
الشاعر
أسعد الجبوري
ينام
و يأكل و يكتب على صخر من الديناميت
يعّرف اسعد
الجبوري في المشهدية الشعرية العربية بأنه شاعر سوريالي
من طراز ثقيل و انه الشاعر العربي
الوحيد الذي لم يتنازل إلى الآن في نقل مشروع التجريبي العربي
(الكتابة المفتوحة) * إلى حيز التنفيذ هذا المشروع الذي
نادى به أدونيس و لم يستكمل أو لم يطبق ببنوده و رؤياه نظرا
لتشابك المفاهيم الشعرية و الانقلابات المستمرة التي تعرضت
لها قصيدة النثر منذ ولادتها, كذلك الاختلافات التنظيرية
التي جعلت الكثير من النقاد يعلنون وفاة هذا المشروع التجريبي,
و الأمل العظيم الذي اندثر بين الشعراء الوافدين الجدد الذين
ما صدقوا فشل و موت هذا المشروع الكتابي.
لكن اسعد
رغم قوة تمسكه بهذه النوعية من الكتابة الإبداعية الخطرة,
فلأنه يخضع للتجريب الدوري و الشاق بين شكل هذه القصيدة
و تلك مازجا بين حالات شعرية متفرقة و باحثا عن كل ما يضيف
اشراقة جديدة و ساطعة لقصيدة النثر , فهو في مجموعته الأولى
(أولمبياد اللغة المؤجلة) وصولا إلى (صخب طيور مشاكسة) و
انتهاء (بنسخة الذهب الأولى) أراد أن يحتفظ بكل التجارب
السابقة, حتى التجارب الفاشلة و التي لم تحقق الجمالية المطلوبة
الواجب توفرها في الكتابة المفتوحة, احتفظ اسعد و بدفعات
متواترة الشذوذ الشعري الذي لفظته الشعرية العربية في بداية
تشكل الواضح لقصيدة النثر, فأطاح اسعد بكل القوالب الشعرية
المتداولة و ركل كل ما هو انقيادي و منهوب القوة و الفعل,
فاتحا هوة عميقة بين نثرية القصيدة و شعريتها بين الوقائع
الشعرية و الكلام المتداول و البسيط و الذي يصبح فيما بعد
واقعة حياتية جديرة بأن تروى شعريا.
نص اسعد
الجبوري مخالف للمعتاد و المتعارف سواء في لغته التركيبية
أو في لغته البنائية, ملئ بالسواد العراقي الذي هو سواد
الحياة نفسها, مخيف في لقطاته السينمائية التي تدهس القارئ
أكثر ما تدهشه, مع انه الراكض المتفرد وراء الصورة المدهشة,
معني في فضح مكامن الجمال في أية بقعة شعرية يكتشفها فجأة
دون عناء أو بحث عن المنبع الحقيقي للمفردة و هي تغطي البياض
الآسر و تعلن براءة اللغة:
تحت البراءة
نشيدنا السماوي
و عدسة لتكبير الطيران
هدوء لكرسي ليلنا العامر بالصفات
و أصابع أضافية للكمان. (نسخة الذهب الأولى)
(هنا فضاء
اللغة حقا يستفرده الطير العملاق باثا فيه مخلوقات المخيلة
العاملة, شاعر يؤنسن عالمه و يخترق, لا يؤسس إلا لحريته,
يوزع فيضاناته و أناشيده العارية في حداثة بتول لا تمتع
نفسها بقسط من التهذيب المعلن عنه في النظريات أو في سجل
العائلة).
(كتاب طيران) يطلق النص في غير مداره الاستهلاكي معلنا إلغاء
البياض في حقل الشعرية العربية, بعيدا عن يقظة الدماغ البشري
الرخيصة, ما وراء نص أسعد الجبوري يبدأ الجمال نزهته العظمى,
ما وراء الكلمة تبدأ الصورة في التشكيل) و أمام اللغة الرخيمة
الواعية تختفي الذات الشاعرة وراء معناها, ليبدأ (الأنا)
في الظهور رافعا سوط (الكل) ضاربا الحلم الإنساني في الخلود:
هاوية
و عشب أبيض يشغل مرافق الحواس
و هنا
حيث يتفتت الحلم
تأخذنا القبل على دراجاتها. (نسخة الذهب الأولى)
ما الذي
جعل نص اسعد الجبوري يتجاوز المدار البشري في لغتها و ثقافتها
(الصورية) و تخلق بؤرة في المشهدية الشعرية العربية؟
أهو التشكيل للفراغ أم التشكيك فيه, أم الإباحة للمخيلة
العاملة كما يقول هو في خرقها للعقل و ما تعكسه من الكتابة
الأليه المبرمجة, أم هي اللغة التي تجرجر كل شئ وراءها دفعة
واحدة في جرف كل ما هو في الداخل و الخارج من المخيلة ناسية
كل حلم إنساني شاعري (يؤنس العقل و يدفعه نحو الجمال مرة
أخرى:
متى يكون
النهار الواحد
بمائة ليل
لا أحد.. لا أحد
من الفج تخرج الطيور
إنها تحلق حيث لم يبق للسقوط من مكان.
نص اسعد
هو الذي سيسود عالمنا الشعري, كذلك هو الشاعر الوحيد الذي
سيشعل النيران في حقول الكتابة الجديدة و سيقتحم و يدمر
الأبواب الموصدة أمام الحداثة القادمة, لان هذا النوع من
الشعر لا يطلب رخصة من أحد, و مهما يكن موقعه, و هل كان
الشعر في غير صورته.
* المشروع
التجريبي الشعري العربي هو مشروع الكتابة الجديدة حيث تلغى
الأجناس الأدبية من شعر و قصة و رواية و مسرح لتتجمع في
كتابة واحدة و تحت جنس واحد هو (الكتابة المفتوحة) صاحب
المشروع هو أدونيس و انسي الحاج فيما بعد.
إبراهيم حسو
- 23.01.2005