نيكولاس
غِيّيْن
Nicholas Guillén
(1902-1989)
من ديوان "المراثي"
"ضاعت كنية
الشاعر الأفريقية الأولى، بل سُرقت منه في ليل العبودية الدامي
والداجي لما جيء بالأفارقة للعمل في أمريكا".
-1-
منذُ أيّام
المدرسةِ
منذ قبل ذلك....
منذ الفجر لما كنتُ
حبّةَ نومٍ
وبكاء،
منذئذٍ
أُطلق عليَّ
اسمي. وهو مفتاح السرّ
كيما أستطيعَ
أن أكلّم النجوم.
أنتَ سُمّيتَ،
ستُسمّى..
ثم سُلِّمتُ
هذا الذي ترَونْه
مكتوباً في بطاقتي،
هذا الذي أذّيلُ
به قصائدي،
المكوّن من
ثلاثة عشر حرفاً
أحملها معي
في الشارع
وترافقني دائماً
إلى كلّ مكان.
أأنتم على ثقة
بأنه اسمي؟
أو تعرفون كل
سِماتي المميّزة؟
أو تعرفون دميَ
الصالحَ للملاحة،
وجغرافيّتي
الملأى بجبالٍ قاتمة،
ووديان سحيقة
مرّةٍ
غير مدرَجة
في الخرائط؟
أم لعلّكم زرتُم
هاوياتي،
وسراديبي السفليّةَ،
ذاتَ الحجارةِ
الرطبة الكبيرة
والجزر الطافية
فوق بحيراتٍ سود
حيثُ أحسُّ
بشلالٍ نقيّ
ذي مياه عتيقة
يسقط من أعلى
قلبي
بضوضاء طريّة
عميقة
في مكانٍ مملوء
بأشجار حارقة،
وقِرَدة بهلوانيّة
وببغاءات عليمة
وأفاع؟
أو يأتي جسمي،
جسمي كله
(يجب أن أقول)
يأتي من ذلك الصنم
المرمري الإسباني؟
وكذلك صوتُ فزعي
وصرخةُ حَلْقي
القاسية؟ أو من هناك
تأتي عظامي
كلُّها، وجذوري، وجذور
جذوري، وفوق
ذلك،
هذه الأغصانُ
القاتمة التي تحرّكها الأحلام
وهذه الأزاهير
المتفتّحة في جبهتي،
وهذا النسغُ
المرّ في قشرتي؟
أأنتم على ثقة؟
ألا يوجد شيء
آخرُ غير ما كتبتموه
وما ختمتم عليه
بخاتَم الغضب؟
(أوه، كان يجب
عليّ أن أسأل)
***
والآن أسألكم:
ألا ترَوْن
هذين الطبلين في عينيّ؟
ألا ترون هذين
الطبلين المشدودين تقرعُ
عليها دمعتان
جافتّان؟
ألا يكون لي
جدٌّ بلون الليل
موسوم بسِمة
سوداء كبيرة
(هي أشدّ سواداً
من الجلد نفسه)
سمة كبيرة صنعتها
ضربةُ سوط؟
ألا يكون لي
إذاً
جدّ مندنغي،
كونغولي أو داهومي؟
ما اسمه؟ آه،
نعم، قولوه لي !
أهو آندرِس؟
أم فرنسيسكو أم آمابلِه؟
أم هو غير ذلك؟
أهي أسماء أخر؟
إنها الكنية
إذاً!
أتعرفون كنيتي
الأخرى التي جاءتني
من تلك الأراضي
الشاسعة، كنيتي
الداميةَ الأسيرة
التي مضت فوق البحر
وسْط السلاسل،
مضت وسط السلاسل فوق البحر؟
آه! أنتم لا
تستطيعون تذكّرَها!
لقد أذبتموها
بحبر قديم
وسرقتموها من
زنجيّ بائس لا حول له.
وأخفيتموها
موقنين
أني سأخفض عيني
خجلاً.
شكراً لكم!
"ثانك يو يا
ناساً مهذبين!
مرسي
مرسي بيان
مرسي بوكو
لكن، كلا!...
أو يمكنكم تصديقُ ذلك؟ كلا!
أنا نقيّ
وصوتي يبرُقُ
كمعدنٍ صُقِل حديثاً.
انظروا شعاري:
عليه شجرُ الباأوبا
وخرتيتٌ ورمح.
وأنا أيضاً
حفيدُ
حفيد حفيد،
حفيد حفيد حفيد
عبد.
(ولْيخجلِ السادة)
أأكون ييلوفِه؟
نيكولاس ييلوفِه
ربما؟
أم نيكولاس
بانغيلا؟
أم كومبا؟
ربما غِيّيْن
كومبا؟
أم كونغِه؟
أيمكنُ أن أكونَ
غيّيْن كونغِه؟
آه! ومن يدري!
يا لهذا اللغزِ
وسط الماء!
-II-
أُحسُّ بالليل
الكبير يُرخي بثقله
على الدوابّ
البسيطة
وعى الأرواح
البريئة المعاقبة؛
وعلى أصوات
مسنونة
تنهبُ من السماء
شموسَها
الأقسى
لتزيّنَ الدمَ
المقاتل.
أعلمُ أن أبناءَ
عمّ لي بعيدين سيقدَمون
غُمّةً بعيدةً
انطلقت في الهواء
من بلد ملتهب
يثقبه
سهم استوائي
كبير.
أعلن أن قِطعاً
من عروقي ستأتي
دماً من دمائي
البعيدة
بقدمٍ قاسية
تسحقُ الأعشابَ المذعورة؛
أعلم أن رجالاً
ذوي حيواتٍ خُضْرٍ سيجيئون
غابةً من غاباتي
البعيدةِ
بألمٍ صريحٍ
مصلوب وصدرٍ يستعر لهباً؛
من غير معرفةٍ
سنتعارفُ بالجوع
والسلّ والزُّهَريّ،
والعرقِ المُبتاع
في بورصةٍ سوداء،
سنتعارف بمِزَقِ
القيود
اللاصقة بالجلد
حتّى اليوم،
من غيرِ معرفةٍ
سنتعارف
بالعيون المثقلة
بالأحلام
وحتّى بالسُّباب
المنطلق كالحجارة
التي يقذِفُنا
بها كلَّ يومٍ
ذواتُ الأيدي
الأربع من حبرٍ وورق.
وما أهميّةُ
اسمي الصغير، حينئذٍ،
اسمي ذي الثلاثة
عشر حرفاً أبيض،
(آي! وماذا
يهمّ الآن؟)
ما أهمية اسمِ
الجدّ المندنغيّ
والبانتوي،
واليوروبيّ، والداهوميّ
اسمِ الجّدِّ
الحزينِ الغارق
في حبرِ مسجّلِ
العقود؟
ما أهميّة ذلك،
يا أصدقائي الأنقياء؟
آه، نعم، يا
أصدقائي الأنقياء،
تعالَوا ورَوْا
اسمي!
اسمي الذي لا
نهايةَ له
المكوّنَ من
أسماء لا نهاية لها؛
اسمي، البعيد،
الحر، البعيد
عنكم ولكم،
بعيد وحرّ كالهواء.
- الشجرة (2)
الشجرةُ التي
تخضرُّ
كلَّ ربيعْ
ليست بأسعدَ
منّي
بالاخضرارِ
المزهرِ الجديد.
سقطتِ الأوراقُ
الصفرُ
وعاد الخطّاب
الهيّابون
ليكتبوا أسماءَهم
متعانقةً
على جذعي،
وليرسموا قلوباً
تنفذُ منها
السهام.
قلوب تحيا بهذا
الموت.
إذا قلتُ "أحبّكِ"
تردّدُ صوتيَ
الريحُ
وتلعبُ في تاجيَ
الأعلى
مع اسمكِ وعصفورٍ
هو ابنُ آذارَ
ونيسان.
- الغابة المريضة
(3)
أُصيبتِ الغابةُ
بالمرض
وتشقَّق جلدُها
في مواضعَ
منها وأصبحَ
جافّاً قاسياً.
أهو الجذامُ،
أم الزُهريُّ رُبّما؟
لا؛ يبدو أنْ
لا.
كما أرى وكما
أعلمُ، هو من أسبابٍ أُخَر،
إذْ أخذتْ تنشأُ
في قلبِها مدينة.
(1) -نيكولاس
غِيْيِّن: (1902 –1989)
أكبر شاعر كوبي
وأحد أعظم الشعراء الناطقين بالإسبانية في القرن الماضي ولد
في غاماغوي من أبوين خلاسيين، كانا ولديّ خلاسيين.
بدأ كتابة الشعر
باكراً، وعمل في الصحافة كل حياته. نّفي عن البلد عام 1953 وعاد
بعد انتصار الثورة.
يمتاز شعره
بحسن الإيقاع. والبحور القصيرة، والكلمة الملّونة وإرساء القصيدة
على خاتمة مدهشة، واستعارة كلمات إنكليزية وفرنسية وأصوات زنجية.
من دواوينه:
صنغرو كوصونغو، العجلة المسنّنة، عندي، سونيتات، حمامة ذات طيران
شعبي، ديوان المرائي... إلخ.
(2) -من ديوان
"العجلة المسنّنة"
(3) -من ديوان
"من القلب"
ترجمة:
علي إبراهيم الأشقر - الآداب الأجنبية