حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

أدب الطوفان

1

الماء المرتفع. والكائنات المنخفضة في الأعماق. كلاهما فعلان. ومثلما في الماء الحياة ، مثلما الموت هناك أيضاً. عندما يطلق الريح بين ساقيه ويندفع كبذرة العدم نحو الأحياء.

 

2

آسيا. كعادتها ، تلازم الحمى والتصحر بحراً وبراً. أرض يبذر الموت في صفاتها الخوف العميق.

آسيا. تنام في سريرها مع ماكينة خياطة الأكفان. والبلدان ضحايا ، مثلما الشعوب حطب لمدافئ السلاطين. حطب يوقد لتلمع السيوف على أكتاف العسكرتاري بشهواته الفاسدة. العمياء. الحديدية.

 

3

لم أكتب نشيداً لتهتفَ له العرائسُ.

ولا قرأتُ في صباح ٍ جريدةًَ،

كمريض يتناولُ دواءُ.

القصيدةُ غير بيت الطاعة.

وتلك الطيورُ تخطيطاتُ حبّ في فضاء ٍ،

ليس عندي فيهِ للنساءِ قلائد أفضل من الفوضى.

ولا للبلدان غير الكأس المعلقة بين الأصابع

منذ قرون،

وقد تسقط في اللحظةِ المناسبة.

 

4

كان الطوفان ، ومنذ اللحظة التي قفزت فيها الخليقة على ظهر الأرض ، أول مخترعي الموت. وكان الطوفان أيضاً.. أول مؤلفين العدم بامتياز إلهي. يكتب حطامه وأنقاضه دون انتظار تصريح من عزرائيل أو من مخترع الديناميت أو من سمكري العظام أو من حفاري أوسمة الإبادة أو من موزعي ألقاب الاندثار. الطوفان عبر التاريخ.. لا يُعد إلا لحظة خلق الأدب ، ليكون كامل التراث قبل العدم وبعده.

والموت هنا.. يخترع الآداب من الفزع. بمعنى أنه يقتل الأديب ليخترعه !!

أيتها الحربُ يا نقيضي.

أيتها السعادةُ الكاملةُ في نهار ٍ ميت.

أيتها الانحطاطُ..

يُلخصهُ الذئبُ أمامَ جثةٍ مهدّمة.

 

5

كيف يشرب الوقتُ كل ما في تلك الجثث من أرواح في لحظة خاطفة من عربدة ((تسو نامي)) التي ألقت بتحيتها على جزء من الجسد الآسيوي؟

كأن البحر في تلك اللحظات خارج من عيادة فرويد. هارب إلى مستقبله في مشفى مجانين الزمن الأسود ؟

ثم.. أليس الوقت لا يستغني عن أكل الجثث ، ولا عن التمتع بفاكهة الجحيم المرتفعة على طاولات الأوادم من تلك القيعان السحيقة وإلى ما فوق حدود العين؟

لا يوجد قاتل أبشع من الزمان. هو السفاح بامتياز. هو القبر الفارغ على الدوام. ساعته لحمٌ. تدور فيها العظامُ عقارب نار.

 

6

ليس صدفةً../

النشيدُ سكران بين الحقول.

الليلُ طفلٌ مطري يُلخصُ الذكريات.

المرأةُ طبقةُ الفسفورِ في العين.

البيانو ينبوعٌ عليه الفراشات.

البلدانُ متأرقةٌ تحت الجليد في المنفى.

الحكمةُ فستانٌ طويلٌ للفكاهةِ والدمِ.

الرقصُ بكاءٌ بحركات.

الحبّ ناطورٌ هاربٌ من مقدمةِ المعجم.

ليس صدفةً..

الحزنٌ

تاجُ

الإمبراطور.

 

7

كم تمنيت لو أن الحداثة مثل (( تسونامي)) تعرج على تماثيل الثقافة العربية ومؤسساتها ( التاريخية ) العريقة.

 

8

اكتبي أيتها السكرتيرةُ..

مطر الفتاة يكسرُ النافذة.

النهار وجهُ نائم يدخنُ الشراشف.

الوردةُ الأميةُ يومٌ مضاف ٌ للجحيم.

الإقامةُ الدائمة تأكلُ قدمَ الحالم.

الياقوت صبيّ الينبوع المتشرد بين الألغام.

لا صنارة للماء وقت الصيد.

غناء الكروان جنازةٌ في لغة الحزب.

الغريبُ ورق التقاعد.

ليس في غير الشتاء ينمو سُمّاقُ الحنين.

ما من صفحةٍ بيضاء،

إلا وأكلتها السلطاتُ والمداخنُ.

اكتبي أيتها السكرتيرة:

لا ينتمي الشاعرُ لدمعهِ..

إلا وقت الغروب.

 

9

آسيا.. زهور من اللحم تحت شمس الفاقة والطغيان والإرهاب والتراث.

آسيا.. الهائمة على وجهها تشرداً وفلسفة وشيخوخة وصوفية وشعراً وبلاغة في أناشيد التيه.

آسيا.. هي الأخرى ترعة ظلام. ضريح لآلهة من متعددي الجنسيات، ويعوم في البخور والسحر والنذور ومحاكاة الشيطلائكة بمختلف الصفات والتقاويم الخرافية.

آسيا.. أدب الماء مرتفعاً إلى أعلى تربة الجسد.

 

10

لأجل أي شيء سوى البكاء..

تُخلقُ تلك الثمار،

وللحظةٍ

تُقذفُ خارج ثيابها.

 

أسعد الجبوري / الدنمرك - 09.01.2005 - info@alimbaratur.com


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri