بعد
مرور نحو 32 سنة على وفاته
اسم
أودن يدشن في ركن الشعراء الخالدين في كاتدرائية القديس
يوحنا
برغم انه توفي في
غرفة فندق في النمسا، لم يُسمح للشاعر و.هـ. أودن ان يغيب
عن ذاكرة نيويورك، المدينة التي احبها. ومن يوم 3 اكتوبر
1973، أقامت كاتدرائية القديس يوحنا قداساً لإحياء ذكراه
قرئت فيه العديد من أفضل قصائده بأصوات أبرز شعراء عصره.
وبعد عشر سنوات، أقامت الكاتدرائية قداساً تذكارياً آخر
كجزء من تحية شملت المدينة على اتساعها لحياة اودن وشعره.
وقد عقد متحف غوغنهايم قراءة لأعمال اودن شارك فيها العديد
من الشعراء، وعرض متحف نيويورك للفن الحديث اوبرا كتبها
اودن وتشستر كادمان ووضع موسيقاها كاندنسكي. وعقدت جامعة
نيويورك حلقة دراسية عامة عن حياته وشعره، وتناولت أصدقاءه
وشركاءه ومن بينهم كريستوفر اشروود وستيفن سبندر.
وواضح، كما يقول
الشاعر تشارلس مارتن، وهو شاعر مقيم بالكاتدرائية، ان
نيويورك ردت على حب اودن بالمثل، وحتى في الوقت الحاضر
يبدو هذا الحب شديد الوضوح، وبينما كما حدث لكثيرين تخبو
شهرة معظم الكتاب والشعراء بعد وفاتهم، تلألأت نجمة اودن
بعد رحيله أكثر منها من اي وقت آخر.
ويتساءل مارتن
ما الذي نعزو له هذا الاهتمام المستمر بالشاعر؟ ويجيب
على تساؤله بقوله: لقد كان اودن يتمتع بمواهب عظيمة، وقد
استخدمها بسخاء، عارضاً نطاقاً واسعاً للغاية وتشكيلة
كبيرة من أعماله. إنه شاعر لكل المواسم والأشكال قادته
ذائقته الكاثوليكية وحبه للتحديات الشعرية إلى محاولة
كتابة شعر من جميع الأنواع، والأشكال، من القصائد الفكاهية
خماسية المقاطع، إلى لبريتي الأوبرا.
ولا يمكن إغفال
إيمان اودن بالشعر كقوة تحضّر، وبينما كانت تخامره شكوك
جادة في ما يتعلق بتوافق الفن والدين، لم يشك على الاطلاق
في العلاقة بين شعره وإحساسه بنفسه كمواطن في تلك المدينة
التي كان يكتب اسمها دائماً بحرف استهلالي.
العودة
وقد تجلّت هذه الآصرة العميقة بين اودن ونيويورك في أعقاب
واقعة 11 سبتمبر عندما عاد أبناء المدينة شعراء وغير شعراء
إلى اودن لا تلمّساً للعزاء فقط، بل أيضاً ليشاركهم تجربتهم
الأليمة في البحث عن الذات. ولا زلت أذكر اول أمسية شعرية
اقيمت بعد الهجوم الإرهابي الذي أذهل العالم، وكيف كان
وجود اودن طاغياً على وجود كوكبة من أبرز الشعراء الأميركيين
الذين اشتركوا فيها بدون أن يقرأوا شيئاً من أعمالهم،
واكتفوا بقراءة قصائد شعراء آخرين، أميركيين وغير أميركيين،
وكانت قصيدة اودن "أول سبتمبر 1939، التي قرأتها الراحلة
سوزان سونتاج، من أعمق القصائد وقعاً على الحاضرين. وقد
نشرت "المستقبل" ترجمتي الكاملة للقصيدة في رسالة عن الأمسية
الشعرية بتاريخ 31 اكتوبر 2001. واقتبس منها المقتطفات
التالية:
أجلس في احدى الحانات الرخيصة
من الشارع الثاني والخمسين
ملتبساً وهلعاً
بينما تتبدّد الآمال الحاذقة
من عقد غير صادق منحطّ:
أمواج الغضب والخوف
تدور فوق بقاع الأرض
المشدقة والمعتمة
مساكنة حيواتنا الخاصة؛
شميم الموت الكريه
يؤذي ليل سبتمبر
.... .... ..... .....
.... .... ..... .....
كان ثيوقيدس المنفي يعرف
كل ما يمكن ان يقوله خطاب
عن الديموقراطية،
وما يفعله الطغاة،
الغثاء الكهولي الذي يقولونه،
لمقبرة فاترة الشعور،
لقد حلّل كل ذلك في كتابه
التنوير المشتّت
الألم المسبّب للادمان
اسلحة ـ الامارة والحزن:
علينا أن نعاني كل ذلك مرة أخرى. الخ
وقد أضيف اسم اودن، الذي توفي في تشرين الأول 1973، أي
بعد 32 سنة منذ وفاته إلى ركن الشعراء في كاتدرائية القديس
يوحنا ونظمت بعض الأحداث الأدبية على مدى يومين تكريماً
لذكرى الشاعر الانكليزي الأصل، من بينها مسيرة موكب الى
"الشاهد" الرخامي الجديد الذي نقشت عليه بيتان من قصيدته
"الأكثر حباً" "اذا كان لا يمكن ان يتساوى الحب / فدعني
اكن الأكثر حباً".
كما نظّم "ركن
الشعراء" بالكاتدرائية، بالتعاون مع اكاديمية الشعراء
الاميركيين حلقة دراسية عن تأثير اودن على الشعر الأميركي
المعاصر. وشارك في الحلقة شعراء ـ نقاد اعترفوا بتأثرهم
بشعر اودن، وهم راشيل هاداس، ودانييل هوفمان، ودافيد ماسون،.
وويات برونتي، وراشيل ويزستيون ودافيد ييزي. وبعد المناقشة
استمع الحاضرون الى تسجيلات لقراءات اودن في مركز اوتربرغ.
غموض
وبرغم غموض شعره في مرحلته المبكرة، بدءاً بمجموعته الاولى
"قصائد" التي طبعها بيده صديقه الشاعر ستيفن سبندر في
1928، ثم صدور نفس المجموعة مع قصائد أخرى التي نشرها
ت.س. اليوت بواسطة فابر آند فابر والتي كان يعمل بها في
1930، أشاد النقاد باودن كرائد لمجموعة من الشعراء اليساريين
الشبان، ضمّت في صفوفها لويس ماكنيس وسبندر وسي. داي لويس.
وبتشجيع من اليوت وحفز من ثقة أدبية متنامية، كان اودن
يشعر في تلك السن المبكرة بأنه يستطيع ان يلعب دوراً في
احياء البلد. لكن هذا الاحساس تبخّر بسرعة، وبحلول نهاية
العقد الثالث كان يشعر انه قد أصبح سجين إحساسه بالمسؤولية.
وكانت سنوات اودن
فيما قبل الحرب العالمية الثانية حقبة اتسمت بالخصوبة
في عدة مجالات تعبير مختلفة، وارتحال متصل تقريباً، حمله
الى ايسلندا في 1936، حيث كان يعتقد ان أسلافه أتوا من
هناك. وفي 1937 ذهب إلى اسبانيا ليراقب الحرب الأهلية،
برغم انه لم يكن عضواً بالحزب الشيوعي، ومن ثم نحّاه جانباً
قادة الحزب في اسبانيا. وقد تمخضت رحلته الاولى عن "رسالة
من ايسلندا" (لندن ونيويورك 1937).
وتتضمن هذه المجموعة
رائعة اودن الاوتوبيوغرافية، رسالة إلى اللورد بايرون،
والرحلة الثانية عن قصيدة "اسبانيا" الشهيرة وبينما لم
يتحدث اودن على الاطلاق عن تجاربه في برشلونة، لكن قصائده
غداة الزيارة اصطبغت بالقتامة، كما كانت معظم قصائد أواخر
الثلاثينات متشائمة، ان لم تكن شديدة التشاؤم. وفي 1938،
بعد ان جمع على عجل كتابه " اكسفورد للشعر الخفيف" سافر
اودن من جديد الى الصين ليكتب عن الحرب الصينية الالمانية.
واصبح كتابه رحلة إلى حرب (لندن ـ نيويورك 1939) مثلاً
لصعوبة الكتابة المسيّسة، كما كتب ايستوود شريكه في الرحلة
والكتاب، فقد عجزا عن التعرف الى خطوط مرسومة بوضوح للمعركة
في الصين، وقد تناول المشكلة في جزء من قصيدة "من زمن
الحرب"، يرى فيه ان الحرب تدور في كل مكان، في جميع الأوقات.
وتعزى أهمية قصائد هذه المجموعة إلى كشفها عن خيال اودن
الاخلاقي المتسع والمترامي في هذه القصائد.
وإذا كانت هذه
الرحلات قد أثرت تجارب الشاعر الانسانية ووسعت آفاقه المعرفية،
فلا شك في ان سفره إلى أميركا كان نقطة تحول أخرى، حيث
بدأ اودن يطهّر نفسه من خطابة شعر انها قد استهلكت. وقد
بدأت هذه المرحلة الجديدة من حياته المهنية بسلسلة من
المراثي والبورتريهات السيكولوجية، كما اتسمت هذه الحقبة
بكتابة أكثر حميمية، تعنى قبل أي شيء بالذاتية والشعور
بالوحدة. وقد وقع في حب كاتب أميركي شاب تشستر كالمان.
وأطلقت هذه التجربة، فيما يبدو، نبضات دينية نصف ـ مكبوتة،
وفيضاً من المشاعر الأخرى. وتحوي مجموعة "زمن آخر" (نيويورك
ـ لندن 1940) بعض افضل قصائده، برغم ان القصائد، كما يوحي
العنوان، يبدو الآن انها تنتمي إلى عصر بائد. ويضم الكتاب
قصيدته (1 سبتمبر 1939)، التي كتبها في نهاية الاسبوع
الذي أعلنت فيه الحرب والتي يحاول فيها ان يتوصل إلى تفاهم
لفشل "الأحلام الحاذقة" لـ"عقد غير صادق منحط" من اجل
إحياء اجتماعي وشخصي، ويحاول أداء دور بطولي بتواضع. ولكن
اودن، فيما بعد، كره نفاق القصيدة التي أحيت بريق اسمه
عندما استشهدت بها سوزان سونتاج ولا يزال يستشهد بها الآخرون
عند الشدائد، حتى انه استبعدها من مجلد "أعماله الكاملة".
أحمد مرسي