مجنون العراق وعدوّ المجتمع

رحيل جان دمو عن 54 عاما في استراليا يذكّرنا اليوم وفي خبر من مجلة انترنت <<كيكا>> بأن للرجل عمرا ورسما ومكانا على الخارطة. لا أعرف كيف قدر جان دمو على الانتقال الى استراليا. ففي آخر رواية له وجدته ذاهلا شاردا مستغرقا في لاوعيه، وما حسبت أنه سيعيش بعد ذلك حتى اليوم وأنني سأجده بعد كل هذا الوقت ميتا في استراليا، الأرجح أن جان دمو لم يكن يميز كثيرا بين الليل والنهار ولا بين الوعي والباطن ولا بين الحياة والموت، والأرجح أنه عاش معلقا بين الحدين، بل عاش مفقودا في كل مكان. مثله يجعل من بغداد متاهة ومن عمان شتاتا ثم يكون أجلى ما يكون في سيدني.
ما كان ممكنا قراءة عمر جان دمو على سحنته فهذه أمارات تكونت عبر أجيال من الشعر والتعب والصعلكة، وهذه أعمار أُفنيت واستهلكت في الخمر والغضب، وهذه حياة توزعت حيوات وسيرا من كل لون. لقد عاش جان دمو حياة عديدة كأنه لم يعش، غاب عن نفسه وعن حياته بقدر ما حضرها، والأرجح أنه ظل بلا صفات وبلا اسم وبلا مكان وبلا مأوى حتى طلعت علينا <<كيكا>> بخبر وفاته، فعلمنا عندئذ فحسب أنه وجد وعاش وأن له عمرا واسما.
عُرف عن جان دمو أنه لم يكن يعرف أين يصحو وأين يبيت وان مأواه هو ما تقوده اليه قدماه في نهاية الليل الذي يغرق في الخمر والهذيان وقد يكون الشارع نفسه. عُرف عن الرجل انه كان مزحوما بنفسه وحياته الى الدرجة التي لم يعد له فيها حياة. الخمر أولا والشعر كمعادل خفي للجنون والخمر والغضب الى التلف والاحتجاج الى حد البصاق والشتيمة، والنسك الى الانتحار اليومي في الكأس والصعلكة. كان جان دمو يعرض أمام العين القذرة كلها بؤسه او شعره كنوع من السفلس الاجتماعي، قادرا على أن يقدم حياته كعار عام وبصقة كبيرة، مبولا على كل المواصفات والرتب والادعاءات والسيوف الخشبية والطنين الايديولوجي والأدبي. كان قادرا وسط الرعب المنظم والسفاهة الرسمية ان يكون حرا، وأن يكون عراقيا، وأن يكون كركوكيا كما شاء، وأن يكون شاعرا كلما ازدرى الشعر، وأن يهزأ من وطن وشعر وعقيدة ومقدسات ومحرمات جعلوا منها سياجا في سياج ودغموها كل لحظة بوقار اضافي، ودعموها بقدر أكبر من الغرض والعنف. وحده جان دمو كان فضيحة متجولة. وحده كان قادرا على أن يسخر الى حد البصاق من أعمدة المجتمع وأعمدة الثقافة وأعمدة الايديولوجيا أحيانا، الى درجة أن الجلادين أنفسهم لم يكونوا قادرين على أن يخيفوه. فقد كان تقريبا يبول على أسلحتهم. هكذا نجا جان دمو وحده، في بلد لا يفعل الا صناعة الأصنام. كان جان دمو تقريبا مجنون المجتمع ومجنون الثقافة ومجنون العراق، ووحده لذلك نعم بأن يحتقر بصعلكته وقذارته الجسدية وبصاقه الاصنام الكبيرة والأكبر فيها.
يُروى أن جان كان قادرا في نظام يحبس المصابين بالسيدا، ويعدم المثليين ويقص آذان الهاربين من الجندية، ويمنع الضحك، ويبيح قتل الأخوات والزوجات؛ جان كان وحده في نظام كهذا قادرا على أن يكون السيدا الوحيدة المسموحة، والضحكة الوحيدة التي لا يقدر أحد على كتمها، والشتيمة التي يتفاداها الجميع. وكان أيضا وبالطبع في صعلكته وتشرده وإفلاسه وشاعريته المتوجهة في السخام والقذارة، كان المرآة المعاكسة التي يتفادى كل النجوم، نجوم القتل ونجوم الشهادة، أن ينظروا الى أنفسهم مقلوبة وشائهة فيها.
جان دمو الشاعر رمى وراءه قصائد كثيرة تلقّطها البعض وأصدروها في كتاب. لكنه ما كان يميز كثيرا بين قيئه وشعره، وما كان يريد إلا أن يبقى شعره حيث ترك بصاقه، لكن شعره مع ذلك كان فيه ذلك السحر العجيب الذي استدرج الشعر من البالوعات، السحر العجيب الذي هو سخرية الشعر من نفسه وكرهه أحيانا لنفسه. ولنقل إن جان دمو كان قادرا مع ذلك على جمع الكلام الذي يتناسل كقمل خفي، كتعريض كبير، كجمال سفلسي. مع ذلك، كان جان دمو حارس المدينة وحارس الشعر، فهو يعذب الشعر ويعذب نفسه بالشعر، لكنه يرمي أقذاره على تجار الشعر والشعراء الكذبة وأصحاب الياقات البيضاء في الثقافة والمجتمع.
مات جان دمو عن 54 سنة، لكن عمره الحقيقي ليس هنا، انه من حانات جلقامش الى عاهرات المعبد الى زنازين صدام حسين، عمر لا يحد ويمكن أن ينفجر في بصقة كبيرة على خد النظام والمجتمع والرئيس الأكبر.

 

عباس بيضون - السفير - 10/5/002

 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri