حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

صـــور الجــــنـات وألــواح القــــــلـوب

في حديثه عن إتقان العلوم وبلوغ فقه النفس، روى أبو حامد الغزالي قصة قصيرة حول مباراة في فن التصوير جرت بين فريقين من الفنانين من أهل الصين وأهل الروم. ونجد في "كتاب اسكندر" للشاعر الفارسي نظامي الكنجوي حكاية مشابهة استعادها مصور من هرات في منمنمة بديعة في النصف الأول من القرن الخامس عشر. يتردد صدى هذه الحكاية في "مثنوي" جلال الدين الرومي، حيث روى المولوي "قصة الجدال بين الروم وأهل الصين حول علمي النقش والتصوير"، ومهرها بختم عرفاني بليغ، جاعلا منها مثالاً يشهد لمرآة القلب التي تصفو حتى تتلقى صورة الغيب.

في كتاب "ميزان العمل"، تحدث أبو حامد الغزالي عن طريق السعادة التي هي مبتغى الأولين والآخرين، ورأى أن هذه السعادة لا تُنال إلا بالعلم والعمل. وفي كلامه عن منهج الصوفية، أكّد حجة الإسلام أولوية المعرفة بطريق البحث والنظر. على الساعي إلى معرفة ما لم ينكشف بعد للعلماء الباحثين عن الأمور الإلهية البدء بتحصيل ما حصّله الأولون. والطريق أمام السالك مفتوحة أبداً، لأنّ "ما لم ينكشف للخلق أكثر مما انكشف". يلجأ الإمام العارف إلى الأمثلة المحسوسة ويروي قصة قصيرة ترمز إلى منهج المعرفة ومنهج الكشف:

"حُكي أن أهل الصين والروم تباهوا بحسن صناعة النقش والتصوير بين يدي بعض الملوك. فاستقر رأي الملك على أن يسلم إليهم صُفة ينقش أهل الصين منها جانباً، وأهل الروم جانباً، ويرخي بينهم حجاب، بحيث لا يطلع كل فريق على صاحبه. فإذا فرغوا رفع الحجاب، ونظر إلى الجانبن، وعرف رجحان من رجح من الفريقين، ففعل ذلك. فجمع أهل الروم من الأصباغ الغريبة ما لا ينحصر. ودخل أهل الصين وراء الحجاب من غير صبغ، وهم يجلون جانبهم ويصقلونه، والناس يتعجبون من توانيهم في طلب الصبغ. فلما فرغ أهل الروم ادعى أهل الصين أننا أيضاً قد فرغنا. فقيل لهم: كيف فرغتم ولم يكن معكم صبغ، ولا اشتغلتم بنقش؟ فقالوا: ما عليكم ارفعوا الحجاب، وعلينا تصحيح دعوانا. فرفعوا الحجاب، وإذا بجانبهم وقد تلألأ فيه جميع الأصباغ الرومية الغريبة، إذ قد صار كالمرآة لكثرة التصفية والجلاء، فازداد حسن جانبهم بمزيد الصفاء، وظهر فيه ما سعى من تحصيله غيرهم".

يختم الغزالي الحكاية بتعليق موجز، فيتوجّه بالكلام إلى القارىء ويقول له: "قَدّر كأن النفس محل نقش العلوم الإلهية، ولك في تحصيله طريقان: أحدهما تحصيل عين النقش، كطريق أهل الروم، والثاني الاستعداد لقبول النقش من خارج. والخارج ههنا اللوح المحفوظ، ونفوس الملائكة، فإنها منقوشة بالعلوم الحقيقية نقشاً بالفعل على الدوام، كما أن دماغك منقوش بالقرآن كله، إن كنت حافظاً له، وكذلك جملة علومك، لا نقشاً يحسّ ويبصر، ولكن نوعاً من الإنتقاش عقلياً، ينكره من اقتصرت به خساسة نفسه على المحسوسات ولم يترقّ عنها".

عجائب القلب

وضع الغزالي كتاب "ميزان العمل" في ما يُعرف بالفترة الأولى من التعليم العام. وقد استعاد المفكر العلاّمة قصة مباراة النقاشين في فترة الخلوة والانقطاع، ونقلها في موسوعته "إحياء علوم الدين"، حيث جعل منها في كتاب "شرح عجائب القلب" مثالاً محسوساً في بيان الفرق بين مقام التعلّم ومقام الإلهام. يمثّل فريق الروم "العلماء يعملون في اكتساب العلوم نفسها واجتلابها إلى القلب"، أمّا فريق الصين فيرمز إلى "أولياء الصوفية يعملون في جلاء القلوب وتطهيرها وتصفيتها وتصقيلها". الطريقة الثانية تكمل الطريقة الأولى وتكشف عن جوهرها. يمضي حجّة الإسلام في تثبيت هذا التأويل ويقول: "عناية الأولياء بتطهير القلب وجلائه وتزكيته وصفائه حتى يتلألأ فيه جلية الحق بنهاية الإشراق كفعل أهل الصين، وعناية الحكماء والعلماء بالاكتساب ونقش العلوم وتحصيل نقشها في القلب كفعل أهل الروم". مرّة أخرى، يشير الغزالي إلى أن هذا البحث لا حدود له، وانّ علم العلماء والأولياء لا ينتهي بموتهم، لأن "المؤمن لا يموت، وعلمه عند الموت لا يمحى، وصفاؤه لا يتكدر".

ولد أبو حامد الغزالي بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي بقرية غزالة القريبة من طوس من إقليم خراسان عام 1048م، وتوفي فيها عام 1111م، تاركاً وراءه تراثا صوفيا وفقهيا وفلسفيا كبيرا بان أثره في نتاج كبار الشعراء الفرس الذين صنعوا مجد الأدب الإسلامي بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر. في الفصل الثالث والخمسين من "كتاب اسكندر"، أو "اسكندر نامه"، وهي المنظومة التي أنجزها نظامي الكنجوي عام 1189، نجد استعادة لحكاية النقش والتصوير في قالب قصصي جديد. في حضور ملك الروم وخاقان الصين يتبارى فنانان من القومَين في تزيين مشكاتين قبل أن يُدعى الحكَم إلى تقويم الصورتين والتفضيل بينهما. يفاجأ الحضور بتماثل الصورتين حتى التطابق، إلا أن الفرق بين العملين تجلّى حين سدل الستار الذي يفصل بين المشكاتين من جديد، فظهرت الصورة التي صنعها الروم، وتجلّت المرآة التي صقلها الصينيون. مثل الكثير من الروايات التي نظمها الكنجوي شعراً، تُرجمت هذه القصة تشكيلياً وتحولت إلى منمنمة تشهد للوحدة العميقة التي تربط بين الكلمة والصورة في فن الكتاب الفارسي. في نسخة نفيسة من نسخ "خماسية نظامي" أُنجزت عام 1445، مصدرها هرات، وهي من محفوظات سرايا توبكابي، يظهر الملك إسكندر على الصفحة الثلاثمئة وأربع وهو يرفع يده اليمنى نحو شفتيه في حركة تعبر عن الدهشة والإنبهار وسط ثلاثة شهود يشخصون إلى الأعلى بصمت، مأخوذين بما تبصره عيونهم. في القسم الأعلى من التأليف، رسم المصوّر مشهدين متطابقين جعلهما تحت قوسين مزخرفتين على شكل محرابين متساويين في الطول والعرض. في كلتي الصورتين، نرى شابا يفتح كتابه على مرأى من صبية ترنو إليه بدلال وخفر من خلف شجيرة مزهرة. بين العمودين اللذين يفصلان بين المشهدين المتطابقين، تنسد ستارة سوداء تذكّرنا بالحجاب الذي فصل بين فريق الصين وفريق الروم. على مثال الملك والشهود الثلاثة، نتأمل في الصورتين ونعجز عن التمييز بينهما.

العلم الخفي

بعد نظامي، قدّم جلال الدين الرومي برؤياه الخاصة "قصة الجدال بين الروم وأهل الصين حول علمي النقش والتصوير" في "المثنوي" كمثال ساطع على العلم الخفي (3465-3495)، معلناً غلبة أهل الصقل وتفوقهم على أهل الصبغ. في هذه الرواية التي نقلها إلى العربية محمد عبد السلام كفافي، على عكس الغزالي، جعل المولوي الروم أهل الصقل، وجعل من الصينيين أهل الرسم والتصوير، ولا ندري إن كان هذا الانحياز يعود لكونه روميّ الوطن. وأعلن شاعر الصوفية الأكبر ولاءه للفريق الأول منذ البدء، وأقرّ بصمود الروم في مبارزتهم للصينيين، لأن "اللون مثل السحاب، أمّا اللالون، فمثل القمر". وحين رٌفعت الأستار الفاصلة، وجاء الملك ليشهد ويحكم، بدت الصورة المنعكسة على المسافة الصافية المصقولة أجمل وأبهى حتى "كادت أن تستلب العين من محجرها". يذهب الرومي بعيداً في الشطح ويختم قائلاً:

"إن أهل الصقل قد خلصوا من الرائحة واللون، ولهذا فإنهم لا يتخلفون لحظة عن مشاهدة الجمال.

فهم تركوا ظاهر العلم وقشوره، ورفعوا راية اليقين الحق.

لقد ذهب الفكر، فوجدوا النور، وأمسكوا بنحر المعرفة، واهتدوا إلى بحرها.

إن هؤلاء الناس يهزأون من الموت الذي يخشاه عامة البشر.

وليس يستطيع إنسان أن ينتصر على قلوبهم. إن الضرر قد يقع على أصدافهم لا على جوهرهم.

وهم قد تخلّوا عن النحو والفقه، لكنهم حملوا بدلا منهما المحو والفقر.

ومنذ أشرقت صور الجنات الثماني، وجدت ألواح قلوبهم متقبّلة لها.

وإنها لمتلقية مئة انطباع من العرش والكرسي والفضاء. بل ماذا تكون هذه الانطباعات؟ إنها لشاهدة الله عياناً".

 

محمود الزيباوي



.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri