حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

دعوا الشعر وصفاته

ما زال البعض يظهر حساسية ازاء تعبير قصيدة نثر، وثمة معركة كلامية لم تخلص الى نتيجة تذكر. ذوو الحساسية يميزون بين شعر ونثر وهم لغويا محقون، فللشعر في العربية صفات ومزايا وقواعد تميزه عن النثر. انما لننتبه: لا مفاضلة بينهما.

على اساس هذا التقسيم لا يبقى في وسعنا اطلاق اسم قصيدة على اي قطعة شعرية من دون العودة الى معنى كلمة قصيدة قاموسيا وصفاتها، وهنا ندخل صراع الخطأ الشائع والصحيح الضائع، فالقصيدة ما تجاوز اثني عشر بيتا من الشعر، اما ما دون لك فيسمى قطعة ومن ثم الرباعية والثنائية مما اقتصر على اربعة ابيات واثنين، وهذا يعني ان اكثر الشعر ذي التفعيلة والوزن من غير الملتزم بنظام البيت الشعري صدرا وعجزا وقافية لا يعد من القصائد انما مقطعات شعرية، ولو بقينا نستمع الى آراء المتزمتين في هذا الشأن لن يكون في استطاعتنا ان نسمي هذه المقطعات شعرا لخروجها على نظام الصدر والعجز.

الملاحظ ان مفردة "شعر" استطاعت على مر الزمان ان تبني لها سمعة طيبة في اذهان الناس ومخيلاتهم، فتجاوزت معناها القاموسي وتمددت اكثر من المساحة المعطاة لها في المعجم. صارت "شعر" تعني كل ما هو جميل، تطلق مجازا وتشبيها احيانا على اشياء واحياء هي ابعد ما تكون عن الشعر المحجّم في معناه الثابت والمتزمت، واضحت القصيدة، ابنة الشعر، تحمل اكثر ما للكلمات من معنى.

نقول عن رواية انها شعر (من يقرأ "محبوبة" لتوني موريسون ولا يقول انها شعر!) ونقول قصيدة (من يشاهد نعومي كامبل في عرض ازياء ولا يقول انها قصيدة!). الا اننا لا نستطيع ونحن نستمع الى سليمان العيسى يلقي قصيدة عصماء ونقول: هذا شعر. كما نربأ بأنفسنا ان نسمي ما يلقى على "وجوه" الناس من شعر في مهرجان الجنادرية قصائد.

اذن امسى للشعر، والحال هذه، اكثر من معنى وابعد من مجاز وتشبيه واستعارة، وبات للقصيدة عشاق ومريدون ومبصبصون يتبعونها من صالة عرض الى اخرى، فيحق لنا ان نسمي كل جمال شعرا وكل جميلة قصيدة، ولأن الشعر يكون نثرا او القصيدة بلا وزن ولا قافية فمسألة ذوق وموسم. ثياب للصيف والوانه، واخرى للخريف واحزانه، وللشتاء الأبيض او الربيع البض. فلنكف إذن عن وضع شروط للشعر وصفات للقصيدة.

ومن يتخلى عن تزمته سنكافئه بعرض أزياء للثياب الداخلية.

 

حاكم مردان


.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri