حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

باريس ترد الاعتبار الى المصري

جورج حنين

أخيراً صدر في مجلد واحد معظم كتابات الشاعر المصري الكبير جورج حنين (دار دينويل)

تستهلها مقدمة للشاعر الفرنسي إيف بونفوا وأخرى لصديق حنين والمؤتمن على إرثه، برتو فرحي.

ونقول «أخيراً» لسببين: الأول هو أن شاعرنا الفرنكوفوني الكبير لم يلق بعد وفاته عام 1973 الاهتمام الذي يستحقه على رغم مساره العمودي الفريد بجرأته وخيارته وإنجازاته الأدبية العظيمة، والسبب الثاني لأن المجلد الذي صدر حديثاً انتظرناه طويلاً ولا داعي لعرض الأسباب «التقنية» التي أدت إلى هذا التأخير طالما أن المطلوب، أي توفّر أعمال حنين بعدما استُنفدت نُسخ جميع كتبه منذ فترة طويلة، قد تحقق وبنتيجة تروي الغليل.

ويتألف المجلد من نحو ألف صفحة يحتل إنتاج حنين الشعري والسردي الثلث الأول منها وأبحاثه ومقالاته النقدية الثلثين الباقيين. وقد اضطلع الباحث دانييل لانسون بمهمة جمع وتقديم قصائد حنين، يتبعه الباحث مارك كوبير في ما يتعلق بنصوص الشاعر السردية، فالباحث بيار فيلار في ما يتعلق بالكتابات النقدية الغزيرة. ويختتم المجلد بحثٌ في سيرة الشاعر وأعماله. وتقرّب هذه القراءات النقدية الثلاث، إلى جانب افتتاحية بونفوا الطويلة، شخصية حنين من القارئ وتسهّل عملية فهم نصوصه التي قد تختلف في شكلها أو ظاهرها ولكن أبداً في المضمون أو الرسالة. وبالفعل، يركّز الباحثون في مداخلاتهم على عبثية التمييز بين المقالات النقدية والقصائد أو بين أبحاث الشاعر ونصوصه السردية، لمحافظته في جميعها على «شعرية تنبع من حس حقوقي وسخرية جارحة ووفاء ثابت للمبادئ المؤسسة للحركة السريالية»، ولخضوع كل هذه النصوص لضرورة ابتكار لا تخشى نتائج ما فوق الواقع (le surréel) أو الدعابة أو القسوة بل التحجر والجمود.

وللمرة الأولى، يتم جمع قصائد حنين التي صدرت في مجلات مصرية أو فرنسية إلى جانب تلك التي صدرت في دواوينه وهو حي، مثل «تنبيه من القذارة» (1935) و «عبثية الوجود» (1938) و «المُناقِض» (1949)، أو بعد وفاته، مثل «الإشارة الأكثر غموضاً» (1977) و»القدرة على التحية» (1978).

وقد أضيف إليها القصائد التي كتبها الشاعر لمارتا القايم وأصدرها الكاتب جان شارل بلان في كتاب «فاماديهانا» عام 1999. وتحترم طريقة توزيع القصائد الترتيب الزمني لصدورها، مع الإشارة إلى مصيرها النشري اللاحق، أو الترتيب المتّبع في دواوين حنين للقصائد التي لم تُنشَر في مكان آخر. وتتميز جميع هذه القصائد بنبرات مختلفة وفقاً للمرحلة التي تنتمي إليها.

فالقصائد الأولى الـ23 التي تغطي المرحلة الممتدة من عام 1935 وحتى عام 1942، سياسية في الدرجة الأولى وتكشف عن حدة كبيرة وقدرة عالية على العنف والمُناظرة. أما القصائد اللاحقة الـ130 المكتوبة بين عامَي 1945 و1965 فتتراجع فيها الحدة، من دون أن تتوارى، لمصلحة شعرية سريالية تسمح بتسامي قلق الشاعر وصعوبة عيشه. ويتوقف دانييل لانسون عند المرأة التي يتوجه إليها حنين باستمرار في قصائده، فيرى فيها كناية عن مأساة الآخر البعيد المقارَبة برقة مؤثرة. وبالفعل، تظهر هذه المرأة في إروسية حنين كمطلقٍ في معظم الأحيان، وإن بقي الشاعر متنبهاً لاحتمال تجلي وجهها. ويبدو المشهد السياسي قريباً دائماً من القصيدة، يعكس صورة «بلدٍ مفتوح على الجزء الهالك من المصائر». ولهذا يقترح الشاعر أحياناً علينا أماكن طوباوية أخرى لا أهمية فيها للنظام، مدنها بلا أسماء ودائماً غريبة وجزرها مغلقة على ذاتها بإحكام. ففي الوقت الذي ستحفر فيه حرب السويس هوة عميقة بين الثقافات، سيُفضّل حنين العيش كمنفي أو كمواطن عالمي، وإن بدا له هذا العالم دائماً غير محتمَل. جسرٌ فريدٌ من نوعه بين الشرق وأوروبا، يشد حنين القارئ الفرنسي إلى قصائده باستخدامه صوراً مذهلة بقدر ما هي مرايا هشة للكائنات، وفي الوقت ذاته، لا ينفك يُسائل القارئ المصري المعاصر بصوته الشعري المنير.

القسم الثاني من المجلد يضم تسعة وأربعين نصاً سردياً بعضها كناية عن أوراق عُثر عليها في شكلٍ يجسّد مقدّماً شكل النصوص التي سيجمعها حنين أو آخرون بعد وفاته. وقد رتّب مارك كوبير النصوص التي لم تُنشر إلا في مجلات وفقاً لتسلسلها الزمني، وأبقى النصوص التي يتشكّل منها ديوانا «زمن طفلة صغيرة» (1947) و «العتبة المحرّمة» (1956) ضمن الترتيب الذي اختاره حنين لها. أما النصوص التي نُشرت بعد وفاة الشاعر فتم ترتيبها وفقاً لتاريخ صدورها. ولأنه يصعب تصنيف نصوص حنين الغزيرة ضمن نوع أدبي محدد، تم اختيار هذه النخبة لاقترابها من النوع السردي. وسينطلق الشاعر في ممارسة هذا النوع الأدبي عام 1934. ويتضمن ديوانه الشعري «عبثية الوجود» عناصر سردية. وانطلاقاً من عام 1939، تبدأ مرحلة إبداع مثمرة في هذا الاتجاه تدوم طوال الحرب العالمية الثانية وتستمر، وإن بوتيرة أبطأ، حتى عام 1965.

وعلى رغم أسلوبها الجميل والمقتضب غير المعهود، تحيّرنا هذه النصوص التي نادراً ما تقترب من نوع «الأقصوصة» (La nouvelle) والتي يبقى معناها غامضاً أحياناً. تبدو وكأنها تسجّل طريقة حضورٍ مثالية بنظر حنين: حضور منسوج بالغياب. فهي الطريقة التي عاش الشاعر فيها، أي البقاء من الجهة الأخرى «للعتبة المحرّمة». وتصد هذه النصوص القارئ المتعطش للأسلوب الروائي وتتميّز بنبراتٍ وأساليب متنوعة. نسمع داخلها صوت حنين المدوي والساخر في بداياته، حين قرر عدم كتابة أدبٍ للطبقة البورجوازية المولعة بالثقافة، والذي سينضج بسرعة خلال سنوات الحرب فيتخطى طوباوياته ليعبّر عن تخيّلات رائعة ومؤلمة في آنٍ واحد.

ويعثر كوبير في هذه النصوص على فكرتين رئيستين: أبدية أصبحت محسوسة وتبعية الحياة للموت، وذلك من وجهات نظر شخصيات تبدو ضحية قدرٍ عدائي. وبالفعل، يحلو لحنين وضع شخصياته في حالات جمود مُخزية أو، في أفضل الأحوال، في وضعية المراقب الذي ينتظر بقلق حدثاً يُغيّر حياته الفارغة. ويحلو له أيضاً توجيه القارئ الذي ينتظر تطوراً في سير الأحداث للاستراحة داخل عملية السرد، إلى الأسئلة القارصة التي تطرحها جميع نصوصه، إلى الغموض في معناها وشكلها. وهذه الصعوبة في التآلف مع شخصياتٍ وعالمٍ ونصٍ في حالة هروبٍ وزوالٍ دائم، ناجمة عن برنامج سردي محدَّد يهدف حنين من خلاله إلى إظهار كائنات وأقدار تتمكن من الإفلات من الزمن المدمّر. فهذا الأخير يفقد بعضاً من تأثيره على كائنات رقيقة وهزيلة تم إخراجها بسرعة وبشكلٍ مجزّأ. باختصار، ينبعث من داخل هذه النصوص فنٌ في السرد يذهب بعكس الأعراف، يتم فيه تجنّب الوصف وتسلسل الوقائع وتسقط فيه الحاجة لبداية للقصة، فنٌ مقتضَب مهمته التعبير عن حقائق بسيطة لكن ذات وقع خطير ودال.

في القسم الثالث والأخير من المجلد يتبيّن لنا أن مقالات حنين الأدبية الأولى ستظهر أيضاً في فترة الثلاثينات مع تركيز خاص فيها على التيارات المعاصرة التي ستُشكّل موضوع أبحاثه الرئيس. وسيُمارس الشاعر منذ صغره النقد والقطيعة بمهارة نابعة من انفتاحه على السريالية طبعاً، ولكن أيضاً على موسيقى الجاز والسينما الحديثة والروائيين الجدد. وستمنح ثقافته الواسعة بآفاقها ولغاتها نصوصه أو مقالاته النقدية نبرة خاصة تتراوح بين «كوزموبوليتية» منجَزة ولونٍ محلي لاذع. أما سرياليته فتسبق انتماءه الرسمي إلى هذه الحركة عام 1936. وتُشكّل النصوص التي سيكتبها خلال قيادته مجموعة «فن وحرية» التي ستُصبح نقطة ارتكاز بروتون في مصر، امتداداً للتجارب التي قام بها قبله ألفرد جاري، رونيه كروفِل وخاصة لوتريامون. ويتوقف بيار فيلار في شكل خاص في مقدمته عند القيمة النقدية لمقالات حنين الأدبية، مستشهداً بنصوص هذا الأخير حول ميشو وكافكا وبروتون التي يتبيّن فيها حدسه المذهل وعلو نظرته وقدراته الكبيرة على المجادلة من موقعٍ مستقل. وستشكّل الحرب العالمية الثانية المناسبة المؤلمة لحنين للتحقق من الرابط الوثيق، الأخلاقي في شكل أساسي، الذي يوحّد في كتاباته التأمل السياسي والشعرية القارصة. ولأن عمليتَي الدفاع والتدمير اللتين يواظب عليهما في مقالاته تتطلبان من اللغة درجة عالية من الفعالية، سيتمكّن حنين في شكل مذهل وفريد من لغات أربع: الفرنـــسية، الإيطالية (من والدته)، الإنكليزية والعربية، وإن رصد الجزء الأكبر من نصوصه (حتى عام 1960) لمجلات مصرية فرنكوفونية، مثل «التقدّم المصري» و «البورصة المصرية».

وتبدو هذه المقالات القصيرة سهلة القراءة اليوم ومعبّرة في شكل رهيب وحية، «تُمسك بزمنها وتشكّل في الوقت ذاته فرصة للشاعر للإفلات من ظرفه ومنحنا فضيلة نقدية مستقلة عن رهاناتها المحلية».

وستقوى هذه الممارسة في الفترة الأخيرة من حياة حنين بعد رحيله عام 1961 إلى أثينا ثم روما فباريس حيث سيعمل، وللمرة الأولى، كصحافي ولكن بأسلوبٍ شعري تماثلي (analogique) لاذع ومباغت. ففي مجلات مثل «أفريقيا الشابة» و «الإكسبرس» و «الماغازين الأدبي» و «الموسوعة السياسية الصغيرة»، سيقارب المواضيع الراهنة كاستعارات والنجوم الفنية كأساطير زائلة والصورة الشعرية كنضالٍ اجتماعي والسياسة الدولية كمسرحية أو جدلٍ خطابي.

 

انطوان جوكي / باريس



.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri