غونثالو
روخاس
Gonzalo Rojas
(1917-....)
المهر
الأحمر
"
إنه لشاعر عظيم تمكن من ابتكار عالم خاص يمكن تصنيفه بأنه نموذج
تقليدي للحداثة، حيث تشكّل العبارة الشعرية الوسيلة الوحيدة
القادرة على إعطاء الردّ المناسب لإشكالية المعرفة والإنسان".
بهذه
الكلمات قدّم مدير أكاديمية اللغة الإسبانية فيكتور غارثيّا
لاكونشا الشاعر التشيلي غونثالو روخاس لدى منحه جائزة سيرفانتيس
للأدب الإسباني التي تعادل جائزة نوبل بالنسبة للأدباء الناطقين
باللغة الإسبانية.
لقد
منحت تلك الجائزة لغاية تاريخه لخمسة عشر أديباً من إسبانيا،
و14 من دول أمريكا اللاتينية، ومن بينهم الأديب الراحل خورخي
لويس بورخيس (1979) والأديب الأرجنتيني المعروف إرنستو ساباتو
(1990). وعلى هامش القيمة المعنوية الكبيرة فإن القيمة المادية
للجائزة تبلغ 110 آلاف دولار أمريكي ، ويقدّمها الملك الإسباني
نفسه، وقد تنافس على تلك الجائزة إلى جانب الشاعر غونثالو روخاس
كل من الشاعر الأوروغوي المعروف ماريو بينيدتي، والأديب الإسباني
خوان مارسيه، والأديبة الإسبانية آنا ماريا ماتوتي، والشاعر
التشيلي الآخر نيكانور بارّا ، والأديب البيرواني ألفريدو برايس.
والمعروف
أن أعمال روخاس محدودة الكم إذ تقتصر على عشرين ديوان شعر، ومع
ذلك فقد كانت دوماً موضع إشادة من قبل مختلف النقاد نتيجة مستواها
المرموق وحيويتها، والطابع المتميز لها من حيث النزاع الأبدي
بين الحياة والموت، وقد نال غونثالو روخاس في السابق العديد
من الجوائز الأدبية لقاء أعماله الأدبية، حيث تلقى في عام 1992
الجائزة الوطنية للأدب التشيلي، ثم جائزة الملكة صوفيا للشعر
الأمريكي اللاتيني، وجائزة أوكتافير باث في المكسيك. وجائزة
خوسيه إرناندس في الأرجنتين.
وبالرغم
من الجوائز التقديرية المتعددة فإن روخاس يبدو باستمرار زهده
بها، فلدى منحه جائزة سرفانتيس الأخيرة كان متواجداً في العاصمة
التشيلية سانتياغو، وقد أبدى كعادته سروره وغبطته ولكنه قال:
" الحياة عامرة ورحبة بلا حدود، والجوائز لا تُستحق، فهذه الجائزة
مثلاً كانت لشخص غيري!!".
حياته:
ولد
غونثالو روخاس عام 1917 في مدينة بويرتو ليبو عاصمة محافظة أراوكو
التي اشتقت اسمها من اسم نهر ليبو الذي يقول فيه: " أرى نهراً
متدفقاً يلمع كالسكين، ويقطع ليبو شطرين من عطر..".
في
تلك المدينة (ليبو) قضى غونثالو روخاس أيام طفولته وبنى ميثولوجيته
الذاتية. وثمة ثلاثة فصول أو مشاهد على الأقل تميّز ذلك الماضي،
أولها مشهد الأب العامل في المنجم الذي توفي قبل أن يتجاوز الأربعين
عاماً ولم يكن عمر الشاعر آنذاك يتجاوز الخمس. وقد ترك الوالد
هدية تذكارية لكل واحد من أبنائه الثمانية، وكان من نصيب غونثالو
روخاس مهراً أحمراً كان يرعى في الإسطبل مقابل نهر ليبو. وكان
الشاعر يتأمّله بإمعان يوماً إثر يوم كما ولو أنه يستحضر على
مطيته صورة وذكرى والده. وجاء يوم سرقوا فيه ذلك الحصان !!.
ويقول روخاس: "بانتزاعهم إياه مني شعرت بأنهم اقتطعوا والدي
بالفعل من جسدي، وبسرقة ذلك المهر سرقوا مني الطفولة، سرقوا
العالم، سرقوا الوجود..".
في
قصيدته المشهورة " الفحم " يحاول غونثالو روخاس استحضار ذكرى
والده حيث يظهر الوالد كالشبح على بوابة الدار تحت وابل المطر
برائحة الحصان المبلل.
أما
الفصل الثاني من حياة الشاعر فيظهر على إثر تلك الليلة الملبدة
بالغيوم والمشحونة بالعواصف الهوجاء، وذلك عندما كان عمره يتراوح
بين خمس وست سنوات، فقد شقّ شعاع من البرق حجب الظلام الدامس
المخيّم على مدينة ليبو، عندها صرخ أحد أشقائه الصغار قائلاً:
" إنه البرق!!" ، ويقول الشاعر روخاس: " كان ذلك أشبه بنزول
وحي ملتهب كامن في الكلمة، فالإحساس بشعاع البرق في الكلمة التي
سمعتها وأدركت معناها كان أعظم من الإحساس بشعاع البرق الفعلي".
أما
الفصل الثالث المؤثر في حياة الشاعر فيتجسد في شارع أورومبيجو
في حي كونسبسيون حيث انتقل إليه عام 1926 برفقة أسرته التي كانت
آنذاك على عاتق والدته ، وقد اضطر غونثالو روخاس للعيش في مدرسة
داخلية، وكان يدرس بفضل منحة تمكن من الحصول عليها. وقد كان
الجو في تلك المدرسة عدائياً، وكان هو مهيض الجناح، يتيم الأب،
وبعيداً عن مسقط رأسه ليبو، بل وما لبثت أمه أن ابتعدت عنه أيضاً.
ومن هنا ينبثق شعوره المبدئي بالرثاء ، وتنبثق شخصية " اللا
مولود " أو "المولود المرتجع" ويتحدث بعد بضع سنوات عن ذلك الوضع
قائلاً: " أرجو أن لا يقال بأنني أحببت سحب كونسبسيون، أو أنني
شعرت خلال إقامتي في بلدة بيو بيو المتخمة بالسحالي السامة بأنني
مقيم في بيتي، فذاك لم يكن بيتي إطلاقاً، وقد عدة إلى صخور أوريمبيجو
القذرة كمعاقب بعد أن جبت العالم بأسره".
من
خلال الفصول أو المشاهد الثلاثة السابق فهم غونثالو روخاس معنى
الرثاء والتأرجح بين الموت والحياة، وبدت أشعاره كتكامل وكدوران
في حلقة مفرغة بين الفناء والخلود، حيث يكتب حول الموت ليقف
ضد الموت ، ويقول: " كل حقبة من الزمن أعود وأخرج من جذوري/
من طفولتي/ وأطير باتجاه أقصى النجوم، فأنا من الهواء، وأدخل
معه إلى كل جميل على وجه الأرض".
كان
غونثالو روخاس يتلعثم في كلامه، ومع ذلك فقد كانوا في المعهد
يفرضون عليه القراءة بصوت مرتفع، في الوقت الذي كان فيه زملاؤه
يتلقفون بعض روايات فيرني أو سالغاري. ولكثرة ما كابد من ذلك
الأمر تعلم استبدال الكلمات التي يتلعثم بها بكلمات لا تشمل
حرب الباء أو الكاف، ولكثر ما يظهر ذلك لغاية الآن في أعماله.
في
عام 1938 انتمى غونثالو روخاس إلى مجموعة ماندراغورا التي كانت
تضم أيضاً كل من تيوفيلو سيد، وبراوليو أريناس، وإنريكي غوميس
كوريا، وعن طريق تلك المجموعة اقترب من الحياة الأدبية ومن المدرسة
السريالية، ولكنه في الوقت نفسه أعجب وانبهر بديوان " إقامة
في الأرض" لبابلو نيرودا، وديوان " تالا " لغابرييلا مسترال.
وتعرّف شخصياً على بابلو روكها ، وفيسنت هويديبرو الذائع الصيت.
وفي
حقبة الأربعينات وقبل وفاة والدته بفترة قليلة كان روخاس يعيش
في شارع رينجينو في غرفة فيها طاولة خشبية يضرب فيها سكيناً
فولاذية، ويقول أنه لم يكن ليستطيع الكتابة إلا عندما يرمي تلك
السكين فتغرس في الطاولة وتهتز مصدرة رنينها الملهم". فالكلمة
تنزل عليه كالوحي أثناء طنينها في الهواء، وهو يؤكد دوماً "صلة
الكلمة بالإيقاع والرنين!!".
درس
روخاس الحقوق لبضع سنوات وبعدها غادر إلى العاصمة سانتياغو،
وهناك تعرّف على ماريا التي كانت تبلغ من العمر 18 عاماً، وبعد
زواجه منها أنجبت له ابنه البكر. وغادرا معاً أرض "اللا أعرف
ماذا!!" إلى جبال دوميكو وثلوج أتاكاما حيث زاول عدة مهن، كما
كان يعلّم عمال المناجم القراءة والكتابة. وقد ابتعد قليلاً
عن السريالية في تلك المرحلة فاتهمه أعضاء مجموعة ماندراغورا
لدى هويدوبرو بأنه " نصّاب الشعر.. فكان جواب هويدوبرو: " دعوه..
إن غونثاليس مجنوناً بحاجة إلى قمة !!".
بالرغم
من أن اقترانه بماريا لم يدم طويلاً فإنه أثر على أشعاره، فقد
جسّدت المحطة والراية الأنثوية الأولى، وكانت واحدة من الجميلات
اللواتي حفلت بهنّ أعماله الأيروتيكية " أناثى... أناثى.. في
التموج المتحشرج، حيث نلقي شباك الحواس الخمس، لنستخرج بالكاد
قبلة الزبد..".
بعد
مرور بضع سنوات تعرّف روخاس على هيلدا ماي رفيقة دربه الأخيرة
ووالده ابنه الثاني غونثالو. وقد توفيت هيلدا عام 1995 بعد صراع
مع مرض عضال، ويقول عنها في إحدى قصائده: " إنها تلك.. التي
تنام هنا / إنها المقدّسة.. التي تقبلني، وتسبرني ، إنها الشفافة/
العزيزة/ المولعة/ القيثارة / الفارعة..
إن
الأيروتيكية بالنسبة لروخاس ليست مجرد إحساس جسدي، بل نموذجاً
لعالم وكون يلتقي فيه المقدّس بالمغري، وتنصهر فيه التناقضات،
وقد كان ديوانه الأول " ابتذال المرء" بمثابة انفجار مدوّ في
عالم الشعر التشيلي حيث أصبح غونثالو روخاس إلى جانب نيكانور
بارّا (1914) حلقة الوصل مع أقطاب ومؤسسي المدرسة الشعرية التشيلية
مثل غابرييلا مسترال، وفيسنت هويدوبرو، وبابلو روكها، وبابلو
نيرودا، وإنريكي ليهن، وخورخي تايليير، وإدواردو أنغيتا، وأوسكار
هان، وغونثالو ميليان، وراؤول سورّيتا، وإلفيرا إرناندس، ودييغو
ماييرا.
وحول
تأثره بأولئك الشعراء والأدباء يقول غونثالو روخاس: "إن واحدنا
يتغذّى بهم ، ولكن يجب أن يفعل ذلك بحذر شديد كي لا يصاب بعسر
الهضم، فروحي تستحضر وتستلهم وتحاور أربعة قمم في الشعر وهم،
بابلو روكها، وبابلو نيرودا، وغابرييلا ميسترال، وفيسنت هويدوبرو،
ومع ذلك فإن الأخير هو الذي أعتبره الأكثر تحدّياً إذ لم أعرف
أحداً تمكن من زرع الحرية في رأسي مثله" ويضيف غونثالو روخاس
بأن " لنيرودا أيضاً تأثيره عليّ بالرغم من تلوناته وإيماءاته
الشعرية".
وبالطبع
فإن غونثالو روخاس لم يتأثر بالشعراء التشيليين والأمريكيين
اللاتينيين فقط وإنما تأثر أيضاً بشعراء عالميين مثل أندريه
بريتون، وسيسار فاجيخو، وآلان غينسبرغ، بل وبماوتسي تونغ الشاعر
أيضاً.
لقد
حفلت حياة غونثالو روخاس بالترحال، ومارس خلالها تعليم الأدب
في المعاهد والجامعات، وفي عام 1953 سافر إلى باريس وتعرّف على
بريتون، وبيريت. وسافر أيضاً إلى الصين عام 1959 وتحدّث مطوّلاً
مع ماو تسي تونغ حول الشعر، وفي عام 1965 سافر إلى كوبا واجتمع
مع ليزاما ليما، وفينا غارسيا مارّوس، وسنتيو فييتر، وألسيو
دييغو.
وقد
عانى غونثالو المنفى أيضاً ففي عام 1970 عينه الرئيس الراحل
سلفادور أليندي ملحقاً ثقافياً في الصين ثم قائماً بأعمال سفارة
تشيلي في كوبا. وكان يشغل المنصب الأخير عندما أقدم الدكتاتور
أوغوستو بينوشيت عام 1973 على الانقلاب العسكري الدموري ضد الرئيس
سلفادرو أليندي، وعلى إثر ذلك أمرت الحكومة الدكتاتورية بطرده
من كل الجامعات وسحبت منه جواز السفر الدبلوماسي. ويقول روخاس
في ذلك: " لقد تلقيت فجأة ضربتين قاصمتين، كانتا بمثابة
طلقتين
موجهتين من موقعين متضاربين ضد هدف واحد، فمن جهة أولى تلقيت
خبر حرماني من جامعة كانت بمثابة الحياة مني وذلك تحت طائلة
مزاعم عديدة، ومن جهة ثانية تلقيت ضربات بعض القطاعات الأدبية
التشيلية المغالية في المنفى التي اتهمتني بالعداء للشعب "
قضى
غونثالو روخاس السنوات الأولى لمنفاه في ألمانيا الشرقية ولكنه
لم يتأقلم مع نظام الحكم القائم فيها والذي كان يشكك بانتماء
غونثالو اليساري، وكان يقول: " لقد كانوا يعاملوني كهير بروفسور
ومع ذلك فلم أكن لأستطع إعطاء الدروس نظراً لأني اقترحت قراءة
خورخي بورخيس وأدباء آخرين لم يكونوا ليروقوا للسلطة.
بعد
مروره بألمانيا توجه غونثالو روخاس إلى فنزويلا حيث نشر عام
1972 واحداً من دواوين شعره الأساسية "المعتم" وذلك بعد 13 عاماً
من صدور ديوانه المعروف "ضد الموت" عام 1964.
وبالرغم
من آلام المنفى فإن غونثالو روخاس كان يعتقد بأن مشكلته أقل
من مشكلة غيره فقد كان دوماً يعتبر أنه من الجنسية الأمريكية
اللاتينية قبل أن يكون من الجنسية التشيلية فقط، كما وأن انتماءه
اليساري خفف عنه مشاكل التأقلم مع الإيديولوجيات اليسارية السائدة
في العديد من البلدان التي أقام فيها، ويقول في هذا الخصوص:
" بالنسبة لوضعي الخاص لم يكن المنفى مأسوياً بالدرجة التي عاناها
بقية التشيليين، فقد كان منفاي جميلاً، إذ كنت أتواجد كدبلوماسي
في كوبا، وذهبت إلى ألمانية الشرقية بعدها".
في
وقت لاحق ولدى بلوغه الستين عام تلقى منحة غوغنهام ودرّس في
الجامعات الأمريكية والأوروبية، وأخذت شهرته تجوب الآفاق، وتلقى
الكثير من الجوائز وأصدر دواوين عديدة مثل: " عن البرق " عام
1981، "المُنار " عام 1988، " القارئ العاطل عن العمل" 1990،
" ريّو توربيو " عام 1996، " حوار مع أوفيديو " عام 2000، هذا
فضلاً عن الكثير من الأبحاث والأعمال الأدبية.
وفي
عام 1979 عاد روخاس إلى تشيلي، حيث أن الكتابة في المنفى كانت
قد أضحت أمراً عسيراً ، ويقول في هذا الشأن " لقد كانت الكتابة
في المنفى عسيرة جداً، وأنا لم أشتق للجبل، ولا للبحر، ولا لشيء
من هذا القبيل، ولم يكن يؤرقني إلا عدم سماع كلام ولهجة مواطنيّ،
ولذلك فما أن عدت حتى انطلقت متجولاً في الأسواق لسماع حديثهم
العذب !!".
هذا
نذر من حياة هذا الشاعر التشيلي المعروف غونثالو روخاس الذي
يؤمن بأن الشعر أبقى في الكون من الهواء نفسه، وأنه ما من تقنية
متطورة تستطيع الحد من أفقه اللامتناهي ، فالشعر " لن يتراجع
أبداً أمام تيار التقنية، والكلمة سوف تدوم وتخلد للأبد كما
الصمت الذي لا كلمة بدونه..وستدوم الكلمة اللهم إلا إذا أمعنت
كوارث الاستنساخ في تحقيرها للكوكب.. والأدب التقني آيل إلى
الزوال مثلما زال غيره من الآفات والأوبئة!!
القارئ
العاطل عن العمل
الفقط..
جرح
ريح
الخليج العاصف التي تضرب الصخرة العالية / جرح
أفعى
تثقب المبادئ..
بحر..
وبحر من جانب لآخر..
كيركجارد..
وكيركجارد
مثقب..
وبالتالي جرح
والحبَل
كحبّلٍ في بهاء كأسه
جرح
*
* *
ضد
الموت
مع
كل يوم يمرّ
أنتزع
نظري.. وأنتزع عيناي /
لا
أريد ولا أستطيع رؤية الرجال يموتون جوعاً كل يوم /
أفضّل
أن أكون صخرة / أن أكون مظلماً / على أن أتحمل
قرف
تليين الأعماق والضحك ذات اليمين وذات الشمال لكي تروج تجارتي..
يحدثونني
عن الله وعن التاريخ
أهزأ
من الذهاب لغاية تلك الأقاصي
بحثاً
عن تفسير للجوع
الذي
ينهش أحشائي
جوع
العيش كالشمس
بحمد
الهواء.. إلى الأبد
*
* *
الفحم
أرى
نهراً متدفقاً يلمع كالسكين
يقطع
مدينة ليبو شطرين من عطر، أسمعه
أتنشقه،
أداعبه، أجوبه بقبلة طفل كالماضي
عندما
كان الهواء والمطر يهدهدان سريري..
أحسّ
به كشريان آخر بين صدغي ومخدتي
إنه
هو.. إنه المطر..
إنه
هو.. يأتي والدي مبللاً
إنه
عطر
حصان
مبلل..
إنه
خوان أنطونيو روخاس
على
صهوة جواد يعبر نهراً..
ما
من جديد..
الليلة
العاصفة تتداعى كمنجم غارق
ويهزها
شعاع برق
أمّاه
أنه موشك على الوصول فلنفتح البوابة
ناوليني
هذا المصباح.. أريد استقباله أنا
قبل
أخوتي.. دعيني أحمل له كوب نبيذ
لكي
ينتعش ويعانقني بقبلة
ويغرس
فيّ وجنتي مسامير لحيته
هاهو
ذا الرجل آتياً..هاهو آتٍ
ملوث
بالوحل / شائط غضباَ من سوء الطالع
ساخط
على الاستغلال، متضوّر جوعاً..
هاهو
آت بلفحته المصنوعة في كاستيجا
يا
عامل المنجم الخالد.. هذا بيت السنديان
بيتك
الذي بنيته بنفسك
تفضّل..
لقد أتيت لأنتظرك على البوابة
أنا
السابع من أبنائك.. لا يهم أن يكون قد مرّ الكثير من النجوم
في
السماء على مدى هذه الأعوام
وأن
نكون قد دفنّا زوجتك في شهر آبٍ رهيب
فأنت
وهي ستتكاثران.. ولا هم إن خيمت على كلانا ليلة سوداء
ادخل..
لا تبق حيث أنت.. تنظر إليّ
دون
أن تراني تحت وابل المطر..
*
* *
العتمة
الرائعة
في
المساء.. لمستك.. أحسست بك
دون
أن تسمع يدي ما هو أبعد من يدي
دون
أن يسمع جسدي ولا سمعي
بشعور
يكاد يكون بشرياً
أحسست
بك..
تنبضين
كنبض دم أو كنبض سحابة
شريدة
مطرزة
في داري
أيتها
العتمة التي ترتفع.. وتنخفض.. هرولتِ في بيتي
متلألئة
هرولتِ
في بيتي الخشبي
شرّعتِ
نوافذه
شعرت
بك تنبضين الليلة بكاملها
يا
ابنة الهاوية، الصامتة، المحاربة
يا
غاية الرهبة والروعة
كل
ما هو موجود.. لم يكن ليوجد لولا شعلتك
*
* *
الجميلات
مثيرات..
عاريات في المرمر المتأجج المنسحب من البشرة إلى الثياب
ممتلئات..
متحديات.. الإعصار سريع.. تطأن العالم، وتطأن برج الحظ بأقدامهن
المرهفة.. تتبرعمن في الشارع كالأعشاب البريّة
وتلقين
بأريجهن الأخضر القاسي..
دافئات
غير ملموسات في الصيف الذي يصهل كالجزار.. لسن زنابق ولا ملائكة
مرسلين..
آه
فتيان البلد.. برّاجات الرجال.. وشيء أكثر
من
الدفء المتلاًلئ..شيء أكثر.. شيء أكثر من هذه الأغصان المياسة
اللاتي
عرفن ما تعرفن كما تعرف الأرض..
لكم
هن شبقات هؤلاء الرقيقات ولكم هن عميقات في مواكب صيد العيون
الزرقاء، وشرارات عاجلة أخرى في رقصة الشوارع السريعة..
أناثى..
أناثى.. في خضم الموج المتحشرج.. حيث نلقي شباك الحواس الخمس،
لنحصل بالكاد على قبلة الزبد..
*
* *
أحجية
المشتهية
فتاة
غير كاملة.. تبحث عن شاب غير كامل
عمرها
32، وشروطها: قراءة أوفيديو، وتعرض:
I)
ثديي قبّرة.
II)
كل بشرتها الناعمة للقبلات
ج)
نظرة خضراء لتحدي بلاء العاصفة.
لا
تذهب إلى البيوت
ليس
لديها هاتف، وتقبل انجذاب الفكر
ليست
فينوس
إنها
شراهة فينوس!!
*
* *
ماذا
نحب عندما نحب؟
يا
إلهي..
ماذا
يحب المرء عندما يحب؟
نور
الحياة الرهيب أم نور الموت؟
عم
يبحث؟ وعلى ماذا يعثر؟ وما هذا؟
أهو
الحب؟ من هو؟ أهي المرأة بأعماقها، بورودها، ببراكينها؟
أم
هذه الشمس الورديّة التي هي دمي الهائج عندما ألج فيه إلى آخر
الجذور؟
أو
ليس كل هذا يا إلهي مجرد لعبة، وما من امرأة ولا رجل هناك
بل
جسد واحد
جسدك
المبعثر في نجوم الروعة
وذرات
شهب الخلود المرئي؟
إنني
أيها الربّ أموت في هذا.. في وطيس حرب الذهاب والمجيء
بينهن
في الشوارع.. حرب العجز عن عشق ثلاثمائة امرأة دفعة واحدة
لأنني
محكوم بواحدة.. بتلك الواحدة.. تلك التي منحتني إياها في
الجنة
القديمة..
*
* *
صورة
امرأة
الليلة
ستمكث أبداً أيتها المرأة
كي
تراك وجه لوجه
وحيدة
أمام مرآتك/ منعتقة من بعلك / عارية
بحقيقة
ودقة الرعشة الكبرى والرهيبة التي تدمّرك
سيكون
لك دوماً
ليلتك
وسكينك، والهاتف البارد
لتسمعي
وداعي بشرطة واحدة.
أقسمت
لك أن لا أكاتبك.. لذا أخطابك على الهواء
لكي
أقول لك: لا شيء، فكما يقول الجوف: لا شيء..لاشيء
إنما
نفس الشيء... والمزيد دوماً من اللا شيء
الذي
لا تسمعينه مني أبداً، وذاك الذي لا تفهميه مني أبداً
رغم
أن شرايينك تغلي من هذا الذي أقول..
ضعي
الفستان الأحمر الذي يليق لثغرك ودمك
واحرقي
بسيجارة الخوف الأخيرة حبي الأكبر
اذهبي
حافية القدمين في الهواء الذي أتيت على متنه
بجرح
جمالك المرئي.. وا أسفاه على الذي يبكي ويبكي في العاصفة
لا
تموتي..
فلسوف
أرسم ملامحك على شعاع برق
تماماً
مثلما أنت.. عينان لرؤية ما هو مرئي وما هو غير مرئي
أنف
ملاك ، وفم وحش، وابتسامة تعذرني
وشيء
مقدس لا عمر له يحلّق على جبهتك
يثير
أشجاني
لأن
محيّاك محيّا الروح
تجيئين..
وتذهبين.. تتعبدين البحر
الذي
يسرقك بزبده.. وتقبعين كالمتسمّر.. تسمعيني
أناديك
من هاوية الليل.. وتقبليني كما الموجة
لغزاّ
كنت.. ولغزاً ستكونين.. لن تحلّقي معي.. هاك أيتها المرأة
هاك
قامتك أتركها هنا..
بماذا
نخادع أنفسنا؟
بماذا
نخادع أنفسنا؟
أنخادعها
بشعلة العطر
بالليلة
العصرية
للمصورين
السينمائيين
العتبات
الأرضية للقبر
فنفتح
بصبر عشّنا كي لا يلقي إلينا أحد
الراحة
بأسف
ولنحفر
الثقب كل مساء
بعد
أن نكسب خبزنا
أن
يكون في هذه الأرض جوف للجميع
للفقراء..
وللأغنياء
لأن
ثمة هدية للجميع في الأرض
الضعفاء
/ الأقوياء / الأمهات / المومسات
يسقطون
منبطحين..أو يسقطون شاقولياً على رؤوسهم
أو
جالسين
وحيث
مركز الثقل في أجسامهم يسقطون ويسقطون
حتى
لو كان التابوت مصقولاً أو من الكريستال
حتى
لو أن الألواح بدون سنفرة وكقشرة مكسورة لحبة مسحوقة البذور
الجميع
يتساقطون
وأثناء
سقوطهم يفقدون أحمالهم
حتى
الأرض العتيقة والبديعة كذلك..
ترجمة
وتقديم: عصام الخشن / بوينس أيرس - 16.03.2004