حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

شيءُ عن ”صدمة“ الغرب

في الفن الأدبي العربي عن ” صدمة الغرب“ تبدو المرأة الغربية وكأنما هي وحدها من يحدث هذه” الصدمة “ في قلب المغترب او المسافر العربي. وهو طالب في معظم الأعمال الروائية او كلها تقريباً.” ومن الممكن بعض القصائد الى هذه التجربة“.. وكأن الحضارة الغربية ليست الا امرأة شقراء تنتظر ”قصة حب“ جديدة مع هذا الطالب الشرقي او ذاك.
كان الرائد في ”اكتشاف“ هذه ”الصدمة“ هو توفيق الحكيم في ”عصفور من الشرق“.. وقد كان اكثر جديةً” فنية“ واعمق وعياً. لم تكن رسائله في ”زهرة العمر“ الا بحثاً عن المعرفة الفنية ”في معظمها“.. في ”عصفور من الشرق“ كانت المرأة التي احبها الطالب بائعة تذاكر حسناء في مسرح. وبعد ليال سعيدة معدودة اكفهر وجهها الجميل. فلم يعد لديه غير العودة الى ”الينابيع“ الروحية الشرقية. وقد اعاده اليها مهاجر روسي مصدور.

لم يكن الجمال ”الغربي“ كما بدا له غير تفاحة براقةٍ من الخارج..”مدودةٍ“ في حقيقتها الجوانية او بالرغم من انبهار الطالب بالفنون الغربية، بالموسيقى الكلاسيكية والفن التشكيلي... فقد انكفأ مدحوراً، مدلهم الوجدان!
وقد صور سهيل ادريس في ”الحي اللاتيني“ الخيبة نفسها الى حد ما، بعد اكتشاف الطالب، ايضاً، تقلبات ”المرأة الغربية!“ بينما لم يكن الامر الا لقاءً عابراً مع احدى فتيات المقاهي، خلفها له احد الشعراء العرب” نزار قباني؟“... وفي ”موسم الهجرة الى الشمال“ للطيب صالح تتوتر العلائق بين الطالب السوداني والنساء اللندنيات، آخذةً ابعاداً اخرى... حيث يلوح لنا الطالب فارساً” جنسياً “ تتهاوى” الجواري “ بين ذراعيه، مسحوراتٍ بطقوسه” الشرقية “... ولم يكن هو الا” اخذ ثأرٍ “ من الغرب الاستعماري. اما العميد طه حسين في الجزء الثالث من” الايام “فقد كان” ازهرياً “ محظوظاً.

لم يكن اللقاء مع الفتاة الفرنسية ”صدمةً“. بل كان حافلاً بالصدق والعطاء! اما احسان عبد القدوس في قصصة” الغربية “ فلم يكن الا سائحاً عاشقاً او معشوقاً... لا شيء هنا من الصدمة او الاغتراب! ولم يكتب محمود البدوي في” تجربته “ الغربية الا اقاصيص شاحبة... بعيداً عن الاصطدام بالقلب ”الحضاري“ الاخر... كان وصافاً ليس غير!
في الشعر كان الجواهري سباقاً، ايضاً، في قصيدته المطوله ”انيتا“.

ولا شيء هنا عن الصدمة ”الحضارية“... بل نحن امام المحنة الازلية: بحث الشاعر في القبض على الجمال الذي يتسرب من بين الايدي كما يتسرب الماء... او كما تفر دنانير المتنبي الذهبية. وكأنما التقى الشاعر الراقصة في اي ملهىً من العالم. ولم يبق في قرارته غير” وحل من دموع وطين “... غير الحسرة الاكلة بعد تحطم انية الغسق البلورية الكبيرة. وفي” كلمات لا تموت “ لم يكن البياتي الا عاشقاً مهجوراً، وكأن العالم افل بافول قصة حب عابر في مطعم او قطار! ولم يقترب الشاعر صلاح عبد الصبور من ”الصدمة“ الا مرةً واحدة في قصيدته البديعة” اغنية حب من فيينا“... لم تكن ”الصدمة“ قويةً، هنا، بعد انقضاء” الليلة “ الى غير لقاء... مع ان الجمال” الغربي “ قد تحول، بين يدي الشاعر الى حدائق نور وفكر... في طقس من” التصوف“.

وهنا، ونحن نتصفح هذه” القضية “ يبدو القاص التونسي حسونة المصباحي آخذاً منعطفاً اخر في مجموعته” ليلة الغرباء“… في البحث عن محنة القلب العربي” والشرقي ايضاً “ وقد طوحت به المقادير طائراً مهاجراً الى الديار الاوروبية بحثاً عن عملٍ، عن رزق ما.

ليس الرواي طالباً في المانيا... بل هو صحفي لائذ بالصقيع والمطر هروباً من ”الصحراء الجافة المحرقة“... قد يلتقي” الاجنبي“ امرأة ما، في قطار ما بين باريس وميونيخ، وتنتهي” القصة “كأي حلم. لا يذكر” الرواي بها الا رنين تلفون.فبعد زمن طويل تتذكر الفتاة تلفونه وتتصل به... ولا شيء غير الثرثرة وتزجية الوقت.وهكذا تنتهي قصة” قطرات فرح على جسد بارد “ وهي القصة الفرحة الوحيدة في المجموعة... بينما تحفل القصص الاخرى بالكابوسية والوحدة القائمة. ليس الاجنبي الشرقي، هنا الا وجهاً زائداً... الا ملامح منفرة، مشبوهة... لا تذكر صاحبة المطعم ”مثلاً“ الا بالقتلة والمهربين … بينما لا تلجأ هذه الوجوه ”المريبة“ الى مطعمها الا لقضاء ساعة ارتياح.

هم غرباء حقاً، ومظلومون مستوحدون… ليس بفعل ”الصدمة“ انما بفعل استعلاء الاخر... والكره المتعاظم في صيحات ذوي الرؤوس الحليقة والقماصل السود من النازيين الجدد..

”اخرج ايها الاجنبي“ ويخرج مطاطئاً راسه، متسللاً الى الليل والشارع العدوين! وبعد السهرات الباريسية الرخيصة يخرج فارغ الروح، شائخ القلب الى الحجرة الوحيدة... حيث تتكوم انقاض القناني والاعقاب... هنا لا تصطدم الروح الشرقية بالحضارة التكنولوجية... بالجمال المزوق... بل بالعزلة المفروضة … بالغربة والفقر والبغضاء ”الغربية“... وبالبرد الروحي القاحل المقيت. وفي التقاء الاصدقاء على موعد ”بهيج“ لن يكلل الموعد الا بالبؤس الفكري والضياع. ما من اصطدام ”حضاريٍ“ هنا.. ما من ايفان مصدو يبشر بينابيع الروح.. هنا”الغرب“ الكالح، والضباب القابض على القلب اللاجئالمخذول!

 

حسب الشيخ جعفر / شاعر من العراق



.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri