مؤتمر بيروت
لقصيدة ((التتر))
1
بعد أن فلتت قصيدة
النثر العربية من العقال البابوي تماماً، خارجة عن مساحة
المتر المربع القمعي الواحد، تجرى الآن محاولات حثيثة بإعادتها
إلى الحظيرة الكلاسيكية، كي تبقى لبنانية الصبغة، وفقاً
لأوراق العهد القديم وتصورات نقاده بجذورهم المختلفة التي
تجتمعُ كلها تحت تراب الهوية الجغرافوية بعدما أطيح وبشكل
نهائي بمفهوم الإقليمية كمصطلح أو خيار للتوجه. لا ننسى
هنا: أن الشعر منظومة بيولوجية أكثر مما هو ورق ومدارس وتنظيمات
وثرثرة إلى طاولة مستديرة أو مقعرة أو مضلعة.
2
وإذا كانت البابوية
في الشعر، شأن سفلي مضاد للتحرر، ولا تمنح النص قدرة على
الاختلاف، كونها أسراً وتبعية مقموعة، فقد استمرت هذه الحالة
بمعدلاتها نحو الارتفاع، لتصبح علامة مميزة لقصيدة النثر
في لبنان، تمدها بطاقة المثلية كانعكاس واضح للسلف،وتربطها
بجذر موحد لحركيتها داخل اللغة التي باتت نمطية تعتمد على
غبار الرموز وعمليات تنشيط المستحثات بالحقن، للخروج بالسردين
من علب التقفيص الى الهواء الطلق. وما دام شأن الشعر شأن
البورصة على الدوام، فان معدلات هبوط الأسهم وتفسخها، ترك
لانهيار رموز الشعر في لبنان تاريخاً لا يمكن إخفاءه أو
السيطرة على تداعياته.
وإذا كان الأمر يتعلق
بتفسخ قطع الغيار وتآكل الحديد. فان التشبث بمقعد (الفرست
غلاس) لا يحول دون سقوط الطائرة وهلاك ركابها.
3
لا مناص من القول
الآن، بعدما زمن ((التسكيت)) الطويل، بأن خبرة المؤامرة
قد وصلت إلى نهاياتها. فقد ظهرت من تربة قصيدة النثر أجيال
رائعة التقنيات. وتعملقت في العالم العربي جبال عدة أعطت
ظهورها لزمن المستعمرين القدامى:أنسي الحاج ويوسف الخال
وسركون بولص وفاضل العزاوي وشوقي أبي شقرا والماغوط والرموز
الكلاسيكية المتعددة لقصيدة النثر، أو حتى بالنسبة لأبطال
((التناص الشرعي)) لتمرير النصوص المترجمة من الغرب إلى
الشرق، بعد تفريغها ونهش لحمها!!
من هنا.. فليس أمام
المستعمرين الأوائل.. غير إزاحة الصخور عن رئات الآخرين،
والانشغال بدفن جثث بعضهم للبعض الآخر. فلا متسع من الوقت
بعد للمشاركة في رفع الأنقاض أو القبعات. فما من جميل يستحق
الاعتراف.
عمل شاعر قصيدة النثر،
لا يتعلق بحشو بطون النصوص بالسعال والأرصفة والصراخ حرية
حرية أو بالحكي عن التشرد واستعمال مفردات اللاهوت. فقصيدة
النثر لم تعد إرثاً غربياً ولا لبنانياً إلا فيما يخص المنتمين
للغرب سواء بأرواحهم الفرانكفونية أو بقيودهم السلفية.
4
مؤتمر بيروت الراهن
عن قصيدة النثر.. يكشف الأزمة الخانقة التي يمر ذلك النموذج
تحت الجلباب السلفي هناك. والمؤتمر ثانياً، يدل على حملة
تترية ضدنا نحن شعراء قصيدة النثر. وكأن حرباً تقام، لتطهير
القصيدة العربية ((النثر)) تطهيراً عرقياً،وذلك من خلال
جعلها أنموذجا لبنانياً خالصاً. ومن يدقق في الأسماء المشاركة،
لا يضيع هدفه بالمطلق.
5
وكما يبدو.. فأن الفضائح
الخاصة بما يحدث في المستوطنات الثقافية، سيستمر طويلاً.
علينا الرد ومواجهة حروب الإقصاء بفضح الرموز وتعرية الملوثين
والملوثات.
الشعر ليس سريراً
وكم كيلو لحم. والمؤتمرات المهرجانية لا تعني أوكاراً سرية
لضرب مواعيد الغرام. لقد ارتفع منسوب الفضائح (انظروا أسماء
من يتم دعوتهم للمهرجات)) فهل أصبحت هذه الحفنة المستهلكة
الممثل الشرعي والوحيد للشعر العربي، على غرار ما كانت تمثله
منظمة التحرير الفلسطينية؟؟!!
شعراء من هذا الطراز
هم من الملقى القبض عليهم في سجن. ونحن لا نريد ذلك. فمتى
ما تم القبض على هذا الشاعر أو ذاك نقدياً، صار معرفاً بسجل
وفايل. الشاعر المختلف، يستمر بالعمل أثناء الكتابة كمخلوق
جوي لا علاقة له بحراث أرض مكتشفة لأنه من جماعة الاستشعار
عن بعد. يسبر ويهمل، منتقلاً إلى عوالم تتفسخ فيها الإقامة،سواء
في بيروت أو في أية مدينة أخرى. الشعر لا رهينة زمان أو
مكان. والشاعر يقتله التنظير، مهما كان متمدناً. فكيف الحال
مع جماعة مؤتمر قصيدة التتر في الجامعة الأميركية في بيروت؟!
6
ومثلما كنا قد أكدنا
عليه فيما مضى، بأن كل شيء ينتهي قبل نفاذ الوقت، عدا شهوة
الشعر. إنها الوحيدة التي تهدم الزمن بلغاتها المتعددة.
تجره من ثيابه، لتصنع له من التيه ما يناسب جسده. تسقط النظريات
أمام الشعر أو تتراجع. تنكمش أو تنتحر. فالشعر بخار الماء,
يمكن أن ترفع عنه الأرض, ويبقى نهراً متدفقاً في صيرورته
الخاصة. في عناصره التي يتشكل منها يومياً. ويضيف إليها
خبراته الدائمة، تلك التي تتوالد عنه، وبشروط المخيلة الذرية
التي تؤنسن الطبيعة الصامتة وتحتكر صناعة الفن لصالح المعارف
التقنية الأخرى. لا وزن للوزن في قصيدة تجتاح اليباب وتدمر
أقفال كهوفه الآن. ولا قافية إلا لعلب السردين. إما من يبحث
عن الإيقاع، فسيجده في دبكة أهل النسق الإنشائي من طوابير
قصائد المهرجانات. بعدما بات الرقص ديوان العرب وسلاح النظام
العربي الرسمي، الذي وجد في الشعر التقليدي خميرة تجعل خبز
الشعوب كعكاَ يقطع بسيف الخليفة. الإيقاع المطلوب هنا، معدة
لاجترار النصّ فقط.
7
لقد كان الجاهليون
الذين وأدوا قصيدة النثر مع بناتهم، يخشون من حرارة رحم
تلك الأنثى التي تختمر فيها كل الولادات على مدار كل الأزمة.
لأن الإيمان بالأوثان المنجزة ، كان أقوى من الإحساس بالروح
أو بسبل البحث عن آلهة للخصب فيما وراء رمل القبيلة وتخومها.
لذلك كان الوأد عقاباً لتلك الحساسية. وخوفاً من امتداد
ثمارها وتجليات. فكانت محاولات قطع النسل الشعري لقصيدة
النثر، بالتركيز على إعدامها قروناً طويلة، لتصبح تلك القصيدة
وما تزال بنت سفاح بيولوجي، وليست منتوج صراع بين طبقات
اللغة وجيناتها التي ما تزال تمور فينا، ونتشكل من ترابها
المدمي المكبوت!
قصيدة النثر، نادت
بتحرير الذاكرة وإطلاق سراحها من تلك عبودية عولمت الوطن
العربي بشعر الخليل، وجعلته طقساً مقدساً، الخروج عليه جريمة،
و تجاوز مناطقه إلى عوالم أخرى تحت طائلة العقاب و التجريم!!
إذاً.. لم َ إزاحة استعمار شعري من هذا النوع، لا توازي
في أهميتها عن تفكيك السيطرة الاستعمارية عن تراب بلد يرضخ
لسلطة الانتداب؟
هل ما زال مصير الحرية
مبهماَ في الزمان والمكان؟!
أليس في الشعر مخلوقات
تحلم وتتنفس ولها رغبة التحرر من قبضة أشباح الأطلال؟
أم إن النظرة إلى
الشعر ما تزال تتمحور حول كينونته كحاجب على باب الحاكم،
وتقتصر مهمته على أفعال السيرك فقط؟
السلطات تحاول إخفاء
الشعر في جعبتها، والتعامل معه كرهينة، ونحن نريد الركض
في العراء أو الطيران بعيداً عن الإيديولوجيات الحاذفة لجميع
الملذات من تقويم الحياة. فالإيديولوجية الشعرية لقصيدة
النثر قائمة على تدمير نفسها باستمرار. تشرح تفاصيلها، وتقدم
وصفة لما بعد حركتها في عين اللغة، لا على حاجبها. والكلمة
التي لا تتدفق نهراً في القصيدة، لا يحتاجها تراب الشاعر
أبداً. الحاجة للماء هنا، لا تعني الامتثال لنظرية الأنابيب
المستطرقة. فكل نص، مسرح لفوضى من نوع خاص. وفي تلك الفوضى
ما يعكس اتساع مكر الخيال وتحديثه باستمرار.
مؤتمر بيروت الراهن،
تجديد لعمليات الوأد النازية القديمة تلك. ولكن ليس مع الشاعرات
العربيات الخلاقات وحدهن هذه المرة، بل مع الشعراء آيضا.
ولكن لا وأد إلا لشاعرات التأوه البورنوي الوضيع. ولا قبر
إلا للرموز الصنمية.
8
قصيدة النثر متغطرسة
بحبر شهوتها. متعالية على القيد والقيادة. ولأنها كذلك،
فهي تنأى بنفسها كل من جفت التعابير في صنابيرهم اللغوية،
فأصيبوا بتصلب شرايين المبنى والمعنى على حد سواء.
المجال المغناطيسي
في القصيدة التي ندافع عنها، ستلايت يلتقط كل ما في الفضاء
من حركة. وكل ما في الأسرة من تناغم شهواني ما بين شذرات
المذكر المهشم، وما بين ينابيع الأنوثة الناطقة بجوهرها
ومجوهراتها. وكل ما في الغابات من ريح وطير وهوامش للاستنطاق
الليل وما وراء الليل من تصوف وجنون وإنزياحات وتشرد بين
الغام اللغة وأحلامها. فالقصائد التي لا تتفتح كزهرة عباد
الشمس في الشاعر ليلاً، تخسر شمس النهار.
9
وإذا كان إبليس أول
من نطق بقصيد النثر أمام الرب، فكان رائدها الأول، فنحن
لا نعادي تجربته، لنكتب بلغة الملائكة. النقل عندنا حرام
دائم. والتناص مع قصيدة النثر في الغرب هو عمل مذل من خواص
المعاقين. لا وجود لشاعر يشبه أخر حتى في القبر. هكذا نطمح.
10
قصيدة النثر بهذا
المعنى.. لعنة كاملة لمن لم يبق من رؤوسهم سوى صفيح الجماجم.
وهي جسد يتمتع بإضافات تعبر عن صفات الوحي. وتستعر بنار
خلود غير ذلك الخلود الذي بحث عنه جلجامش في التيه. فالشاعر
يدخل المجهول، لكي لا يعثر على أثر لنفسه هناك. وتلك هي
الحكمة بالضبط: أن نقاوم أزل العدم بأزلية البحث عنه. ولو
كان جلجامش قد عثر على الغلام المتوحش أنكيدو، لكنا عثرنا
في صحارى النصوص على توابيتنا، فتم الدفن وانتهت مراسم التأبين.
لكنه الشعر. هو الثروة
الوحيدة التي لا تقبل الانقراض. صورة الآدمية العارية وهي
تكشف عن نفسها، وتتدرب على أن تكون بخاراً لاستعمالات الكتابة
بلغة الطير. نحن نملك حريتنا بقوة اللغة وسماواتها الشاسعة.
ونترك للأخر حرية البقاء في الكهف. أعيننا على المختلف دائماً.
أسعد الجبوري / الدنمرك