حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الشعر العربي والبعد الحداثي

- تأملات في، شعرية الايسيميس، لأسعد الجبوري SMS

1- أول الكلام:

يعرف الشعر العربي الآن تحولات كبيرة في الشاعرية التي يتسم بها، خصوصا بعد الثورة التكنولوجية العميقة في ميادين الاتصال والتواصل الإنساني. الشعر العربي الآن يسعى لتأسيس شعرية جديدة، هذه واحدة من تجلياتها.

2- الشعر الحداثي و اللمحة العميقة:

إن الشعر في هذه الاسيميسيات يتدفق بعمق. يعتمد على اللمحة العميقة التي لا تنسحب الا بعد أن تترك أثرها العشقي المستحيل نسيانه. الشعر هنا يعتمد على تحقيق المفارقات العجيبة الرائعة التي تتأسس في يسر و سهولة، لكن بكثير من الغوص في العلاقات الإنسانية المتواترة حبا وألما. عشقا و توحدا. صداقة وامتدادا. الشعر في هذه الاسيميسيات يعلن عن ذاته بقوة التوحد مع الآخر عن طريق الإمساك به أينما كان و أنى شاءت ظروفه أن يكون.الشعر هنا يخترق الحواجز و يحتل صفحات الشاشات الالكترونية الصغير ة منها و الأكثر صغرا، وطبعا الشاشات الكبرى هي تسعى إليه عن طواعية.. ألف اسيميس يعلن عن ذاته في لحظات السنة الجديدة التي كلما انتهت جاءت الأخرى معلنة عن لا نهائيتها. الزمن يؤكد الحضور ولكن الحب يتواجد في ثناياه.ألف ايسيميس على نمط الليالي الألف. الايسيميس بعد هذه الألف الزاهية بألوان الطيف العشقية، سيكتبه الشعراء الآخرون سيرا على هذا النهج الشاعري القوي بكل امتياز وعنفوان.. الاسيميس الواحد بعد الألف هو التالي: (أنت الحبيبة. الباقي مجرد نساء).

إن هذه الايسيميسات الشعرية تثير الإعجاب.لقد كان الشاعر الحداثي أسعد الجبوري فيها رائدا.

3- الشعر الحداثي و الانفلات الشذري:

هذه القصائد العاشقة التي تتدثر بالعشق الحالي و تغوص في البعيد النائي، عن طريق الاستحضار للصور المبثوثة في الهواتف النقالة و المحمولة والخلوية، تمنح للذات العاشقة ألق التوحد الوهمي مع الآخر إلى حين اللقيا به أو نسيانه والبحث عن بديل.هذه القصائد المنبعثة من الاسيميسيات والذاهبة إليها، تطرح إشكالية جديدة للشعر العربي الجديد الذي تعاد الآن صياغته وفق شعرية جديدة تختلف كلية عن الشعريات العربية السابقة. شعرية جديدة تنحت ذاتها من تاريخ الشعر العالمي وخصوصا من الشعر الياباني المنفلت، شعر الهايكو، لكنها تتجاوز مخياله وتؤسس مخيالا آخر هو وليد الثورة التكنولوجية المتحققة في وسائل الاتصال حديثا.إضافة إلى هذا، فالشعر هنا يستحضر الكتابات الحداثية العميقة التي ظلت في الهامش و يجعلها في البؤرة الضوئية من جديد، بإعطائها نفسا شاعريا مختلفا.أقصد هنا كتابات المركيز دو ساد و جورج باطاي و نيتشه و حتى رولان بارت في بعض تدفقاته الكتابية الشذرية. الشعرية هنا تؤسس ذاتها معتمدة على التوهج الفجائي و الصدمة الكهربائية و التساؤل اللانهائي حول الأشياء. هذه القصائد الفريدة تسعى وهي تنكت من تلقاء ذاتها، كما لو أن كل العاشقين الكونيين شاركوا وساهموا في صياغتها، كل حسب هواه ومبتغاه.هكذا يتحول الشاعر الى قوة روحانية تخترق الزمن وتؤسس لزمن شاعري هو متحقق في/على أرضية الواقع لكن الشعراء التقليديين لا يبصرونه أولا يريدون ذلك.

4- الشعر الحداثي و الجنون الإبداعي:

الشعر في هذه القصائد المنفلتة يتأسس انطلاقا من الجنون الإبداعي حيث العقل لا حول له ولا قوة هنا. الجنون هو سيد المواقف كلها.تتحول الأنثى في مرآته الى مجرد صورة تظهر على الشاشة و الى مجرد صوت تسمع ذبذباته كما لو أنها آتية من عالم آخر.الحب هنا يصبح متحققا على صعيد الوهم والحلم مع مختلف الكائنات الواقعية منا والتي يخلقها الوجدان وحتى الكذب على الذات والآخر بغية القبض على سحر هذا الحب الذي يهرب الى ما لا نهاية نحو المدن الوهمية التي يشيدها. ذلك أن العالم المشيد هنا، كما في الشعر الحقيقي على مر عصوره، يتأسس على الإدهاش.فحين يغيب الحبيب أو حين لا ترى صورته أو يسمع صوته تتحول ذبذبات الموبايل الى لسعات عقارب قاتلة. الشاعر هنا يوزعُ الأقراطَ على النساء. ويهدّي نسخاً من قلبهِ لحاضنةِ، وقد يظل هو وحيدا يعاني، ليخلق صورا شاعرية أخرى، تتسم بقدر أكبر من الجنون الإبداعي الخلاق.

5- مسك الختام:

هذه القصائد الحداثية بامتياز تجعل الشعر يعيد التفكير في ذاته و في أدواته من جديد، وتدفع به بعيدا نحو شعريات جديدة أخرى تتحقق على أرضية الواقع، ولكنها لا يبصرها كثير من الشعراء. و كل عام والشعر العربي في توهج لا ينقطع...

 

نورالدين محقق / شاعر و روائي مغربي


 

.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri