
القصيدة
خارج بيت الطاعة
"الملاك الشهواني"
أنموذجاً
>
- الكتابة التي
لا تتصالح
مع الآخرين:
> لعل أهم
ما يميز تجربة
الشاعر أسعد
الجبوري،
في نتاجه الشعري
كله، ومنه
مجموعته الأخيرة
(الملاك الشهواني)
أنها كتابة
مخاتلة، همها
إقلاق راحة
المتلقي ووخزه،
وإيلامه،
وجعله يشعر
أنه يسير في
مساحات شعرية
تحكمها الكثبان
الرملية التي
تهدد بابتلاع
ذائقته التقليدية،
فالشاعر لا
يشعرك بالثبات،
فالبحث والتجديد
والتحطيم
هي أهم ما يميز
فعل الكتابة
لدى الشاعر
الجبوري،إنها
تجربة تحاول
قتل الآباء،
وارتياد مناطق
بكر في التعبير
الشعري، من
هنا، فالقصيدة
عند الشاعر
تعلن العصيان
والخروج من
بيت الطاعة
التقليدي،
محاولة القيام
بفعل التجديد
سواء على صعيد
اللغة الشعرية،
أو على صعيد
الصورة الفنية،
أو على صعيد
محاورة التراث
بمنطق القتل،
وهذا ما نلحظه
في عنوان (الملاك
الشهواني)
الذي اتبعه
الشاعر بعنوان
فرعي، هو (فيض
المواقف ومخاطبات
العاشقين)،
فالشاعر من
عنوانه، يبدأ
التحطيم،
فالعنوان
الفرعي يحيلنا
إلى النفري،
في كتابه (المواقف
ومخاطبة العاشقين)
ومن يقرأ أسعد
الجبوري،
سيلحظ أن هذا
العنوان المخاتل،
يدل بلا مواربة
على محاولة
الشاعر القضاء
على حالة الهوس
الصوفي بالغيب،
في شعره على
الأقل، للوصول
إلى شعرية
الهوس الأرضي
الواقعي،
وبذلك فالمجموعة
محاولة للتصالح
مع المعاش،
والتخلي نهائياً
عن الدروشة
والعيش في
عوالم الغيب
غير المجدية
من وجهة نظر
المجموعة
التي بين أيدينا،
ومن هنا سنجد
مواقف أخرى
تنحاز للحياة،
ومخاطبات
جديدة للعاشقين،
في لباس فني
جديد لا يخلو
من خلخلة للراكد،
وإذا كنا نقرأ
في الموقف
الثاني عشر
عند النفري:
(وقال لي: أتدري
أين محجة الصادقين؟
هي من وراء
الدنيا، ومن
وراء ما في
الدنيا، ومن
وراء ما في
الآخرة)، فإننا
سنقرأ في موقف
الغرق عند
أسعد الجبوري:
(النوم خان
بعيد تحت المياه/
والخلود صندوق
بريد على باب
المقبرة)،
وسنقرأ في
موقف الفسق:
(وماذا بوسع
نبيّ في أتوبيس
مهشم/ أن يفعل
غير التقاط
أنين المحركٍ/
الصوفي)، وباختصار
إذا كانت الصوفية
ترى أنّ مملكتها
ليست في هذا
العالم،وأنّ
رفض العالم
هو أساس الحرية
الصوفية \"فمقام
الحرية عزيز\"
_ على حد تعبير
القشيري _ فإن
الشاعر الجبوري
يناقض هذا
الموقف و يرى
أنّ جنته على
الأرض، وبذلك
يغدو التعبير،
أو القول الشعري
هو تعبير عن
نزوعات الذات
الإنسانية
في فردوسها
الأرضي، وإذا
كانت الصوفية
تدير ظهرها
للدنيا بغية
بلوغ الحق
الخالص_ حسب
فهمها_ فإن
الشاعر يقبل
على الحياة،
ومن هنا تبرز
النزعة الساخرة
في التعبير
الشعري، فالمواقف
عند الجبوري
هي مواقف حياة
تقتضي العقل،
ولا غرابة
من السخرية
من تغييبه
في مواقف كثيرة،
ولا غرابة
أن تعتمد هذه
النزعة في
مواجهة المحنطات
الفكرية التي
تكبلنا شعرياً
وإبداعياً.وفيما
يأتي نتوقف
عند أبرز الملامح
الفنية للمجموعة:
> - اللغة وحقول
الألغام:
> أول ما يلفت
الانتباه
على صعيد اللغة
الشعرية عند
الشاعر أنه
ميّال إلى
اللغة الإيحائية،
المعتمدة
على اللغة
المعاصرة،
بكل ما تحمله
من مفردات
حضارية، ومستحدثات
تكنولوجية،ولغة
يومية، يقوم
الشاعر بإحداث
تشكيلات دلالية
جديدة وطريفة
بينها، وهذا
ما يوحي به
العنوان (الملاك
الشهواني)،
فالملاك هو
مبلغ الرسالة،
وحامل اللغة،
يقع عليه عبء
التواصل مع
الآخر، وبمعنى
بعيد الملاك
الشهواني
هو الشاعر
ذاته في علاقته
باللغة، وبالأشياء،
وبالكون،
وتأتي الشهوة
هنا بمعنى
النهم بكل
ما يحمله من
شهوة تعبيرية،
ولذة، وبذلك
فالملاك هنا
هو ملاك من
نوع آخر يصنع
قداسته، عبر
اللغة، فتتحول
الشهوة إلى
فعل لغوي،
يذكّرنا بمصطلح
رولان بارت
الشهير(لذة
النص)، وهنا
تصبح الشهوة
مرادفة للغة
والكتابة،بكل
ما تحوي الكتابة
من لذة في الغوص
في عالم اللغة
الذي لا ينتهي
والذي يحاول
الشاعر فيه
ارتياد الداخلي
والنفسي والكوني،
عبر بناء عالم
شعري تخصبه
أمطار المخيلة
المبدعة،
التي تحاول
كشف مناطق
اللغة المجهولة.
وعلى ذلك لا
غرابة أن نجد
لغة معاصرة
عند الشاعر
الجبوري تمتح
معجمها من
حياتها ولا
تلجأ إلى لسان
العرب لتسول
الألفاظ من
شوارعه، فالشاعر
دائما يدهشك
بمفردات غير
متوقعة، والحق
أن هذه الميزة
اللغوية كانت
قصيد النثر
المعاصرة
أكثر جرأة
في ارتيادها،
من أنماط القصيدة
الأخرى. و الشاعر
الجبوري مدرك
لذلك، وهذا
ما نلحظه في
(موقف قصيدة
النثر):
> // أيها البركان
الأبيض في
نهاية الفهرست/
أنا نزلك المؤقت
بمعية بمعية
الطير/ ولن
تمر على فمي
القبل العمودية/
الأوزان خرائب
على طول أوتستراد/
الذهن/ وما
عادت الشهوات
تليق بإيقاع/
واحد/ هنا النبض
مسترسلا كالأوبرا/
فوق التلال/العين
على جبهة النص
بئر ارتوازي/
ونحن أسباب
طلاق اللغة
من خريف القاموس)...
> فالشاعر في
هذا الموقف
يدافع عن قصيدة
النثر وأفقها
وحريتها،
وبغض النظر
عن اتفاقنا
أو اختلافنا
معه من هذا
الاقصاء لأنماط
القصيدة الأخرى،
فالشاعر ينحاز
لكل ما يدفع
المخيلة إلى
الطيران دون
قيود، ومن
خلال ذلك يبرز
المعجم اللغوي
المعاصر،
فصار مألوفاً
أن نجد مفردات
الحياة المعاصرة
بكل حرارتها،
فنجد( أوتستراد،
أوبرا، ارتوازي،
الشورت، الميلودراما،
بلاج، الفواتير،
أتموسق، البلازما،
درّاجة، يتمركض،
شاحنة،)....، وهذه
المفردات
وغيرها كثير
باتت سمة لغوية
للشاعر، وهي
لا ترد اعتباطياً،
أو رغبة في
التخريب،
وارتياد هذه
المفردات،
وإنما ترد
بطريقة بنيوية،
وعضوية في
تشكيل الصورة،
والرؤيا الفنية،
ومن هنا سنقرأ
عند الشاعر:
> //قصيدة النثر
بالشورت على
بلاج اللغة/
وليست آخر
تفاحة للخطيئة//
> // كأن نوقاً
تائهة/ تجري
في أنابيب
الجملة/ العصبية//
> // الكلمات
مثل العجلات/
والوجد شوارع
بطيور تتشقق
بالجنايات//
> // فيما الذنوب
بطاريات قابلة
للشحن/ على
الدوام//
> فالشاعر يعتمد
مفردات (الشورت،
البلاج، أنابيب
الجملة العصبية،
العجلات،
بطاريات) لتسجيل
موقف فكري،
وشعري، فوقوف
قصيدة النثر
بالشورت،
يعني وقوفها
في الحياة
المعاصرة،
وفي ذلك ردة
فعل على القصيدة،
التي تعيش
بيننا، ولكنها
ترتدي ثياب
القرن الأول
الهجري، وبذلك
فالشاعر ينحاز
للحياة داخل
العصر الموجود
فيه،وفي المثال
الثاني تظهر
طرافة التشبيه،
الذي تصبح
في النوق تائهة
داخل الجملة
العصبية في
دلالة طريفة
على حالة الضياع،
وتتناغم في
المثال الثالث
حالة الكلمات
مع لفظة العجلات،
لتقديم صورة
الوجد الذي
تحول إلى شوارع،
فيما يمثل
الشاعر صورة
الديمومة
في اقتراف
الذنوب، بحالة
معاصرة جداً
هي حالة البطارية
القابلة للشحن
دوما، في صيغة
لا تخلو من
تهكم لطيف.
> - البناء الفني:
> يبني الشاعر
مجموعته على
تقنية المواقف،
والمخاطبات،
آخذاً هذه
التقنية من
النفري، ولكن
لينسج مواقفه
الخاصة التي
لا صلة لها
بمواقف النفري،
أو بالتصوف،
بل يمكن أن
نعد المجموعة
ردة فعل معاصرة،على
الفكر التصوفي
الغيبي، والموقف
هنا هو معرفة
الشيء في موقف
خاص، ليس بهدف
اختراق المادة
عبر الرؤيا
إلى ما ورائها،
كما عند الصوفيين،
وإنما بهدف
رج المياه
الراكدة،
وفلسفة الواقع،
سواء باستقرائه،
بطريقة أخرى،
أو بالتهكم
عليه،أو في
محاولة اختلاف
زاوية النظر
إليه، ومن
هنا سنجد مواقف
حياتية كثيرة،
منها مواقف
(الليل، الرغبة،
الباص، النفي،
الرقص، الصحراء،
اللذة، الضجر،
النوم، الغرق،
الحانة، العقرب،
الخوف، الحنين،
الندى، السندباد،
العراق، الفياغرا،
الفسق،الخائن)،...
والموقف هنا
هو رؤيا الشاعر،
فموقف الباص،
مثلا، هو موقف
الانتقال
بكل ما توحي
به كلمة الانتقال
من سفر، وهجرة،
وتنقل بين
أمكنة الأرض،//
من هاوية الوقت/
وحتى تلال
الصفر/ العداءون
يقطعون الزمن
بالخداع/ الطويل/
المؤلفون
في منامة الفلسفة/
حطب للثرثرة/
الزارعون
الغيب في خطواتهم/
يحملون أنفسهم
في السلال/...//
> وفي موقف
المتحف، نرى
الشاعر يتوقف
عند الباقي
من حضارات
قديمة، وسلالات
الحروب،إلى
أن يلخص هذا
الموقف بقوله//
المتحف نعش/
يعتذر دائماً
عن دخول القبر//
> وتعتمد المواقف
على الثنائية
الحوارية،
بين أنوثة
متخيلة، وعارف
ببواطن الأمور
يختم به الموقف،
وهذا ما يبرر
وجود نمط الحكمة
الشعرية المكثفة،
فالشعر يظهر
هنا باعتباره
فن الاختزال،
وهذا ما نلحظ
ملامحه في
الأمثلة الآتية،
ففي موقف النفي
نقرأ // الصمت
يخرج من المحبرة//،
وفي مواقف
أخرى نقرأ
الصور المكثفة
الآتية:
> // الرقص عيد
بلا تكاليف//
> // لا تسمي الموت
موتاً/ نادي
عليه بمطهرنا
من الشيخوخة/
والجراد//
> // السماء تصبغ
شعرها بالغروب//
> // الشعر بلاد
العاشقين//
> وهذه التقنية
التكثيفية
ستبرز أكثر
في القسم الثاني
من المجموعة،
المعنون ب(مخاطبات
العاشقين)،
إذ إن الخطاب
هنا سيكون
على شكل برقيات
سريعة وامضة،
كما نقرأ في
قوله:
> // مولاي في
الحب:/ الحب
برق يتمدد
مستعجلاً/
والعاشق/ طير
داخل مصباح//
> أو في قوله:
> // مولاي في
الحب: نحن نسخ
عن قدامى الموتى/
ستنكسر بنا
خزائننا ذات
يوم/ ونكون
أرشيفاً لطبائع
القادمين/
من خلف التلال//
> وأخيراً:
> أيّما كان
موقفك من تجربة
الشاعر الجبوري،
وقدرته العجيبة
على الاختراق،
والتجريب،
والتدمير،
وسعة مخيلته
الشعرية على
تحمّل النتائج
والتبعات،
فإنك ستتفق
معه على أنّ
التجريب والمغامرة،
وكسر روتين
القصيدة،
هي من مستلزمات
تطوير القصيدة،
ولابأس حينها
من تقديم الضحايا
اللغوية الكثيرة
في سبيل ذلك،
ومن هنا لا
غرابة أن نجد
قصيدة أسعد
الجبوري،
خارج بيت الطاعة
التقليدي
الذي تقيم
فيه الذائقة
التقليدية
منذ دهور؟؟؟
د. هايل
محمد الطالب
/ عن جريدة تشرين السورية - 12-1-2008 -
hael73@yahoo.com