مـحـبــوبـات الـشـعــر ومِـلاحُـــه

اذا كان الشعر حلّة العربية وحُليتها وتاجها، فان له من المحبوبات الملاح حللا وحُلى وتيجانا. وهل يُعدّ عاديا استهلال القصائد بذكر هؤلاء الملاح، بل ان أبهى ما فيه صيرورته عاديا. فالموضوع مهما كان لا يطيب الكلام عليه الا اذا كان الغزل مرحبّا به ومكرما له وداعيا اياه الى حسن الاقامة. وهؤلاء المحبوبات محجوبات في ما يذكرن به، وفي ما يذكرن من أجله. فهن البداءة التي يتمنى معها ان تكون الادامة والنهاية. وأي شيء يمكن ان يضيف الى جمال الشعر جمالا لولا هذه الاسماء التي لعبت بأولي الالباب كما لعبت بأولي القلوب. وما أقصر المسافة بين الالباب والقلوب عندما تفتنها ذوات الفتون والفتنة. وكأن الشعر نفسه يخلولق ان يرفض الا ان يكون مطلعه مطلعهن، لأنهن يلطفن ويخفّضن، ولأنهن يحركن ما حُسب انه في الصدر ساكن الى الابد. والشعراء في ما تقدم من العمر او تأخر متضارعون في الهمة التي لا يهمها الا ان يكون لهؤلاء المحبوبات حقهن في التقدم الذي لا يتحمل المقدمة فيها بما يضيق عنه التخيّل أحيانا. انها أسماء فعالة، وأسماء قتّالة، وهي لا تبالي الا بأنها دلالات على ذوات الدلال. فقد باشرت بابا إثر باب، حتى ان باب الرثاء في بعض أمره لم ينج من سحرها. هؤلاء المحبوبات لهن مع العربية شأن أبطل كل شأن من غيرها. لهن مع كل تحلّة تفدية وتجلّة، وهن بهما جديرات لأنهن قديرات. والقدرة من عون السماء الذي يضاف اليه عون الارض على ما يعشقون. فمنهن محبوبة عروة بن الورد في مطلع شعر له:

أقلّي علي اليوم يا بنت منذر

ونامي وإن لم تشتهي النوم فاسهري

ومنهــن محبــوبــات لامــرئ القيس:

كدأبك من أم الحويرث قبلها

أفاطم مهلا بعض هذا التدلل

خليلي مرّا بي على أم جندب

وجارتها أم الرباب بمأسل

وان كنت قد أزمعت صرمي فأجملي

نقض لبانات الفؤاد المعذب

ومحبوبة طرفة بن العبد:

لخولة أطلال ببرقة سهمد

تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد

ومحبوبته الثانية واسمها هِرْ:

أصحوتَ اليومَ أم شاقتك هِرْ

ومن الحبّ جنونٌ مستعرْ

وزهير بن ابي سلمى ظل وفيا لأم أوفى وهو في الثمانين من عمره:

أمن أم أوفى دمنة لم تكلّمِ

بحومائة الدراج فالمتثلّم

وكانت له ايضا هاتان المحبوبتان:

صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله

ان الخليط أجد البين فانفرقا

وعري أفراس الصبا ورواجله

وعلق القلب من أسماء ما علقا

ما أقرب اسم سلمى من أسماء. فهل يستغرب قربهمـــا مــعا مــن قلب ابن ابي سلمى، ولــم تكــن أسماء ببعيدة عن قلب الحارث بن حلّزة:

آذنتنا ببينها أسماء

رب ثاو يملّ منه الثواء

وهذه محبوبة المثقب العبديّ:

أفاطم قبل بينك ودّعيني

ومنعكِ ما سألت كأن تبيّني

وهل يجوز ان لا تكون للذبياني محبوبته فتخفف عليه حلكة الليل ووطأة الهم.

كليني لهمّ يا أميمة ناصبِ

وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكبِ

والمحبوبة التي في العليـاء فالسـند:

يا دار ميّة بالعلياء فالسندِ

أقوت وطال عليها سالفُ  الامد

والحسناء التي أسعدت كعب بن زهير وأشقته كثيرا

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول

متيم إثرها لم يفد، مكبولُ

هؤلاء الحسان عدد قليل ممن شغلن من الشعراء كبيرا.

 

فريديريك نجيم - "النهار" - الجمعة 25 نيسان 2003

 

.Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri