إكتشاف
قصيدة جديدة للشاعرة الإغريقية سافو:
((يوم
كنت رشيقة مثل صغار الظباء))
تعتبر سافو الاغريقية
من أعظم شعراء التاريخ الأوروبي. قال فيها أفلاطون، "يقول
البعض أن آلهة الوحي (الفني) تسعة، لكن يا لسهوهم، إنظروا
الى العاشرة، سافو التي من ليسبوس". الحق يقال أن العديد
من النقاد يعتبرون سافو أعظم شاعرات العالم الكلاسيكي
والأكثر تأثيراً بين مجموعة من الشعراء الليريكيين الذين
نشطوا في بلد الاغريق بين 650 و450 قبل الميلاد، وهي فترة
عادة ما يشار إليها بالعصر الليريكي لليونان.
كتبت سافو الشعر في وقت كان يسيطر على الأدب الاغريقي
تأثير هوميروس والشعر الملحمي بشكل عام. مع ذلك فإن تقليد
الشعر الليريكي (الغنائي) كان أقدم ولعب دوراً مهماً في
التاريخ الاغريقي. وقد عرف هذا النوع من الشعر عودة ناجحة
خلال زمن سافو. قبل هذه الشاعرة عمد الشعراء مثل اريكيليكس،
الأفضل بعد هوميروس، لاستعمال القصيدة الليريكية لتحدي
ومساءلة القواعد الاجتماعية عبر الصوت الشخصي أو الفردي،
لكن في أعمال سافو تبلغ العاطفة الذاتية مشارف جديدة من
الجلال الفعلي بشعرها، إذن، شخصي بشكل واضح ويحمل المشاعر
بأسلوب بسيط وشفاف. وقد خدمت الموسيقى أعمالها التي يراد
لها أصلاً أن تغنى برفقة القيثارة. وهي بواسطة مباشرة
وبساطة يجري التأكيد عليهما، وباستخدام القليل من الصور
المجازية، تحتفي بالحب على أنه أعلى الملكات الانسانية
غير مسقطة من حسابها طبيعته المركبة المنضوية على عناصر
الغيرة، والمنافسة، وحتى العدوانية.
لا بد من الاشارة الى أن مجمل أعمال سافو الشعرية مندثرة.
في القرن الثالث قبل الميلاد جمعت أعمالها في مجلد من
تسعة أجزاء. لكن بعد ذلك الوقت وحتى بعد إعادة اكتشاف
نزر ضئيل من قصائدها في القرن التاسع عشر، فإن أجزاء من
قصائدها، كانت تقتبس في أعمال بعض دارسي مدرسة الاسكندرية
المهتمين باللغة المحلية لأهل ليسبوس. يعتبر غي دافنبورت
الذي هو من أهم مترجمي أعمال سافو أن "العديد من الأجزاء
هي عبارة عن كلمات وتعابير، لكنها كانت ذات يوم قصائد،
وهي أشبه بالتماثيل المنكسرة التي تنطق حتى في خرابها".
عبر القرون بقيت سافو موضوعاً جذاباً للشعراء، والروائيين،
والمسرحيين، وكتاب السيرة. وقد كتب ديفيد روبنسون، "تقريباً
كل فكرة في إحدى قطع شعرها الباقية... استعيرت من قبل
شاعر اغريقي وروماني، أو حتى من شاعر معاصر سواء كان انكليزياً،
إيطالياً، فرنسياً، ألمانياً، أو يونانياً معاصراً". ويقول
سي. أم. باورا أن سافو "تظل شامخة كأهم امرأة موهوبة نظمت
الشعر". أما المؤرخ القديم سترابو فقد ردد أنها "أعجوبة"
عن حق. مؤخراً نشر الدارس والمترجم مارتن وست مقالاً في
ملحق التايمز الأدبي بعنوان "قصيدة لسافو" نورده فيما
يلي.
منذ الأزمنة الكلاسيكية، شكلت سافو موئلاً للافتتان والبنية
الشعرية الرومانسية. لم يبخل القدماء في إغداق الاعجاب
عليها لتوافر تسعة دواوين من أعمالها بين أيديهم. أضفى
عليها البعض لقب إلهة الوحي العاشرة. وقد أطلق عليها سترابو،
الذي كتب في حقبة أغسطس، تسمية "الأعجوبة"، لأنه "في كل
تلك الحقبة من الزمن المدوّن لم يتناه إلينا اسم امرأة
تتحداها كشاعرة حتى ولو من أية منزلة". أما في الأزمنة
المعاصرة ومع بقاء أجزاء بل نتف من أشعارها، فقد استمرت
كواحدة من أكثر الأسماء شهرة واستحضاراً من بين أسماء
العصور القديمة. وقد نظر البعض الى قامتها الشعرية بعينين
ضيقتين، فيما رآها البعض الآخر بعينين واسعتين. اعتبرها
البعض، أبعد من ذلك، كلغز سوسيولوجي ـ تاريخي، أديبة عرافة،
أيقونة أنثوية بل العمود الذي يرقص ويدور حوله الدارسون.
من الصعب الحكم عليها بمقاييسنا حيث لم يتبقَ سوى النزر
القليل من أعمالها. ما بين أيدينا يتألف من جهة من "اقتباسات
وإشارات عامة من قبل كتّاب آخرين، ومن جهة أخرى من فتات
ممزقة من أورق البردي وقطع رق نفيسة من الحقبة الرومانسية
القديمة، وعادة ما تكون هذه القطع مهترئة وبالية بشكل
لا تكشف سوى بضع كلمات أو أحرف من بيت من الشعر. وثمة
في الطبعات الحديثة حوالى 264 "شقفة" شعرية. لكن العديد
منها لا يحتوي على كلمة أصلية واحدة، وفقط 63 من هذه الشقف
تحتوي على أبيات كاملة، وفقط 21 منها تحتوي على مقاطع
شعرية كاملة، وثلاث فقط تعطينا ما يقرب من القصائد ذات
البنى الشعرية المقبولة.
وثمة لقية جديدة تجعلنا نرفع العدد الى أربع قصائد. ففي
عام 2004 أعلن كل من مايكل غرونوالد وروبرت دانيال التعرّف
على ورقة بردى، في جامعة كولون، على أنها جزء من مخطوطة
تحتوي قصائد لسافو. هذا النص الذي وجد داخل تابوت مومياء
مصرية يعتبر الأقدم بين قصائدها المعروفة حتى الآن. وقد
دوّن في بواكير القرن الثالث قبل الميلاد، وبعد مرور أقل
من ثلاثماية سنة على كتابتها له.
في المخطوطة ثمة أجزاء من ثلاث قصائد المعروفة. كالعادة
كلها على شكل شقف. لكن الثانية كانت تعرف جزئياً منذ عام
1922 بفضل مخطوطة ورق بردى تعود للقرن الثالث بعد الميلاد،
ولدى جمع النصين نحصل الآن على قصائد كاملة تقريباً.
حين كانت في متناولنا مخطوطة البردى التي تعود للقرن الثالث
الميلادي، لم يتأمن لنا سوى أواخر أبيات مسبوقة ومتبوعة
بأواخر أبيات قصائد أخرى. ولم يكن واضحاً أين تبدأ إحدى
القصائد، أو أين تبدأ الأخرى. أما الهامش، الذي يكون عادة
الى اليسار من القصيدة، والذي يوضح كل الأمر، فقد كان
ناقصاً. الآن سوي الأمر. غدا لدينا قصيدة من اثني عشر
بيتاً، مؤلفة من ستة مقاطع يتألف كل منها بدوره من بيتين.
الأبيات الثمانية الأخيرة كاملة فعلياً. أما الأبيات الأربعة
فينقص كل منها كلمتان أو ثلاث من بدايتها. لكن رغم ذلك
يبقى بمقدورنا أن نتم بناء البيت ونستعيد معنى ما نقص.
هذا إذا لم يكن بمقدورنا استعادة كامل الكلمات بدقة.
نعرف العديد من القصائد التي تتحدث فيها سافو عن نفسها
إذ تتقدم بها السنون. في القصيدة المكتشفة تتوجه سافو
بالكلام الى مجموعة من الشابات أو الفتيات اللواتي تسميهن،
إذا شئنا ترجمة مطابقة حرفياً للأصل، "الأطفال"، وذلك
لدى مقارنتها لغنائهن ورقصهن المرح بثقل فؤادها وتثاقل
مشيتها. الواضح من دلائل معينة أنها نظمت شعرها، أو معظمه،
ضمن دائرة حميمة من النساء اللواتي تسميهن "صحبها". منزلها
هو بيت "الموسوبولوي"، خادمات آلهة الوحي. وقد نظر إليها
كتّاب لاحقون على أنها قائدة كورس أو معلمة يلجأ إليها
أصحاب المكانة الاجتماعية العالية في العديد من المدن
لتدريس بناتهم التربية الموسيقية. لا يمكننا الجزم بمقدار
دقة هذا الاستنتاج، لكنه يستند دون شك الى الانطباع المتولد
من القصائد، ويتواءم مع ما نعرفه.
مهما يكن، التركيز في القصيدة الجديدة يدور على سافو ذاتها.
إنها تتلو علائم هرمها، مثلما تلت في قصيدة شهيرة أخرى
العلائم المادية للحب الغيور. ومن ثم يأتي دور التأمل
الفلسفي. في قصيدة الحب تقول لنفسها إن كل شيء قابل لأن
يطاق ويحتمل لأن المصائر، سعيدها وتعيسها، يمكن تغييرها
تبعاً لمشيئة الآلهة. تقول لنفسها في القصيدة الجديدة
إن الطعن في السن هو جزء من الحالة الانسانية ولا يمكن
فعل شيء تجاهه. هذه الحقيقة مشروحة، بشكل نموذجي عبر قصيدة
ليريكية اغريقية، من خلال مثال أسطوري.
والأسطورة عبارة عن حكاية كانت مشهورة في زمن سافو، هي
قصة تيثوناس الذي اتخذته آلهة الغجر زوجاً لها. وتبعاً
لطلبها منحه زيوس الخلود، لكنها أهملت الطلب من زيوس أن
يمنحه الشباب الأبدي، لذا راح يطعن في السن والوهن. أخيراً
تسجنه داخل غرفته، حيث يسترسل في الثرثرة دون انقطاع،
لكنه بالكاد يملك القوة الكافية للتحرّك.
تبدو سافو في قصيدتها هذه اقتصادية جداً في استعمالها
للأسطورة المذكورة مكرّسة لها فقط أربعة أبيات تنهي بها
القصيدة. للوهلة الأولى قد تبدو هذه نهاية عرجاء. لكن
العبارة الأخيرة توصل كل شيء الى حافة قوية. يبقى تيثوناس
على قيد الحياة، ليزداد شيبه ووهنه فيما زوجته تحتفظ بشبابها
وجمالها، تماماً مثلما تطعن سافو في العمر أمام عصبة من
مريدي فنها الذين مثل التلامذة، يبقون يافعين.
القصيدة عبارة عن تحفة صغيرة: بسيطة، موجزة، متكاملة التشكيل،
وعبارة عن تعبير صادق غير متكلف عن الشعور الانساني، وجليلة
كذلك في تقتيرها. ما يحرّك القصيدة ليس فقط ما تقوله بل
ما تضمره أيضاً وتتركه غير منطوق. إنها تؤكد على الموهبة
الشعرية لسافو.
فيما يلي القصيدة، مع الاشارة الى أن ما يدخل ضمن هلالين
هو نتاج تخمين (للمترجم وست) أقرب ما يكون الى الدقة.
أيتها الفتيات (غرنَ)
من الهدايا المحببة لآلهة الوحي
المعطرة الصدر، و(من) القيثارة الشجية.
(لكن) جسدي (الذي كان ذات يوم رقيقاً) غدا
الآن (في قبضة) الشيخوخة، تحوّل لون شعري
الى البياض بدل السواد؛
أثقلت الأحزان قلبي، ولن تقدر ركبتاي على حملي،
ركبتاي اللتان كانتا ذات يوم رشيقتين في الرقص كما صغار
الظباء.
صرت أتحسر على نفسي من هذه الحالة، لكن ماذا في اليد؟
فكرة ألا أطعن في السن، ألا أكون انسانة، لا محال.
ذات مرة، تقول الحكاية رمقت آلهة الغجر تيثوناس،
فأصابه حبها، وحمله الى ما بعد نهاية العالم،
كان تيثوناس يومها جميلاً ويافعاً، لكن مع الزمن
أدركه عمر المشيب، أدرك الهرم زوج الزوجة الخالدة.
ترجمة وإعداد: فوزي
محيدلي / القصيدة