حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

Allen Ginsberg
فرناندو بيسوا
Fernando Pessoa
(1888-1935)

ألف وجه لألف عام - «دكان التبغ» لفرناندو بيسوا: لعبة الحياة والشعر والأقنعة

كان كل شيء متوقعاً من الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا، إلا أن يطلق على واحدة من مجموعاته الشعرية عنوان «دكان التبغ»... والحقيقة ان هذه المجموعة التي صدرت سنة 1933 أخذت عنوانها من واحدة من أطول القصائد وأجملها التي تضمها، وهي قصيدة كان بيسوا كتبها سنة 1928 ثم نشرها في صحيفة «برسنسا» في العام نفسه الذي عاد وأصدرها فيه ضمن المجموعة. وإذا كان بيسوا قد عُرف على نطاق واسع في الأوساط الأدبية والشعرية في العالم، منذ ربع قرن، فإنه عُرف كشاعر، ولكن أكثر من هذا: عرف بصفته واحداً من أغرب الشعراء الذين عاشوا في القرن العشرين. وهذه الغرابة لا تنبع من شعره الذي يبدو، على أي حال، عصياً على التصنيف وإن كان يمت الى السوريالية البدئية بأكثر من صلة، بل تنبع من شخصيته نفسها، هذه الشخصية الغريبة المدهشة التي بدت دائماً وكأنها في حال بحث عن الذات. في حال مطاردة لهوية، حقيقية أو مفترضة... وكأن الشاعر كان لا يتوقف عن التساؤل بينه وبين نفسه، وفي شعره خصوصاً: من أنا؟ من تراني أكون. ولعل من الصعب جداً تصور أن بيسوا عرف كيف يجيب عن هذا السؤال في شعره أو في حياته.

* فرناندو بيسوا عرف، مع هذا، كيف يكون «شيئاً» معيناً: شاعر الهويات الملتبسة. ولعل هذه الصفة تنطبق عليه أكثر من أي صفة أخرى... على اعتبارها «إمكانية التصنيف» الوحيدة له. ذلك أننا إذا شئنا أن نلخص حكاية بيسوا مع الشعر وأيضاً مع الحياة، ونجملها في كلمة واحدة، ستكون هذه الكلمة «الأقنعة» لا أكثر ولا أقل. بيسوا كان، في أعماقه، رجلاً خجولاً تائهاً على الدوام... وكان لهذا ربما – وربما أيضاً لأن فيه جانب لاعب كبير كان من العسير على زمنه أن يفهمه – يفضل أن يقدم نفسه للعالم عبر عشرات الأقنعة والأسماء المستعارة والشخصيات التي كان يخترعها ويخترع لها أسماء ليوقع بها قصائده وكتاباته. ثم انه لم يكن ليكتفي بهذا، بل كان يوجد لكل منها سيرة حياة خاصة بها، جاعلاً لها تاريخ ولادة، وربما تاريخ موت أيضاً، وكأنها شخصيات حقيقية عاشت أو تعيش بالفعل. في هذا الإطار لن يكون، بالطبع، غريباً أن نقرأ لواحد من الباحثين البرتغاليين من الذين حاولوا أن يؤرخوا لسيرة بيسوا ويحصوا انتاجه، ما يفيد أن من المستحيل على أي باحث أن يزعم أنه أحصى حقاً كل نتاجات بيسوا الموزعة في عشرات الصحف والمطبوعات والمناسبات والموقعة بعشرات الأسماء. ومع هذا فإن ما نعرفه من الشعر (والنصوص الأخرى) المنسوب حقاً الى بيسوا يكفي، في الحقيقة، لاعتباره شاعراً كبيراً والتوقف عند انفصاماته التي هي، أيضاً، انفصامات زمننا. وبؤسه الذي هو بالتأكيد بؤس زمننا.

> في هذا السياق، لعل مجموعة «دكان التبغ» وقصيدتها الرئيسة تكونان خير معبر عن «وجود» و «حياة» و «قلق» هذه الشخصية الشعرية التي تبدو، في نهاية الأمر، طالعة من كاريكاتور عن الشعر والشاعر. ففي قصيدة «دكان التبغ» خصوصاً يقدم بيسوا نفسه من طريق ثلاث حالات تقمص، أي عبر ثلاث حالات شخصية يطلق عليها هو نفسه اسم «الشبائه» (ونرجو من القارئ ألا يبحث عن هذه الكلمة في أي قاموس... لأنه لن يجد أثراً لها إلا في شعر بيسوا وطريقته في التساؤل عن هويته الخاصة). وهذه «الشبائه» هي حالات التقمص الثلاث التي لا يكف الشاعر عن عيشها عبر هذه القصيدة، بل عبر قصائد عدة، حيث إن بيسوا هنا يطابق بين كل وجه يبتكره لهويته المفترضة وبين كل قصيدة من القصائد، معطياً لكل وجه مشاعر مختلفة يخص كل منها سمات الشخصية التي ليست في نهاية الأمر سوى إسقاط على ذاته الخاصة. والشاعر لا يكتفي هنا بتصوير ملامح هذه الشخصيات، بل إنه يعطيها أسماء أيضاً: ألبرتو كاريو، ريكاردو رييس والفارو دي كامبوس. وهو من خلال هذه الشخصيات، يطور في كل مرة في شكل أعمق وأكثر اتساعاً، سؤاله الأساس عن هويته. ولكن من دون أن يفوته أن يبدو في كل مرة أكثر رزانة... وبالتالي أكثر استسلاماً أمام كل وجه من وجوهه. وإذا كانت هذه الشخصيات الثلاث التي هي شخصية واحدة، منفصمة أو متعددة في آن معاً، تعيش حياتها مستقلة أول الأمر، فإن الشاعر يعود، وفي لعبة خفية يجمع بينها في منظومة واحدة تجعل الكل يبدو – في آن معاً – إما على شكل لعبة، وإما على شكل لوحة تكعيبية صورت الشخصية الأساسية فيها من أبعاد ثلاثة جمعت معاً. ولكن ليس قبل أن يحرص الشاعر على أن يسند، الى كل شخصية، وظيفة محددة يعبر عنها في القصيدة. فهو، مثلاً، يسند الى ألبرتو كاريو مهمة حارس القطيع، جاعلاً منه سيداً على ريكاردو رييس، الذي يصوره ككائن مريض ضعيف «تسمح أناشيد لبيسوا بأن يفرغ ما في داخل روحه واصلاً الى نقاء رومانسي» بحسب ما يفسر كثر من الذين حاولوا سبر أغوار هذا الشاعر وأفكاره وصوره وتعددية شخصياته. أما بالنسبة الى الشخصية الثالثة فإن بيسوا يجعل لها سيرة حياة واضحة ومحددة: فآلفارو دي كامبوس – وهو اسم هذه الشخصية – ولد، تحديداً – بحسب بيسوا – يوم 15 تشرين الأول (اكتوبر) 1890 في تافيرا البرتغالية، وهو بعد أن درس الهندسة البحرية في غلاسكو، سافر الى الشرق الأقصى ليعود منه محملاً بقدر كبير من الضجر والكسل هو القائل: «إنني أرحل كي أحصل على الأفيون الذي يشكل للشرق عزاء شرف الشرق». واللافت ان شخصية دي كامبوس هذه تبدو نقيضة تماماً للشخصيتين الأخريين، لا سيما في مسارها الكتابي، حيث تبدو كتابات دي كامبوس مرة شديدة الحميمية، ومرات مرتبطة بوصف خارجي ينطلق مع هذا من مشاعر معيوشة. ولعل من أهم صفات دي كامبوس وعيه من ناحية لعظمته، ومن ناحية أخرى لخوائه التام. إنه الأبيض والأسود، الظل والنور... ومن هنا يكون تعبيره عن نفسه دائماً تعبيراً عبثياً غير مستقر. فهل هو دون الآخرين، صورة يحملها الشاعر عن نفسه ويريدها هنا أن تكون جواباً عن أسئلة هويته؟ ليس بالتأكيد. ذلك أن بيسوا لا ينظر الى هذه الشخصية إلا بصفتها تحمل الشخصيتين الأخريين معاً: السيد والعبد، ليس للتوفيق في ما بينهما، بل لاستخلاص شخصية ثالثة منهما ومن التقائهما «القسري». وكأننا هنا نرى في الشعر ترجمة ذهنية لجدل هيغل: الأطروحة ونقيضها والتوليف بينهما.

> إزاء هذه الصورة الثلاثية التي رسمها بيسوا لنفسه في قصيدة «دكان التبغ» الرئيسة، بل في كل القصائد التي تشكل هذه المجموعة وتحمل الاسم نفسه، هل يمكننا، بعد، الحديث، عن سيرة للشاعر تكون غير تلك التي وسم بها شخصياته؟ الحقيقة ان الباحثين والنقاد احتاجوا وقتاً طويلاً حتى تمكنوا من خلال كتابات بيسوا، أن يرسموا عبر متاهة حياة متكاملة، صورة، لا شك في أنها – في نهاية الأمر – تقريبية لـ «الحياة الحقيقية» التي عاشها هذا الشاعر. وتقول هذه الصورة إنه ولد في لشبونة سنة 1888، ليموت فيها بعد سبع وأربعين سنة (1935)... لكن طفولته ارتبطت بجنوب أفريقيا التي اصطحبته أمه إليها طفلاً إ ثر وفاة والده، ليعيشا في كنف زوج جديد لها. وهو درس التجارة والإنكليزية في مدينة داربن هناك وأتقن الإنكليزية أكثر من إتقانه لغته الأم، لأنه لم يعد الى البرتغال إلا وهو في السابعة عشرة، ليتنقل هناك بين مهن عدة راسماً في حياته، ومن خلال تلك التنقلات أقنعته التي ستتراكم مهنة بعد مهنة وسنة بعد سنة، لا سيما إذ عمل في تحرير الرسائل للتجار ورجال الأعمال، ما جعل لكل رسالة لوناً وقناعاً انسحب لاحقاً على كتاباته الشعرية وغير الشعرية، هو الذي راح منذ ذلك الحين يتنقل بين الشعر والفلسفة واللاهوت، كما راح يترجم نصوصاً الى البرتغالية ما زاد إحساسه بالأقنعة وتساؤلاته حول هويته الحقيقية. وقاده هذا الى كتابة نصوص كبيرة ولكن أيضاً الى إحساس عميق بالانفصام قاده الى ما يشبه الجنون، لا سيما حين راح يتصور نفسه يهودياً يعاقب أيام محاكم التفتيش. ولعل هذا الهاجس الأخير هو ما قاده الى الاختبار حول صورة له كفاشي يكتب قصيدة تدعو الى ولادة الفاشية في بلده (1917). وهو منذ ذلك الحين لم يتوقف عن الكتابة (ناشراً معظم أعماله الشعرية على حسابه – في وقت صار له فيه، انطلاقاً من انبعاث شهرته في العالم، حواريون يقرأونه ويتجادلون في تحليله، أو حتى يبحثون في صحف ومطبوعات عن نصوص له تحمل عشرات الأسماء المستعارة هو بإعطائهم مؤشرات أولية عنها ويكون عليهم هم إيجادها. بالنسبة إليه، كانت الحياة والكتابة، لعبة واحدة.

 

إبراهيم العريس


© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.