصلاً إذ تصبح فيه اللغة صافية خالية من سوء التفاهم وتشتت الدلالات .وليس معني النظر في الذات هو الانكباب علي النفس ،بل أن الذات هنا تصبح محوراً أو بؤرة لصور الكون وأشيائه ويمتحن الإنسان من خلال النظر في ذاته علاقته بهذه الأشياء .وقد يدير نوعاً من الحوار الثلاثي بين ذاته الناظرة وذاته المنظورة فيها وبين الأشياء.
الحوار يولد الحقيقة
ومن خلال هذا الحوار تتولد الحقيقة التي يحدثنا سقراط أنه من المستحيل أن تغرس في نفس الإنسان ،ويعلمنا أنه لا بّد من إدراكها بالجدل ،الذي يبدأ بالفكرة أي الذات الناظرة ،ثم امتحان الفكرة بالشك أو التأمل في الذات المنظور فيها مستعينة في ذلك بالحقائق العيانية ، وهي الأشياء .والقصيدة هي نوع من الحوار الثلاثي فهي تبدأ خاطرة يظن من لا يعرفها أنها هابطة من منبع متعال عن البشر ،فهي عند اليونان وحي أوحت به الآلهة ،حتى أن أفلاطون(*) يقول " إن أشعار الشعراء وتنبؤات الكاهنات تنبع من مصدر واحد ،وأن الشاعر لا يغني بقوة الفن ،ولكن بالقوة الإلهية " .أما عند العرب وبخاصة في جاهليتهم فقد تحدثوا عن إيحاء الجن، فقال أمرؤ القيس أو شعراء العربية الكبار.
تُخيّرنُي الجِنُ أشعارها
فما شئتُ من شعرهن انتقيت
إن هذه الخاطرة الغامضة تأتي ملحة مدوِّمة ،منتزعة من أي سياق ،بحيث أنها لو أخضعت لعالم الفكر الدقيق لبدت قاحلة لا تبشر بتفتح عن زهر وثمر . أدرك ذلك فرويد حين كتب إلي صديق له يشكو من ضعف قواه الإبداعية" إن علة شكواك فيما أري تتمثل في ذلك الضغط الذي يفرضه فكرك علي خيالك ومن الجلي أنه من العبث الذي ليس وراءه طائل أن يختبر الفكر بدقة كل الخواطر التي تزدحم علي الأبواب ،فنحن إذا نظرنا إلي أي خاطر منعزل فقد نجده تافهاً غير أنه ربما يصبح مفيداً حين يقترن بخاطر آخر يليه. فهو يكتسب معناه إذا التأم بمجموعة أخري من الخواطر كانت تبدو مماثلة له في السخف ،والفكر لا يستطيع أن يحكم علي هذه الخواطر جميعها إلاّ إذا اجتمعت. والرأي عندي أن تبعد حراس الفكر عن الأبواب حين يبدع ذهنك ،وتدع الخواطر تتدفق كالموج، وبعدئذ ينظر الفكر ليتفقد الجموع ...هناك خاطرة أولي إذا تفد إلي الذهن ،تبزغ فجأة مثل لوامع البرق ،ونسعي إلي أن تقيد وتُقتَنَص، فاءذا أقتُنَصتْ تشكلت في كلماتٍ ،وقُيِّدَ وجودها المتشيء ،واكتسبت حق الميلاد .. وهنا لابَّد أن تمتحن هذه الفكرة النابعة من أغوار الذات الساكنة التي ضاقت بفتورها ،فتاقت إلي أن تعي نفسها ،ومن موجة هادئة إثر موجة هادئة أنبعثت دوامة ،والدوامة تريد أن تتشكل لكي لا تفقد وجودها في دورانها العشوائي علي ذاتها ..تعتزل الذات لكي تعي ذاتها ،ولذلك فاءن " كل فن عظيم لا يولد إلاّ في ظلال التوحد " .ولعل هذا ما عبر عنه الشاعر القديم حين قال:
وأخرجُ من بين البيوت لعلنّي
أُحَّدثُ عنك النفسَ ياليلُ خاليا
وهو ما نجده في رباعية للشاعر الأسباني " لوب دي فيجا ".
إلي وحدتي أنا ذاهب
ومن وحدتي أنا قادم
ذلك أنه يكفيني في غدوي ورواحي أن أصحب أفكاري وحدها.
ان التوحيد هنا ليس مرادفاً للوحدة ، ولكنه درجة عالية من أنصراف الذات إلي تأمل ذاتها ، أو أندماج الفكرة في نفسها وأنسلاخها عنها آلاف المرات ،ومن خلال جدل صميمي حاد. فالفكرة تجاهد لكي تنظر في مرآتها ، والمرأة تجاهد لكي تبدع في تصوير الفكرة ، وعالم الأشياء حاضر علي مدي اليد ، تُستمُّد منه الصور والكلمات.
إبداع النص الشعري
لنقل إذا أن خلق القصيدة يمر بثلاثة مراحل : القصيدة كوارد ، وللصوفيين المسلمين في استعمال كلمة " وارد " تفنن فريد ، فقد فرقوا بين هذه الكلمة وبين الكثير من الألفاظ التي تشبهها ، مثل : الخاطر والبادئ والباده والعارض والوهم، فجعل " السراج الطوسي " الباده مقدمة للوارد ، حين يبده القلب أو يفجؤه فيخرج به عن مساره إلي مسار جديد، والبادي أو الباده يفتح الطريق للوارد، إذ شرط الوارد " أن يستغرق القلب ، وأن يكون له فعل ". " الوارد ما يرد علي القلوب بعد البادي ويستغرقها ، والوارد له فعل ،وليس للبادي فعل ، لأن البوادي بدايات الواردات، قال ذو النون رحمة الله: " وارد حق جاء يزعج القلوب ". ويحدثنا القشيري في رسالته عن تعبير آخر من تعبيرات الصوفية، وهو اللوائح أو الطوالع أو اللوامع تحديداً لهذه الخواطر السريعة التي تنبع من حيث لا يدري الإنسان ، وتحيا في مسار عقله الواعي ، ولا ينتجها كد الذهن بقدر ما ينتجها حال الصفاء العقلي ، فيشبهها بأنها كالبرق ، ما ظهرت حتى استترت ، ثم يقرن بينها وبين قول القــائل :
افترقنا حينا، فلما التقينا
كان تسليمُهُ عليّ وداعا
وتلك هي اللوائح ، فأذا ظهرت مرتين وثلاثاً ، ولم يكن زوالها بهذه السرعة ، فهي لوامع أما الطوالع فهي أبقي وقتاً وأقوي سلطاناً وادوم مُكثاً، وأذهب للظلمة ، لكنها هي الأخرى موقوفة علي خطر الأفول ، ليست برفيعة الأوج ولا بدائمة المكث ، ثم إن أوقات حصولها وشيكة الأرتحال وأحوال أفولها طويلة الأذيال. ولكن هذه الحالات النفسية كلها، اللائحة والطالعة واللامعة ليست بعد ذلك كله شيئاً أهون أثراً من الواردات "وهذه المعاني التي هي : اللوائح واللوامع والطوالع ، تختلف في القضايا ، فمنها ما إذا فات لم يبق عنه أثر ، كالشوارق إذا أفلت فكأنّ الليل كان دائماً، ومنها ما يبقي منه أثر ، فإذا زال رقَمُهُ بقي ألمُهُ، وإن غربت أنواره بقيت أثاره . فصاحبه بعد سكون غَلبَاته يعيشُ في ضياء بركاته، فالي ان يلوح ثانياً يُرَجَّي وقتُهُ علي أنتظارِ عودِه ، يعيش بما وجد في حين كونه " ... وذلك الذي يبقي أثره " هو الوارد " وكلمة الوارد أدق دلالة من كلمة الحدس كما يستعملها فيلسوف " كبرجسون : في مقدمته " للميتافيزيقا " . فالحدس عند برجسون لا يستطيع أن يعمل مستقلاً عن العقل وإن كانت طبيعته المخالفة لطبيعة التفكير العقلي . وعند برجسون أن الحدس لا يستطيع أن - ينبثق ما لم يجمع العقل المواد الأولية التي ترتبها في وحدة أو تناسق ، ثم ينبثق الحدس بعد ذلك ليعلن النتيجة فالحدس البرجسوني نوع من الفطنة الثاقبة التي تسبقها مقدمات عقلية وتركيبية متعددة ، ليس هوما وصفه الشاعر القديم بقوله :
الألمعي الذي يظن بك الظن
كأن قدر رأي وقد سمعا
ليس الحدس ظناً لا يبني علي مقدمات ، شيئاً كالإلهام ، ولكنه قمة شبه عقلية لنشاط عقلي . والحدس " البرجسوني " قد يكون صالحاً لتفسير الوثبات الفكرية العالية ، ولكنه لا يصلح لتفسير الوثبات الوجدانية بل لا بد لتفسير هذه الوثبات من مصطلح خاص، لا نجده عند الفلاسفة ولكننا نجده عند أصحاب الاجتهاد الروحي من الأنبياء والمتصوفة.
الوارد بداية الحمل بالقصيدة
والقصيدة كوارد قد تكون حين يرد إلي الذهن مطلع القصيدة ، أو مقطع من مقاطعها بغير ترتيب في ألفاظ مموسقة، لا يكاد الشاعر نفسه يستبين معناها . قد يأتي هذا الوارد بين الناس أو في الوحدة ، في العمل أو المضجع، لا يكاد يسبقه شيء يماثله أو يستدعيه . ويعيده الشاعر علي نفسه، فيجد أن هذا الوارد قد يفتح له سبيلاً إلي خلق قصيدة، وقد يعيده مرات ومرات حتي تتفتح أمامه إحدى السبل، لقد تم الحمل بالقصيدة في صورة ما ، والذات تريد أن تعرض نفسها في مرآتها .. وهنا تبدأ المرحلة الثانية من حياة القصيدة ، وهي القصيدة كفعل يلي الوارد وينبع منه ، فالوارد كما حدثنا الصوفية لا بّد أن يتبعه فعل . ولو جربنا مع مصطلحهم لقلنا أن هذه المرحلة هي مرحلة " التلوين والتمكين " التي يحدثنا عنها القشيري بقوله : " فما دام العبد في الطريق فهو صاحب التلوين، لأنه يرتقي من حال إلي حال ، وينتقل من وصف إلي وصف ، ويخرج من مرحل ( مكان الرحيل) ويحصل في مربع (محل الربيع والرعي) فإذا وصل تمكن. وأنشد:
ما زلتُ أنزل من ودادك منزلاً
تتحير الألباب دون وصوِلهِ
وصاحب التلوين أبدا في الزيادة
وصاحب التمكين وصل ثم أتصل
وأمارة أنه أتصل ، أنه بالكلية بطل "
المصطلح الصوفي والفني
ولو نقلنا المصطلح الصوفي إلي المصطلح الفني لقلنا إن الشاعر حين يحاول تسوية القصيدة، يدفع بنفسه إلي رحلة مضنية في طريق قلق . ولننظر كلمة ( يرتقي من حال إلي حال ) فهي أوضح دلالة علي جهد الشاعر الجهيد في أثناء كتابته القصيدة أن يعود بنفسه إلي الحال التي أوحت إليه الوارد الأول ، فهناك منبع في مكان ما يحاول الشاعر ان يتصيده من خلال رحلته المضنية، والشاعر الموفق هو الذي يستطيع أن يتقدم خطوات نحو هذا المنبع حتي يتصل به ، فينفصل عن ذاته أو تنفصل الذات عن نفسها لتعيها، وتعيد عرضها علي مرآتها ( وأمارة أنه أتصل ، أنه بالكلية عن كليته بطل ) أو لنقل إن الذات قد أنقسمت إلي ذات منظورة وذات منظور إليها ... يحدثنا القشيري بعد ذلك في ذكاء نادر عن علة إخفاق بعض الصوفية برغم اجتهادهم في الوصول إلي التلوين والتمكين، ونستطيع أن ننقل هذا الحديث إلي مصطلح فني لقصيدة برغم الجهد والمشقة ، فيقول : " وقال الأستاذ : ( وهو يعني بالأستاذ عادة شيخه أبا علي الدقاق). وأعلم أن التغير بما يرد علي العبد يكون لأحد أمرين :
إما لقوة الوارد ، أو لضعف صاحبه.
والسكون من صاحبه لأحد أمرين
أما لقوته ، أو لضعف الوارد عليه
ومعني هذا أن إخفاق القصيدة قد يكون لقوة العواطف واحتدامها مع ضعف الشاعر، وأن توقف الشاعر عن إتمام قصيدته قد يكون لأنه لقوته ، أو لممانعته الذاتية لم يستطيع أن ينسلخ عن ذاته ، بحيث يدع القصيدة تسيطر عليه ، أو لضعف أحساسه بما يدور إليه من خاطر.
العمل الفني أشبه بالرحلة
وقد تواتر تشبه السعي وراء العمل الفني بالرحلة ، في تراثنا الشعري الحديث مخالفين شعراءنا في ذلك التقليد العربي القديم في تشبيه العمل بالصنعة اليدوية وهو التشبيه الذي يتضح في أبيات عدي بن الرقاع العاملي:
وقصيدةٍ قد بِتُّ أجمعُ شملْها.
حتى أقوَّمَ ميْلها وسناَدَها
نَظَرَ المُقِّف في كُعُوب قناقته
كيما يُقيم ثقافُهُ مُنآدها
أما نحن فقد أدركنا عنصر " المفارقة " او الأبتعاد في التجربة الشعرية. وقد يحس الشاعر في الأيام الأولي أن رحلة الشعر هي " رحلة المعني إلي الشاعر ، لا رحلة الشاعر إلي المعني " . وقد ظل معني الرحلة ينمو ويكتسب أبعاداً جديدة من المفارقة والنصب ، والرحلة تبدأ بعد التأهب الساكن لزورة الشاعر التي لا تجئ ، فيخرج إليه الشاعر طالباً عطاءه ، بعد أن ينزع عن نفسه كل شارات الحياة متجرداً كتجرد الحاج إلي قدس الأقداس . والواقع أن الصوفية هم أول من أشار إلي أن التجربة الروحية شبيهة بالرحلة، وهم الذين جعلوا من سعيهم وراء الحقيقة سفراً مضنياً مليئاً بالمفاجآت والمخاوف في طريق موحش طويل، قد ينتهي بسالكه إلي النهاية السعيدة ، أن وفق الله وأراد ... يقول أحدهم : " أنتهي سفر الطالبين إلي الظفر بنفوسهم ، فقد وصلوا " . وتشير هذه الكلمة إلي غاية العمل الفني ، كما تشير إلي غاية التجربة الوجدانية ، فليست غاية العمل الفني إلا الظفر بالنفس ، وعلي أي المذاهب في تفسير غاية الفن أدرنا هذه الكملة رأيناها أخصر وأوضح ما يقال . فالمحاكاة للمبدع والتطهير للمتلقي مثلاً هما المحوران اللذان دارت عليهما آراء " أرسطو " في الفن . وهما ليسا إلا وجهين للظفر بالنفس.
المحاكاة تصوير لطبيعة البشرية والعيانية وهي ليست تصويراً حرفياُ وإن كان صادقاً ، بل أن الفنان يضيف شيئاً من عنده إلي الحقيقة والصدق، ليصبحا حقيقة فنية وصدقاً فنياً ، فقد أعترض ناقد كما حدثنا " أرسطو " علي الفنان " زيوكيس " بأنه يرسم الأشخاص علي غير ما يمكن أن يكون عليه في الواقع ، فقال له الفنان " أليس من الأفضل لهم أن يكونوا كما رسمتهم " ... لقد حقق الفنان إذا ذاته من خلال المحاكاة ، وفي هذا ظَفَرهُا الكبير ، أما المتلقون فإنهم يكتسبون لذة عقلية " وسبب اللذة التي يجدها المرء من صورة ما أنه برويته لها يتعلم فيستدل فيقع علي معاني الأشياء " . ( أرسطو : الشعر ) .. أما التطهير ، فلن نستطيع أن نجزم أن أرسطو كان يعني تطهير الفنان ، كما يعني تطهير المتلقين ، فعبارته قصيرة موجزة ترد في الحديث عن المأساة " فالمأسآة إذا محاكاة فعل نبيل تام لها طول معلوم ، مزودة بألوان من التزيين تختلف وفقاً لأختلاف الأجزاء ، وهذه المحاكاة تتم بوساطة أشخاص يفعلون ، لا بواسطة الحكاية، وتثير الرحمة والخوف فتودي إلي التطهير من هذه الأنفعالات ". إن الخلاف الواسع بين شرح نظرية التطهير ، ونحن نفترض - لمجرد دفع أفتراض جديد إلي مائدة الجدل - أن أرسطو كان يقصد تطهير الفنان كما يقصد تطهير المتلقين وليس هذا التطهير إلا فعلاً أخلاقياً غايته تصفية النفس وتهذيبها ، أو هو في الواقع ظفر أخلاقي بالنفس فإذا أنتقلنا إلي المدرسة النفسية التي تري الفن تعبيراً عن مركبات نقص ، أو محاولات للتميز وجدنا في هذا أيضاً مصداقاً للظفر بالنفس. وليس عند المدرسة الاجتماعية ما تضيفه علي كلمة - الظفر بالنفس حين تتحدث عن علاقة الفن بالحياة أو تأثيره في المجتمع .
لغة الذات
ولنعد الآن لنسأل : كيف تتم مرحلة " التلوين والتمكين " يلتقط الإنسان خلال حياته ملايين الملايين من المرئيات والانطباعات والمعلومات ، كما تتولد في ذهنه ملايين الملايين من الخواطر والبواده واللوامع . ويثوي كل ذلك في منطقة أصطلحنا علي تسميتها رغبة في التبسيط بالعقل الباطن ، وهذه العناصر الفريدة هي لغة الذات - المنظور إليها التي تتحدث بها الذات الناظرة في أثناء الحوار الفني لخلق القصيدة والواقع أن أهم ما يميز ذات الفنان هو رغبتها العارمة في عرض ذاتها علي ذاتها ، فما يكاد الوارد أن يهبط حتي تسارع الذات إلي التأمل، وسرعان ما تتم عملية الأنسلاخ، وتتشخص الذات المنظور إليها، لكي تلقي فيها الذات الناظرة عيونها وتتخير من عناصرها ، من المرئيات والانطباعات والمعلومات والخواطر والبواده واللوامع. وأن أشياء كانت تبدو ميتة لتشرئب لتثبت وجودها وحياتها ، وأن رؤي دائرة لتستعيد وجودها وتبعث حية من جديد.
إن كنزاً ما ليفتح ، وأن أرضاً لتكتشف، وإن ودياناً وجبالاً لتنجلي أمام النظر ، وإن حياة لتولد. ولما كان الشعر لا يكتب بالأفكار وأيضاً لا يكتب بالصور العيانية كالأحلام ، ولكن بالكلمات، فلا بد من اللجوء إلي رموز الكلام لكي يستطاع وصف هذا العالم الجديد المتفتح فجأة.
خلاصة القول
وهكذا تستوي القصيدة التي هي ليست تعبيراً مباشراً عن ذات صاحبها الساكنة اليومية المواجهة للعالم والكون . فمن الواضح أن معظم القصائد التي تكتفي بهذا القدر من الطموح قصائد متوسطة ، فلندرك مع كاسيرر " أن الفنان الذي ينهمك في متعته أو في أستحلاب بهجة الحزن، لا في تأمل الأشكال وخلقها جدير بأن يكون إنساناً منخوب النفس سنتمنتاليا " ولندرك أن علي الفنان أن يحدق أشد التحديق في ذاته الأخري، الديناميكية الممتلئة الخصبة بالرؤي والمعارف والخواطر. ولما كانت مادة التعبير عندئذ هي الصور المرموز إليها في كلمات، فقد دخل الطرف الثالث في الحوار، وهو " الأشياء " ، ونعني بها في المستوي الفني كل الموجودات التي تحيط بالشاعر إذ أن الفرق بين الشاعر والحالم والمجنون يكمن في دخول هذا الطرف الثالث في الحوار .. أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة العودة، عودة الشاعر إلي حاله العادية قبل ورود الوارد إليه ، وقبل خوضه رحلة التلوين والتمكين ، إذ أن الشاعر عندئذ يقطع الحوار يبدأ المحاكمة، فتتجلي عندئذ حاسته النقدية حين يعيد قراءة قصيدته ليتلمس ما أخطأ من نفسه وما أصاب. فالذات الأولي تنظر بوعيها الكامل فيما استطاعت أن تستلب من طرفي الحوار ، وهي عندئذ قد تثبت وتمحو، وتقدم وتؤخر، وتغير لفظاً بلفظ آخر، وتستبدل بسطر سطراً . لكي يتم التشكيل النهائي للقصيدة ، الذي هو سرها الفني.
الهوامش والمراجع
ارسطو : فيلسوف يوناني (384 - 322 ق.م) يعرفه العرب بأسم أرسطاطاليس. ويلقب بالمعلم الأول. تتلمذ علي الفيلسوف أفلاطون وفي عام 335 ق. م أفتتح مدرسة بأثينا لتعليم الفلسفة خلف أرسطو عدة مؤلفات من كتب ورسائل لم تعرف منها سوي(22) رسالة يشمل موضوعها المنطق وما وراء الطبيعة والطبيعيات والفلك وعلم الأحياء والنفس والأخلاق والسياسة والنقد الأدبي ، من أسمائها "السماع الطبيعي " الكون والفساد " " النفس " " المقولات والتصورات والتحليلات" وأخذ العرب في ترجمة كتبه منذ عصر المأمون العباسي ، وعني أبن رشد فيلسوف الأندلس بتفسيرها والتعليق عليها ومنها ترجمة إلي اللاتينية - دائرة المعارف الحديثة " مكتبة الأنجلو المصرية - أحمد عطية الله 1975.
أفلاطون : أفلاطون هو أحد مشاهير فلاسفة الأغريق (427 -347 ق.م ) تتلمذ علي سقراط في سن العشرين ، وبعد وفاة أستاذة. رحل إلي مصر وإيطاليا. عاد إلي أثينا وفيها أسس أكاديمية لتنشئة جيل من رجال الحكم المستنيرين. تعرف فلسفة أفلاطون بالمثالية وقد وضحها في محاوراته مع تلاميذه ودونها في جملة كتب أهمها كتاب " الجمهورية " ويعرف بأسم جمهورية افلاطون ومنها " المحاورات السقراطية " وهي دفاع عن سقراط أمام قضاته ، وفلسفة أفلاطون تعتبر رداً علي الفلسفة الأيونية الطبيعية ذلك لأن الأشياء المادية في نظر أفلاطون ليس سوي نماذج تقريبية للمثال الكامل الذي لا وجود له في الطبيعة ( دائرة المعارف الحديثة) مكتبة الأنجلو المصرية - أحمد عطية الله 1975.
فرويد ، سيجموند : 1856- 1939م طبيب نمساوي - مؤسس مدرسة التحليل النفسي. مؤكداً في دراساته أن الطاقة المسببة لأعراض الهستيريا التحويلية طاقة جنسية. أثارت نظريته في تطور الغريزة الجنسية منذ الطفولة الأولي. وفي عقدة أوديب. سخط أطباء الأمراض العقلية عليه من أهم كتبه تفسير الأحلام وثلاث رسائل في نظرية الجنس ، و(مدخل إلي التحليل النفسي) ، و(ما فوق مبدأ اللذة وكتب الأخري في ذات التخصص وكلها مترجمة إلي العربية. وحاول فرويد تطبيق نظريته في تفسير نشأة المجتمع والدين والحضارة وتطورها ونزع في كتبه الأخيرة منذ 1925 نزعة ميتافيزيقية تشائومية. وكان لنظريته أعمق الآثار في الدراسات النفسية والاجتماعية ، وفي التربية والفن والأدب. ( الموسوعة العربية الميسرة - دار نهضة لبنان 1980).
معتصم زكي السنوي / كاتب من العراق