حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

شعراء من جيل الثمانينيات الأرجنتيني 4
عندما تكون كل دقيقة بلغت الكمال

الشعر الذي يكتب اليوم في الأرجنتين شبه مجهول خارج بلده، كما يقول الناقد كارلوس بارباريتو. فصدور بعض الأنطولوجيات في السنوات الماضية الأخيرة واهتمام المجلات الأدبية التي تصدر في أعداد ضئيلة جداً، قد تضيء بعض الشيء على هذه الأعمال، لكن هذا حقل لا يزال في معظم جوانبه معتماً عليه، او غير منتشر كما هو مفترض. ما يرد في هذه الترجمة هو نموذج لما يكتب راهناً من شعر في الأرجنتين، ولو انه نموذج غير وافٍ وغير كافٍ. لكني اكتفيت بهذه الأسماء لأعطي فكرة، ولو وجيزة، عمّا ينشر هناك منذ الثمانينيات.

لاورا شابيرا:

القبلة

ستصلُ.

ستصلُ حتماً في هذه السماء

عندما تكون كل دقيقة قد بلغت كل هذا الكمال

وعندما تكون اصبحت كما نحلم بها.

ستصل القبلة: ليست بالبعيدة.

إنها في داخلنا: نعرف ذلك.

كل شيء في داخلنا

يستعد للقبلة.

حتماً

سيصل ذلك اليوم، وقد آن الأوان.

في المكان اللامتناهي لفضاءاتي،

سوف تجري مياهك في أخاديد صحرائي.

عندما ستتوهج روحي، كالنار،

في المكان الأكثر سرّية من روحك،

عندئذ ستصل القبلة، تماماً كما حلمنا بها:

أبدية، بكل ولهٍ وخفف.

بكل شغفٍ،

كل ما سيكون بيننا وبين هذه القبلة.

ستصل وليست بالبعيدة.

ستصل وقد آن الأوان.

في داخلنا، ونحن نحب بعضنا منذ الأزل،

كل شيء يستعد للقبلة.

 

سيلو:

ذهاباً وإياباً

النهار الرمادي والبارد، شيئاً فشيئاً، يخلد الى النوم، كما الأشياء الأخرى الكثيرة التي تمر في هذه الحياة،

وفي اتجاه الليل يصبح الوقت مطاطاً،

كما العذاب من مرض لا يجهز عليك.

دمي الفاتر تزداد سماكته شيئاً فشيئاً،

قلبي يقبع تحت وطأة بؤس هذا الزمن،

وكأنه يعاني من سوء تغذية كالأطفال الأفارقة،

يزداد الدفق كثافة كمثل الحمم البركانية،

فينزلق كأفعى بين اعضائي المحتبسة أنفاسها.

جلدي الشديد الجفاف يتقلص ملتصقاً بجسمي،

كالقبضة التي رفعت مرة من أجل المجد.

عيناي ترفان وهما تزدادان تباعداً في الزمن،

افتحهما، ونور خافت ومتشعشع ينطفئ.

متدلياً ومنهكاً اجلس،

وكرياح شجرة خريف عندما تسافر بصمت،

أبحث عن الشخص الذي يعيش متخفياً،

والذي فجأة يُصدر صوتاً من الأعماق.

أتذكر أوقاتاً لطيفة على وشك أن تصل،

كثلج الشتاء الذي لن أراه،

كالحب الذي أيقظته ولن أرافقه،

كالبزرة التي زرعتها ولن احصدها.

اليوم وقبل أن أذهب أترك بين يديك الأرض،

أبدأ بالإبحار عبر الموج نحو مرافئ أخرى،

وتكلمي معها واسهري عليها فهي خصبة كبزرتي،

أحبيها، وانسي أن بابي ينغلق الآن.

ابتسمي في الربيع عندما تكون قد كبرتْ،

إذ لن اكون ميتاً حينها.

 

د.ر. موريل:

دقةٌ متقنة

الإيماءة

امتيازُ ان نحبَّ

ما نخافه

ظلٌّ

سارق يغذّي

مديته

هذا التنفس

في الغرفة المجاورة

همسُ طفولةٍ

انه شبيه

بمساء أيلول هذا

مع الشجرة

ومع الورقة والذاكرة

ابني يقرّر

رصيف آخر

مدرسة أخرى

باحة أخرى

أن ألامس وجنتك كي لا أراكِ

وإلا

أن أدير وجهي

أن أفتح هذه العين الوحيدة

التي تجمعنا

وأن أستأنف مجدداً الطقس:

آنية من خزف رطوبة تأوهاتي.

من عند الجرح الدم يتحرّر

اليوم الأخير

ذلك اليوم بالذات

نضب حبري

وقعت ممحاتي

ومن خلفِ ظهري:

ضجة

ثمة ضيق

ثمة دمعة قاتلة.

اليد ترتجف

دائماً ترتجف

ترتاب لكنها لا تتراجع

ولا تقبل بأي التزام مع الموتى

اليد التي لا ترتجف

سوف تلقى مصيرها

في ما يبرهنه الخنجر

علامة هشاشتنا

الارتجاف هو الشؤم

لفظٌ وغياب.

جدول الضرب

واحدة واحدة

تلوكني اليوم

الوقاحات التي بلعتها في صغري:

الفم

مغلقٌ

العينان

بريقٌ.

الخروج

بين عيني

والحبر

خطأ:

يدي.

نهاية القصة

ثابتة الفأس

ترتفع

تقع

من الشجرة ذاتها

عصاها.

 

نورما سيغادس:

امرأة الصلوات

عشية الحِداد المحتوم،

عندما لا يبقى أمامنا سوى أن نمزّق الغياهب،

عندما يكون الدم نفساً جامداً

وعندما ألسِنة الرمل الهارب

تجعل الخوف يفقد صبره.

عندما تتكسّر أصوات صفراء

ازاء غضب الصمت العاري

وثمة ضجيج مزاليج صدئة

ومسافات

وحُمى

وأنين

ومخالب من الرماد

خطّت تحزيزاً في المرايا

وجهها قماشة كتّان رثّ

يراقب العتبات

على ضوء الشموع الخافت

الشموع التي تتلف الذكريات

وترفع شكواها في نغم أدردٍ

بدءاً من طقس الصلوات الليلي.

إنها هي:

التي تنتظر في الزوايا،

التي تسهر على البكاء والمنفى،

التي تعرف الإيماءة،

التعليمات،

السؤال النهائي،

والجواب.

التي تحاصر الجفون المنزوفة

عند طرف الوشاح،

التي تعرف الوقت والليتورجية،

الوجوه الأساسية، وجوه من ينتظر

سوية مع الهلال

والتي اسمها لن يُفضح عنه

قبل ان تسكت كل الأبواق

وقبل ان يحترق الفرسان السود في السماء.

التي تنبش من المقابر أسمالاً متلعثمة

لكي تبني طلاسم قديمة

فتحافظ على أثرها.

لأن الرحلة دقيقة

والهوّة

والنهر الذي يختبئ في الذاكرة

وتألق الالتهاب البعيد

في عيني المجذِّف الفارغتين.

إنها هي،

المُرضعة،

التي تهدهد

هدف الأحلام الأخير،

تلك الغزالة الشاحبة في هذا النسيج

حيث الحياة وحدها هي الوجه السيء للأشياء.

إنها الشاهدة الشرسة، شاهدة النداء،

إنها التي،

لفرط ما رافقت الغيابات،

أضحت ظلاً إضافياً بين الظلال

أضحت قناعاً نُحت في الصلصال

وهي تحضن دهشة الموتى.

 

صباح زوين



.Copyright ©2003- Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri