حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الحداثة الشعرية
بين رامبو وأبي العبر الهاشمي!

ابدأ بالقول، وأنا أتطلع من حولي الى ما يجري في ساحتنا الثقافية، ترى، هل كان الشاعر الفرنسي ارثر رامبو، على سبيل المثال، شاعرا عظيما حقا، كما يقال عنه، حين كتب وهو في السابعة عشرة او التاسعة عشرة من عمره كل نصوصه التي جعلت منه، دفعة واحدة، ومن دون تحصيل ولا سهر ليال، ولا خبرة في اي شيء، ذلك (الشاعر العظيم)؟!

اذا كان كذلك حقا، فلا بد انه كذلك فقط بالنسبة للشعر الفرنسي وليس بالنسبة للشعر الياباني او الفنزويلي او العربي، مثلا. لان عظمة اي شاعر لا تقاس الا وفق معايير ادبه القومي، لارتباطها بأسرار الإبداع الشعري والذائقة العامة لدى امته فالجواهري ليس عظيما بالنسبة للالمان، ولا بوشكين بالنسبة للهنود ولا طاغور بالنسبة للاسبان، الا بمقدار ما يصلهم من هذه العظمة من (فلتر) الترجمة، وهو فلتر لا يبقي الا القليل والشاحب من الصور الشعرية والأفكار، مهما اجتهد المترجم وبرع.

واذا كانت الباحثة الفرنسية دومينيك كومب، بحكم فرنسيتها التي تربطها بشعر رامبو، ترى (1) في كتابها الأخير عن الشاعر الفرنسي انه انقذ الشعر الفرنسي من (طريقه المسدود) عندما انحرف به مئة وثمانين درجة، فضمن لنفسه بذلك الابدية والخلود، واذا سلمنا جدلا بصحة ذلك، فما بال كاتب منا يعمم هذا الرأي، ويرى ايضا ان آراء رامبو، وعلينا ان لا ننسى انه في السابعة عشرة من عمره، (تشكل البرنامج الاساسي للحداثة الشعرية سواء داخل فرنسا ام خارجها).!

فما هي هذه الاراء التي شكلت البرنامج الأساسي للحداثة الشعرية، كما يقول الكاتب العراقي؟ لابد انها شيء ابداعي متعمق في التجربة الإنسانية قريب من اراء كارل ماركس في الاقتصاد، مثلا، او اراء ابن خلدون في الاجتماع

كمايقول رامبو، ابن السابعة عشرة: (ينبغي ان نطالب الشعراء بان ياتوا بشيء اخر جديد، شكلا ومضمونا، ذلك ان اختراع المجاهيل يتطلب منا استخدام اشكال لغوية جديدة). هذا وكان رامبو لم يزل غير مستوعب بعد حتى دراسته الثانوية ولا قرأ الكثير او مر بتجربة حقيقية، حين (اوحيت) له هذه الآية المعجزة، التي جعلت الكاتب، كاتبنا، يتساءل مندهشا ويريد منا بالطبع مشاركته دهشته هذه: (من يصدق ان رامبو كتب هذا النص وعمره سبعة عشر عاما فقط وربما اقل)؟!

وعلينا بالطبع ان لا نصدق، ارضاء للكاتب، وايمانا بعظمة رامبو، وان نجهل من اجل ذلك كل آراء النقاد وتجارب الشعراء العرب، بدءا بامرئ القيس ومرورا بابي تمام وابي الفرج الاصبهاني ونازك الملائكة وانتهاء باخر كاتب قصيدة نثر يجلس الآن في مقهى بباب المعظم او شارع الرشيد وقد انتهى للتو من كتابة اخر (رائعة) له، هازئا على ضوئها من كل الشعراء العظام، وربما حتى من رامبو نفسه! فهؤلاء النقاد والشعراء هم ايضا خرجوا، وقبل ان يفعل رامبو وبعده، على عمود الشعر ثم الشعر نفسه في ارائهم وقصائدهم الخارجة على الشكل والمضمون او (روائعهم النثرية) وانقذوا بذلك الشعر من قيوده المتوارثة (مثلما انقذ رامبو الشعر من الغنائية الكلاسيكية او الرومانطيقية عن طريق اختراع لغة شعرية جديدة، هي لغة النثر...)!!

وعندما يقول (3) رامبو وهو في السابعة عشرة من عمره:

(فليقبل فليقبل

الزمن الذي نتعشقه

لكم صبرت صبرا

لن انساه للابد

الالام والمخاوف

في الهواء تبخرت

والظمأ المدنس

يعكر دمي...)

لا أحس باني قد دهشت، بالرغم من انني اود ان يحصل لي ذلك فلدي ولدى جميع الشعراء ايام كانوا في السابعة عشرة شيء من هذا القبيل، والفارق هنا ان رامبو قال ذلك وسكت الى الأبد، اما هم فانهم استمروا احياء وتطوروا وقالوا ما هو افضل!

وانا هنا لا اريد بالطبع ان انتقص من تجربة رامبو الشعرية، رغم كل شيء، خاصة وان الجميع يقولون انه عظيم، هو او بودلير او الان بو، او تزارا وبريتون، وغيرهما من شعراء السريالية والدادائية، العظام هم ايضا حتى وهم في ذروة السخف!

وعلى ذكر الدادائية، فاني اكتشفت ومنذ السبعينيات، لكن من دون ان ادهش او انبهر، لان الدادائيين والسرياليين كانوا قد ذهبوا بما لدي من طاقة على الانبهار ان سخفهم (الإبداعي) الذي وصلتنا طراطيش منه في الستينيات فافسدت مشهدنا الثقافي منذ ذلك الحين، لم يكن اصيلا حتى، كما ينبغي للسخف ان يكون، وانه من قبيل البضاعة التي ردت الينا الا ان احدا لم ينتبه الى ذلك او يجده جديرا بالاعتبار، ربما جريا على قاعدة (مغنية الحي لا تطرب)، فان تقول لي انك جلبت معك قنينة عطر، مثلا من حي الشانزلزيه في باريس غير ان تقول لي انك اشتريتها من بسطية في حي البياع.

لاني في الحالة الاولى ساستند في تقويمي للعطر الى خزين الذاكرة من بريق الحياة الباريسية التي (خبرتها) من خلال الافلام، ورقي الصناعة الغربية ايام الاستعمار، وروائع الادب الكلاسيكي الفرنسي، وبريجيت باردو، والاجواء الرومانسية التي لا تكون الا هناك والى شيء من الشعور بالدونية قبل كل شيء اما اذا قلت لي انها من حي البياع، فاني ساستحضر في ذهني ما لا يطيب ذكره هنا واحكم على العطر من خلال ذلك، وقد يكون هذا اصليا او رفيع المستوى وذاك مغشوشا ضحك به عليك جزائري او غيني يعيش متسكعا هناك في حي بارابايس.

فقد لخص تريستان تزارا اسلوب (الابداع) الشعري بالنسبة للدادائية، التي قيل لنا انذاك، على ما اتذكر انها احتجاج على الرأسمالية المتوحشة او البرجوازية الفاسدة او شيء من هذا القبيل فقال في (قصيدته الدادائية)(4):

(خذ جريدة

خذ مقصا

اختر منها مقالا له الطول الذي تنويه

لقصيدتك!

اقتطع المقال

قص باعتناء الكلمات التي يتألف

منها المقال، ثم ضعها في كيس!

خضه برفق

اخرج قصاصة تلو قصاصة حسب

ترتيب خروجها من الكيس

استنسخ بنزاهة!

ستشبهك القصيدة

وها انت كاتب في منتهى الاصالة

وذو حسية ظريفة وان لا تفهمها العامة!)

اما شاعرنا العباسي، ابو العبر الهاشمي، الذي نادم الخليفة المتوكل في القرن الثالث الهجري، اي قبل ان يظهر الدادائيون باكثر من الف عام، فقد كان اكثر اصالة وظرفا في مذهبه (الشعري) كما جاء في الخبر التالي الذي اورده ابو الفرج الاصبهاني، حيث قال (5):

(حدث عم عبدالعزيز بن احمد قال: سمعت رجلا سأل ابا العبر عن هذه المحالات، (اي السخافات) التي يتكلم بها، اي شيء اصلها؟ فقال ابو العبر: ابكر فاجلس على الجسر، ومعي دواة ودرج، (اي ما يكتب فيه)، فاكتب كل شيء اسمعه من كلام الذاهب والجائي والملاحين والمكارين، حتى املأ الدرج من الوجهين، ثم اقطعه عرضا، والصقه مخالفا فيجيء منه كلام ليس في الدنيا احمق منه)!

وابو العبر هذا هو القائل (6) في فترة (كلاسيكيته) وتعقله وصلاح امره:

(هوى دفين وهوى بادي

اظلم، فجازيك بمرصاد

يا واحد الامة في حسنه

اسرفت، في هجري وابعادي)

اما في فترة (حداثته) الشعرية، او ما بعد الحداثة، انذاك وتحوله من التعقل الى الحمق ومن قصيدة العمود الى قصيدة النثر، فهو القائل (7):

(أيا احمد الرقيع

ومن اكلك الرجيع

اتنسى متى كان

نصيرك قهرمان

فيأتيك بالسويق

من السوق والدقيق..)

ويمكننا ان نقول عنه، وربما الغربيون ايضا لو عرفوا قصته، ما قيل عن رامبو بطريقة ما كما جاء في اول المقال حين قال: (ينبغي ان نطالب الشعراء بان ياتوا بشيء اخر جديد، شكلا ومضمونا..) الى آخره.

وهل كان أبو العبر الهاشمي قد فعل غير هذا بطريقته (الإبداعية) الخاصة؟!

 

عادل العامل / كاتب من العراق



© Copyright 2003- All Rights Reserved Alimbaratur.com.