عبد
الأمير الحصيري
Abd Al-amir Al-hasery
(1942-1978)
الشاعر
الشريد
الحُصيري:
الشعر والتمرد
الدائم!!
كثيراً ما
يعّن عليّ
اسمه وترتسم
أمامي صورته
ويأتيني صوته
أو صداه، هو
الشاعر عبد
الأمير الحصيري،
حيث جمعتنا
مدرسة ابتدائية
واحدة هي مدرسة
السلام، وفيما
بعد درسنا
في «متوسطة
الخورنق في
النجف»، حيث
بدأ خطواته
الأولى في
التمرد!
في العام 1958 وبعد
ثورة 14 يوليو،
جاءنا أستاذ
اللغة العربية
جواد كاظم
الرفيعي ليبلغنا
أن شاعراً
جديداً سينضم
إلى قافلة
شعراء النجف
وفاجأنا بقوله:
زميلكم الحصيري،
واستغربنا
قوله لأننا
كنا نلتقيه
يومياً، وهو
بيننا، ولم
نكن قد تلمسنا
بعد موهبته
الفذّة، إلى
أن بدأنا نشعر
بتميّزه الأدبي،
لاسيما بعد
اختياره لقراءة
مقطوعات من
شعر الجواهري
في أيام الاثنين
والخميس من
كل أسبوع،
في احتفالات
خطابية لأغراض
تعبوية في
الساعة الأخيرة
(الدرس الأخير)
قبل انتهاء
الدوام، حيث
كان ينظمها
اتحاد الطلبة.
وكان الحصيري
في عدد من المناسبات
الوطنية يعتلي
المنصة ليقدّم
لمستمعيه بعض
قصائده التي
كانت تنال
إعجاب الحاضرين
لاسيما نحن
مجايليه، وإذ
نستعيد ذكرى
رحيله الثلاثين
فإنني أستذكر
باعتزاز صدق
نبوءة الرفيعي،
الذي رأى فيه
شاعراً واعداً،
حيث أصبح الحصيري
بعد انتقاله
إلى بغداد،
حديث المجالس
والندوات والمقاهي
والحانات،
بسرعة فائقة،
من اتحاد الأدباء،
إلى الصحافة،
إلى النقاد،
إلى محافل
الدراسة والجامعات،
وأخيراً وليس
آخراً إلى
مقاهي المثقفين
اليساريين
والوجوديين
والقوميين
حسب تصنيفات
تلك الأيام!
كان الحصيري
يسكن في محلة
العمارة في
النجف قرب
منزلنا في
عكَد السلام
«زقاق السلام»
وكلّما كان
يذهب إلى السوق
أو المدرسة
أو حضرة الإمام
علي، فإنه
لابدّ أن يمرّ
من أمام بيتنا،
حيث كنّا نجتمع
أحياناً في
بعض الأمسيات.
وكانت الشلّة
تضم: عمي شوقي
شعبان وباقر
الدجيلي وجودي
فخر الدين
وأحمد هندي
أبو كلل وهادي
الجزائري وآخرين،
وكان الحصيري
يتردد علينا
في بعض الأحيان
ولبعض الوقت.
كان الحصيري
طالباً خجولاً
جداً لكنه
متفوق في الدراسة،
وكان هاجس
الشعر يسكنه،
فترك دراسته
بعد أن ضاقت
به المدينة،
وأتذكر عندما
كنا نناقشه
كان يردد علينا
قول الشاعر
الفرنسي بودلير:
«لقد بُليت
سراويلنا من
مقاعد الدرس
...» تباً لهذه
النمطية والرتابة،
أريد أن أعيش
خارج هذا العالم.
أتذكر الحصيري
وهو دائماً
ما يستحضر
بيتاً من شعر
المتنبي أو
البحتري أو
الجواهري حين
كان يرتدي
الدشداشة (الجلابية)،
خصوصاً أيام
عاشوراء، ويلبس
سترة غامقة
فوق الدشداشة
السوداء، وكان
شعر شاربه
وذقنه قد اختط
لتوه فترك
وسامة على
وجهه الأبيض
المستدير ولاسيما
تحت الحنك.
كان الحصيري
باستمرار يحمل
بعض دواوين
الشعر وفي
مقدمتها ديوان
المتنبي الذي
كان يتأبطه
لدرجة لا يكاد
يفارقه، وذلك
بدلاً من كتب
الدرس التي
كان يضجر منها،
لكن كل تلك
المظاهر كانت
تؤشر إلى قلقه
وعدم اطمئنانه
وإلى اختزانه
حزناً عميقاً
وهمّاً لا
حدود له!!
لقد سئم الحصيري
العيش في ذلك
«الجو الكئيب»
على حد تعبيره
رغم الفكر
المنفتح، لكنه
في مجتمع منغلق
على حسب ما
كان الشاعر
مصطفى جمال
الدين يقول،
فودّع زملاءه
منتقلاً إلى
بغداد «الجنة
التي كان يحلم
بها»، وفي بغداد
ظل الحصيري
حيث كنت ألتقيه
طوال الستينيات،
يتنقل من مقهى
إلى آخر، فيبدأ
نهاره في مقهى
«البرلمان»
أو مقهى «البلدية»
لينتقل إلى
مقهى «عارف
آغا» وأحياناً
إلى «شط العرب»
ومن حانة إلى
أخرى يتذوق
خمور حانات
«آسيا» و»كاردينيا»
و«الجندول»
و«سرجون» وغيرها،
فقد كان «زبوناً»
دائماً هناك!
كانت قصائد
الحصيري تحذو
حذو شيوخ الشعر
في مدينته
خصوصا الجواهري
«رمزه الكبير»
وقد التهم
نهر دجلة الكثير
من قصائده،
حينما يكون
ثملاً يترنح
في الكثير
من الأحيان،
وضاع قسم منها
وهو في تنقل
دائم بين غرف
الحيدرخانة
وأزقتها الضيقة،
حيث وافته
المنية في
أواسط عام
1978، هناك وحيداً
ومكسوراً ومنكفئاً
على ذاته حدَّ
الاختناق.
الجواهري الكبير
في إحدى تجلياته
وأنا أتسامر
معه، أبدى
حسرة لفقدانه،
فقد كان يتوسم
فيه شاعراً
متميزاً منذ
أواخر الخمسينيات
أو ربما منذ
أوائل الستينيات،
وعند عودة
الجواهري من
منفاه الأول
في أواخر الستينيات
روى لي كيف
اقتحم الحصيري
خلوته ذات
يوم، لكنه
عامله برقة،
وظل على هذه
الشاكلة رغم
انفلاتاته
غير المحسوبة.
كتب الشاعر
الحصيري الكثير،
لكن الذي دُوِّن
أو حُفظ من
شعره كان قليلاً،
وكان صديقه
عزيز السيد
جاسم المفكر
والكاتب المتميز
المختفي قسرياً
منذ العام
1991 قد نشر له وعنه
وأعدّ فيه
كتباً ودراسات.
كما نشرت «مجلة
الأقلام» البغدادية
ملفاً موسعاً
عنه في التسعينيات،
كنت ألتقي
مع الحصيري
في الستينيات
في المقاهي
والحانات،
وأتذكر أنه
أهداني عدداً
من دواوينه
إضافة إلى
بعض قصائده.
ومن أصدقائه
في تلك الفترة
الشاعر شاكر
السماوي، والصيدلي
عزيز حسون
عذاب وعزيز
السيد جاسم
ووليد جمعة
وعبد الرحمن
طهمازي وسواهم.
وقد استذكرت
قبل أسابيع
ذكراه مع الشاعر
شاكر السماوي
الذي يعدّ
أحد رموز القصيدة
الشعبية في
الشعر الحديث،
عند لقائنا
في لندن.
عند عودتي
الأولى إلى
بغداد من الدراسة
في الخارج،
التقيت الحصيري
مرات عدة،
وكنت قد أدركت
أي عذاب تركته
السنين عليه
فضلاً عن الحرمان
المزمن والوحدة
الدائمة، ورغم
أن الكثيرين
يقصدونه ويحيطونه
بالسؤال حيث
كان يلتقي
العشرات يومياً
من الأدباء
والمثقفين،
فإنه كان يعاني
غربة شديدة
من المحيط
والمجتمع والأصدقاء،
بل مع نفسه
أيضاً.
ولم يكن لهذا
الانسان المسالم،
المتسامح،
ذي القلب الرقيق
سوى الشعر،
عالمه الوحيد
ودنياه الصاخبة،
لا يعرف سوى
معلومات شحيحة
عن عالم المرأة
أو المال أو
السفر (باستثناء
سفرة فاشلة
إلى الكويت)
كما لم يعرف
الاستقرار
ولم يكن يذهب
إلى الحمام
ليغتسل إلاّ
في المناسبات
التي قد لا
تزيد عن مرتين
في العام،
ولا يعرف كيف
يتصرف إزاء
الكثير من
الأشياء، بدون
الخمرة التي
كانت سميره
الوحيد في
عالمه الموحش
والبارد وتشرده
وحزنه المرير.
ومن المفارقات
أنني التقيت
الحصيري مرة
وإذ به يرتدي
بدلة وربطة
عنق وعلى غير
العادة بدا
حليقاً ونظيفاً...
فحيّاني مبتسماً
مستبقاً سؤالي
عن «السر» في
هذا التبدل
المفاجئ، بالقول
إن الحكاية
باختصار أن
السيد وزير
الإعلام «صلاح
عمر العلي»
استدعاني وأحرجني
بتعييني بوظيفة
استشارية في
الوزارة براتب
قدره ثمانون
ديناراً (كي
لا تذهبوا
بالتفسيرات!!)،
وكان أول راتب
استلمه الحصيري،
فجاء بهندامه
الجديد إلى
حانة الجندول
على ما أتذكر
وأغلق الباب
وأمر النادل
اعتبار جميع
من في الحانة
ضيوفه، لكنه
جاء بحال وخرج
بحال أخرى،
وبعد أسابيع
صادفته وقد
عاد إلى هيئته
القديمة، فبادرني
بالقول «عادت
حليمة إلى
عادتها القديمة».
يقول الحصيري
في إحدى تجلياته
برمزية صوفية
مثيرة:
«أنا الشريدُ!!
فما للناسِ
تذعرُ مـني
وكنتُ أفزعُ
للحانات تشربني
قد بتُّ أمضغ
أعراقي وأوردتي
والحانةُ الكونُ
والجُلاسُ
من خلقوا
وجهي وتهربُ
من أقداميَ
الطرقُ
واليوم لو
لمحتْ عينيَّ
تختنق
وأرتوي من
جراحاتي وأنسحق»
كان الحصيري
يخاصم الجميع
أو يختصم معهم
على طريقته
التي باتت
معروفة من
أصدقائه ومجايليه،
لكنه يعتبرهم
جميعاً أسرته
حيث لم يكن
هناك عدو له،
وفي حين أراد
كثيرون احتسابه
عليهم، أو
ضمه إلى فريقهم
أو شلتهم،
أو استخدام
أشعاره وتوظيفها
لصالحهم، لكنه
ظل على طريقة
الشاعر سعدي
يوسف « أسير
مع الجميع،
وخطوتي وحدي»،
لقد كان الحصيري،
مع الشعر ومعه
وحده لا يقبل
شريكاً أو
منافساً له،
وظل مخلصاً
له حتى النهاية!
د. عبد
الحسين شعبان
-
http://www.arabrenewal.org
حكاية
رجل ضيّعه
الزمن
عند
ظهيرة أحد
الأيام، رفض
موظف استعلامات
المؤسسة العامة
للإذاعة والتلفزيون
(قيس الكرخي)
دخوله إلي
دار الإذاعة
برغم ورود
اسمه في قائمة
المسموح لهم
بالدخول، لتسجيل
حوار ثقافي
لأحد برامج
إذاعة بغداد!
حجة الكرخي..
تبدو مقبولة،
فالرجل الواقف
أمامه، أشعث
الشعر، ويحمل
حقيبة ممزقة،
رائحة الخمرة
سبقت تحيته،
رث الثياب،
منتعلاً حذاءً
بلا لون!!
خرج " عبد الأمير
الحصيري " مزمجراً،
لاعناً، شاتماً
الذي دعاه
للمجيء للإذاعة،
ولولا تصادف
وجود (...) لكان
الأمر أصبح
أشد وطأة،
فأخذ يلاطف
الحصيري، ساحباً
إياه بموده
إلي خارج غرفة
الاستعلامات،
هامساً بأذنه
بطريقة تمثيلية،
معتذراً بوجود
طارئ أمني،
لا يسمح لأحد
بالدخول والخروج
من مبني الإذاعة...
ويبدو أن الحصيري
انطلت عليه
هذه الحيلة،
فحفظ (...) ماء وجه
الحصيري، إذ
ربما تسبب
دخوله إلي
دار الإذاعة
في مشاكل،
خصوصاً مع
من لا يعرف
شخصية الحصيري،
وشاعريته الكبيرة..
وتمر أربعة
أو خمسة أيام
علي هذه الحكاية...
وبينما أنهي
عملي في إعداد
نشرة أخبار
الضحي للإذاعة
وتسليمها للأخ
المذيع خالد
العيداني،
أطال الله
في عمره، حيث
كانت فترة
تواجده، استعداداً
لخروجي المعتاد
من مبني الإذاعة،
لاح إليّ من
بعيد، رجل
ليس بهيبة
وأناقة، رجل
عادي، بذلة
بيضاء، حذاء
أبيض ومعه
يسير باحترام
موظف الاستعلامات،
آنف الذكر،
وكلما تقدمت
يقترب أكثر،
تصفيف خصلات
شعره مثل الذي
خرج للتو من
صالون حلاقة،
ربطة عنق فاخرة،
حقيبة جلدية
راقية...
إنه رجل دبلوماسي،
غربي، جاء
لتسجيل كلمة
لمناسبة العيد
الوطني لبلده..
هكذا ظننت...
ويقترب أكثر
داخل الرواق
الطويل وبينما
قدماي تحث
الخطي إلي
الخروج... نلتقي
قرب النافذة
الزجاجية الكبيرة
للمكتب الخاص
للمدير العام
للمؤسسة...
وأقف مبهوتاً...
ويقف ضاحكاً...
هو (عبد الأمير
الحصيري) بلحمه
وشحمه .. ماذا
حدث يا إلهي،
قبلته وإذا
برائحة (كريستيان
ديور) تفوح
من خده الطفولي
الغض المائل
للحمرة، وجه
يذكر أبناء
جيلي بوسامة
الفنان رشدي
أباظة ... قطع
دهشتي توجه
السيد محمد
سعيد الصحاف
مدير عام المؤسسة
إلي حيث نقف
ليستقبله.
دقائق قليلة
وشاع الخبر
: تم تعيين الشاعر
عبد الأمير
الحصيري مشرفاً
لغوياً في
المؤسسة بمرسوم
رئاسي (شفاهة)
.. وهذه الأناقة
قام بها خبراء
من الجهات
العليا ليكون
الحصيري شكلاً
وهنداماً بمستوي
الحصيري الشاعر!
وبعد فترة
وجيزة، لم
يرتح الحصيري
للحياة الجديدة
فعاد إلي فوضويته
وعبثيته، كان
ذلك في سبعينات
القرن الماضي.
في رؤيته للحياة،
كان الحصيري،
يعتقد جازماً،
بعدم وجود
اتجاه ذاتي
علي الإطلاق،
لأن الإنسان
كما كان يردد
دائماً هو
نتاج مجتمعه،
تؤثر فيه العوامل
المادية والروحية
في مجتمعه
وهو يؤثر فيها
.. وعلي أساس
تلك الرؤية،
مارس حياته
البوهيمية
علي اعتبار
أن الجزء،
هو جزء من كل..
فكان يعمد
للتعبير عن
الكل من خلال
الجزء.. الذي
يمثله هو بالتأكيد!!
زرته مرة،
ظهراً في غرفته
البائسة، فوجدته
يئن دون انقطاع
ويتأوه ولا
يكاد يتعرف
علي من يراه،
وظهر أمامي
بقوي نفسية
خائرة، منهارة،
حتي شعرت أنه
لم يعد يطيق
الحياة.. وبعد
غروب شمس اليوم
ذاته، وجدته
متأبطاً حقيبته
الأثيرة، حاوية
أسراره، يسير
مثل ديك، داخلاً
حانة (البحرين)
في شارع أبي
نواس!
مات الحصيري،
فمن كان سبب
وفاته، المجتمع،
أم الناس،
أم نفسه؟ ومعذرة
من ملك الموت
عزرائيل.. زائر
الجميع بلا
موعد.. ودون
استئذان!
أمس، صدمت
بصعقة، عندما
أدركت أن الحصيري
مضي عليه 22 عاماً
في وحشة القبر،
دون أن يتذكره
أحد حتي الذين
امتلأت صحف
ومجلات بقصائد
من نظمه نشرت
بأسمائهم...
باعها الحصيري
لهم بقنينة
خمر... أو سرقوها
منه وهو في
حالة انتشاء
موهوم، في
غرفة دون أجر
هيأها له صديقه
الشاعر المرحوم
كامل خميس
في فندق متواضع
يمتلكه في
وسط شارع الرشيد!
أبناء...
آخر (وكت)!
ثلاثة كتب
أهداني إياها
دفعة واحدة،
مقرونة بكلمات
إهداء جميلة،
والكتب الثلاثة
طبعها علي
حسابه الخاص،
إثنان منها
مترجمة عن
الإنكليزية
والثالث رسالة
دكتوراه ما
كانت لتري
النور لولاه!
الهادي، هو
نجم لسياسي
وأديب عراقي
بارز والكتب
المذكورة تتحدث
عن والده وحياته
الأسرية وعلاقاته
الاجتماعية.
وبرغم انشغالاته
بأمور الحياة
وتشعباتها،
لكن السيد
(.....) لم يركن،
بل سعي إلي
فتح نافذة
ليطل منها
والده أمام
جيل جديد لم
يعش فترة الأربعينات
والخمسينات
والستينات
من القرن الماضي
وهو لن يكتف
بذلك، بل فتح
مكتبته ومكتبة
والده أمام
دارسي تاريخ
الحياة السياسية
في الفترة
السابقة... فكانت
مصدراً مهماً
لعشرات من
رسائل الماجستير
والدكتوراه....
وفي مقابل
هذا الوفاء
من ابن لوالده،
وجدت نقيضاً
له عن أبناء
بعض الذين
أثروا في الحياة
السياسية والثقافية
في العراق
إبان الحكم
الملكي... فوجدتهم
يعرضون مكتبات
آبائهم أو
أجدادهم للبيع
بأسعار بخسة
فيما هم بأحسن
حال مادياً...
أي أنهم ليسوا
محتاجين مالياً...
وكم آلمني
أن بعضاً من
الذين التقيتهم
صدفة في سوق
شارع المتنبي
ببغداد وهم
يعرضون (بضاعتهم)
التي لم يبذلوا
جهداً في تكوينها،
يفسرون فعلتهم
الغريبة، بأن
هذه المكتبات
وأعداد الكتب
التي تحتويها
أصبحت عبئاً
عليهم لأنها
لا تتناسب
وديكورات البيوت
الجديدة التي
شيدوها!
أما كان الأجدر
بهؤلاء الذين
(يبيعون) تراث
آبائهم المبادرة
إلي إهداء
مثل هذه المكتبات
إلي دار الكتب
والوثائق والحصول
علي شهادات
تؤكد عائدية
هذه المكتبات
بدلاً من تهشيم
(أوصال) هذه
الكتب النفسية
علي أرصفة
شارع المتنبي!
هؤلاء الأبناء،
مثل الصحراء،
توحي بالوحدة،
كونها متجانسة
إلي حد كبير
وهي توحي أيضاً
بالامتناهي،
لأن المسافر
فيها لا يري
إلا أفقاً
بعيداً، يتراجع
إلي الوراء
كلما انتقل
إلي الأمام
.. شيء لا ينتهي!
وقد صح فيهم
القول إن من
يرصد الريح
لا يزرع، ومن
يراقب السحب
لا يحصد!
فهل الخلل
في الآباء
أم الأبناء؟
أعتقد أن الخلل
الرئيس في
الآباء، لأنهم،
كما يبدو،
ملأوا أذهان
أبنائهم بالكبرياء،
والتعالي،
بدلاً من أن
يعملوا علي
تنشيط وظيفة
التفكير والإنسانية
والمحبة عندهم،
فنسوا إنسانيتهم
وبالتالي نسوا
آباءهم وعوائلهم
ومجتمعهم وتشبثوا
بالظواهر والقشور
دون أي شعور
منهم، بأن
السنين المقبلات
تحمل لهم مفاجآت
من أبناءهم
الذين سيعيدون
لهم، الممارسات
التي مورست
تجاه الراحلين
من الأجداد!
لقد نسي أبناء
هؤلاء العلماء
(بعضهم طبعاً)
أن تراث آبائهم
هو روحهم ومقوماتهم
وتاريخهم وهم
إن تخلوا عن
هذا التراث
عن طريق بذره
مثل الرماد
علي الأرصفة
فمثلهم مثل
الذي يميت
روحه ويهدم
معنوياته،
فيعيش بلا
تاريخ!
رفقاً أيها
الأبناء بتراث
الآباء، فحرام
هدم هذا التراث
من أجل حاجات
زائلة في متع
الحياة.
وقليل من الوفاء
للذين تركوا
لديكم وديعة..
هي كتاب ومكتبة
وشهرة!!!
زيد الحلي
-
http://www.alefyaa.com
نموذج:
الشاعر
الشريد
أجائعٌ؟
أيَّ شيءٍ
ثمَّ يا قلق؟
أَمِنْ حطاميَ
هذا يمطر العبق؟
إذا تصبيّتُ
روحي دونما
تعبٍ
يطغى تلظي
هواكِ القائمُ
الخَفِقُ؟
إنْ كنتَ تحلم
في قلبي، فإن
دمي
من جوعه باتَ
فيه الجوعُ
يحترقُ!
ألمْ يشرّدْك
تشريدٌ يُمزقني
عينايَ أظفاره
العمياء تأتلقُ
قلبي الجحيم...
أثيمات الشرور
به
معذباتٌ!! فما
أذنبت يا قلق؟!
أخشى عليكَ
دمي الواري،
وإن يكُ في
إحراقه حلمك
الرّيان ينسحق
ما زلتَ طفلاً
غريراً، كيف
تَقربني
أنا التشرد
والحرمان والأرقُ؟!
أنا الشريد!!
لماذا الناسُ
تذعر من
وجهي؟ وتهربُ
من قداميَ
الطرق؟!
وكنتُ أفزع
للحانات، تشربني
واليوم!! لو
لمحت عيني،
تختنق!
قَدْ بِتُّ
أمضغ أعراقي
وأوردتي
وأرتوي من
جراحاتي.... وأنسحق
شَنقتُ قلبي
على أ حلامه..
فإذا
بها، وضحكتها
الخضراء تنشنقُ
وجِبتُ حتى
زوايا الغيب،
ليسَ صدىً
فيها، يُروّي
صدى نفسي،
ولا ألق
زرعت حتى اصطخاب
الموج في شفتي
ضحكاً، ولم
يبتسم خفَّاقيَ
الأَرِقُ
العريُ... أذهله
شأني، فَجُنَّ
على
شفاهه ألف
سؤل، كيف ينطلقُ
أنا الإلهُ
وندماني ملائكة
والحانةُ...
الكون والجلاّسُ
مَنْ خُلِقوا
عريان، يكسو
الدِنا بالنجمِ
ألبسةً
عطشان، في
راحتيه الكوثر
العَبِق
فهل كسوت جفونَ
الناسِ ألف
دجى؟
أم هل تبسَّمَ
في أحداقهِ
الغسقُ؟
الدار تسكن
أحلامي! وما
اكتحلتْ
بالشمسِ .... والشمسُ
من كفَّي تنبثق
(1) عبد
الأمير الحصري
بغداد - 1960.
من ديوان: أناشيد
الشريد.
****************
شاعر
وقصيدة
(عبد
الأمير الحصيري...
الشاعر الشريد)
«هناك
على الأرصفة
الشاحبة، لكن
الطويلة، الرفيعة،
الممتدة إلى
قلب الزمن،
الآتية من
شظايا الصحارى
الأزلية التي
كنا إياها؛
كان يتمدد
مستريحاً،
جسدٌ أذبلته
الوعكة، وأسلمته
إلى رقاد الأطفال
الذين لم يكن
(كيوبيد) غير
واحد منهم،
جسد عرف حكمة
الأرض والقدر.
لقد كان يغفو
كثيراً بعد
أن يصعق نفسه
برجّة الخمرة
الطاغية، مهيئاً
نفسه للفصل
الأخير: .... الموت
وحيداً نافضاً
عن روحه مسؤولية
الوزر الكبير
الذي تحمّله
الآخرون الذين
أرسلوا إليه
الإزدراء،
وِزر التفاهة....»(1).
*من هو عبد الأمير
الحصري؟!...
تكاد قلة نادرة
من مثقفي العرب
تعرف عبد الأمير
الحصيري الشاعر
النجفي المبدع،
والذي شغل
أوساط المثقفين
العراقيين
في أواسط الخمسينيات
لقوة شعره،
وبراءة شاعريته،
ونقاء صورته
الشعرية، وصفاء
لفظته.
التقاه الشاعر
الكبير محمد
مهدي الجواهري
في مدينته
ذات المكانة
المقدسة عند
العراقيين،
واستمع إلى
شعره، فأذهله،
حينذاك أراد
ألا يكون بعيداً
عن أضواء الثقافة
في العاصمة
بغداد، حيث
أقنعه بالارتحال
إليها، عندها
جمع الفتى
المعمم بعض
حاجياته، وجاء
بغداد على
رأسه (عمامة)
طلبة الحوزات،
وهو يرفل برداء
المتدربين
على أيدي رجال
الدين... اغتصبته
بغداد، فضاع
في حمأة ملذّاتها
ولذاذاتها،
وأسند حوافي
عقله وروحه
على جدران
كأس ظلت رفيقته
حتى آخر نأمة
من حياته،
وكانت تمده
بالحزن تارة،
ويقظة الذكرى
تارة أخرى..
حيث وجدت كأسه
وزجاجة فارغة
تتمددان إلى
جانب جسده
الهامد.
هي... هي، فطرية
الشعر، وحكمته
الخالدة، وسورته
الفذة، إنه
رقّاص الساعة،
والنفس هي
الساعة، والشاعر
ـ على حد تعبير
عزيز السيد
جاسم ـ لا يطأطئ
هامته تحت
سقوف الدهاليز،
والأماكن الضيقة،
وإن كانت ترفل
بكل الأنوار
التي تضخها
المصابيح المصنوعة...
هو شاعر حقيقي،
يحمل مشكاته
التي يفجّر
بها نور النهار،
الأسود من
الظلمة، فما
قيمة بهرج
ظاهر لنهارات
زائفة بإزاء
الحقيقة التي
ظل الشاعر
يبحث عنها
(ومات دونها)،
ويطارد غيلان
الأرض، وحجب
الفضاء، وسُدُفها،
مخترقاً اللجج،
متجهاً إلى
هناك حيث ترقد
الأرواح المستنيرة
التي تبهت
دونها الشمس...»(2).
رأيته أول
مرة عام 1973 حيث
كنت أسمرُ
مع ثلة من الأصدقاء،
مأخوذين بجمال
نهر دجلة،
حيث نجلس على
شاطئه في أفياء
تمثال أبي
نواس وهو يشرع
كأسه البرونزية
التي تشغب
منه قطرات
الخمر التي
طفحت منه عندما
ملأها سُمّار
الليل إنعاشاً
لروحه الظمأى
في زمن القحط
هذا.
أقبل نحو طاولتنا
رجل ربع القامة،
كث اللحية،
ممتلئ الجسم
الذي تستره
أطمار بالية
وسخها أثقل
منها، وقد
سبقته رائحة
نتنة زكمت
أنوفنا وأبعدت
لذاذ رائحة
السمك «المسكوف»
ونحن ننتظر
نضجه لنعيش
معه ليلة بغدادية
حقيقية.
دون إذن ولا
تحية تخطّف
كؤوسنا الواحدة
تلو الأخرى،
ويكرع كل كأس
على حده دفعة
واحدة، ثم
أخرج من عبّه
كيساً من النايلون
وخمط بعض الطعام
وأودعه إياه،
ثم ابتسم وقال:
أنا أعرفكم...
أصدقاء حزن
وغربة، ثم
مضى وهو يحمل
حقيبة لا تقل
قذارة وامتلاء
من هيئته،
وجسده.... تحرش
به الجميع،
وحاول النادل
دفعه خارج
(المتنزه) فانقاد
له وخرج مهرولاً.
«اطروده.... تلك
هي الصيحة
التي أطلقها
المتعسفون،
وهم يوجهون
رصاصة الاضطهاد
القاتل إليه،
فما كان من
الشاعر عبد
الأمير الحصري
إلا أن يتقبلها
باحتجاج ساخر،
وبازدراء لا
مثيل له، فما
كانت له حاجة
بالترضيات،
والتسويات،
والملاءمة
الزائفة، التي
وإن قبل بها
كلعبة؛ إلا
أنه كان يضحك
من غباء أصحابها»(3).
الحصيري؛ شاعر
جوّاب (تروبادور)،
ربابته زجاجة
خمر نصفها
فارغ دائماً،
وعدته كلماته،
مقدرته الشعرية،
وحياته كلها
اللحظة التي
يعيشها فقط،
لم يدرسه أحد
سوى المرحوم
عزيز السيد
جاسم الذي
كاد يحدبُ
عليه كثيراً،
ويساعده على
كفاف يومه،
وقد حاول ا
لمرحوم الشاعر
شفيق الكمالي
تعيينه موظفاً
في و زارة الثقافة،
لكن الحصيري
لم يحتمل مكتباً
ووظيفة فأهانهما
وعاد إلى مكتبه
الرحيب الشارع
الذي احتواه،
فأخلص الشاعر
له، فكان موطنه
ومدفنه، إذ
وجد ميتاً
وفراشه كومة
من القمامة
ورفيقا موته
كأس فارغة
وزجاجة مشروخة،
ومرافقاً موته
كأس فارغة،
وزجاجة مشروخة،
أو دعوه كيساً
من الخيش،
وحُمل على
ظهر شاحنة
صغيرة، وأعيد
إلى مقبرة
النجف الأشرف..
وهكذا انتهت
غربته، بل
غرباته، الروحية
والنفسية والجسدية.
وإذا كان لي
أن أنهي هذه
الإلمامة،
فلابد من القول
بملاحظات ثلاث:
أولاها: لم
يُدرس الحصيري
جيداً، ولا
احتفى النقد
بشعره، فظل
مجهولاً خارج
العراق، لأنه
لم ينتم لحزب،
ولا لجماعة،
ولا لحاشية
ولا لشلّة،
فعافه النقد،
حيث جافاه
هو، وأدار
له ظهره.
ثانيتهما:
لقد صنع الحصيري
كثيراً من
الشعر بوحي
من بعض المثقفين
البعثيين،
فمجّد السياسة،
وبعض السياسيين،
وجاء ذلك بدافع
الحاجة، ومقابل
دريهمات زهيدة،
فكان هذا الشعر
مجرد نظم،
وشعارات، وهذر،
وصراخ ظل على
السطح.
ثالثتهما:
كان الحصيري
يبدع تماماً،
ويحلق إلى
العلا عندما
يصور الحياة
الاجتماعية
أو يصوغ أوجاعه،
ماتحاً من
داخله، أو
عندما يمجّد
بغداد، أو
عندما يحنّ
إلى النجف...
ولا بد لي من
الاعتراف أن
القصيدة المرافقة
هذه، تعتبر
من عيون شعر
عبد الأمير
الحصيري، علماً
أن الكثير
من شعره قد
ضاع، وبعض
قصائده لم
تكن مكتملة.
الأعمال
الشعرية لعبد
الأمير الحصيري:
ـ معلقة بغداد
ـ مطبعة الأمة
ـ بغداد ـ 1962.
ـ بيارق الاثنين
ـ بغداد، بلا
تاريخ، ولا
ذكر للمطبعة،
أو الجهة الناشرة.
ـ سبات النار
ـ بغداد، بلا
ذكر للجهة
الناشرة، 1969.
ـ أنا الشريد
ـ مطبعة دار
الجاحظ، بغداد
ـ 1970.
ـ أشرعة الجحيم
ـ بلا، النجف،
1974.
ـ مذكرات عروة
بن الورد،
وزارة الثقافة
والإعلام،
بغداد، 1973.
ـ تموز تبتكر
الشمس، وزارة
الثقافة والإعلام،
بغداد، 1976.
الهوامش:
(1) عزيز
السيد جاسم،
مقدمة ديوان
عبد الأمير
الحصيري (شمس
وربيع) ط1، طباعة
وتوزيع دار
الشؤون الثقافية
العامة، آفاق
عربية، بغداد،
1986، ص 10.
(2) نفسه، ص 11.
(3) نفسه، ص 12.
إعداد:
د. وليد مشوِّح