لويس
جنكنز
Louis Jenkins
(1942-....)
لويس
جنكنز: فائضُ الحرب وقصائدُ نثر أخرى
قصيدةُ
النّثر، عند لويس جنكز، قصيدةٌ "شكليَّةٌ Formal"، و "مُستطيلةٌ
Rectangle.1 شكليَّةٌ من جهة كونها "بلا حدود مُعيَّنة "، ومُستطيلةٌ
من جهة احتوائها علي الأشياء الضروريّة فقط ؛ كحقيبة سفر صغيرة،
مُوضَّبةٌ بعناية فائقة. هي فتنة الأثر المتبقّي من رحلة غامضةٍ
ــ حُرَّةٌ، مرنةٌ "تُحسنُ وفادةَ الصّور المتدفقة من اللاّشعور
مع السَّرد المُنبثق من الشّعور في آن؛ تاركةً للغةٍ هي غنائيّةٌ
أنْ تتعايش مع ما هي نثريَّةٌ ". إنَّها تجسيدٌ لفكرة أن تكون
القصيدةُ "بلا وزنٍ أو قافيةٍ وبلا نظام تقطيع/تشطير Line-breaks
مفروض سلفاً "..إنَّها مسألةُ "تحقيق توازن "بين شكل بلا حدود
وطبيعة كامنة.علينا في كتابة قصيدة نثر، كما يوضّح، أن نتملك
القدرة علي اكتشاف متي يكونُ الكثيرُ كافياً ومتي يُصبح زائداً
يحرفها عن غايتها، فتصبح أيَّ شيء آخر ألاَّ نفسها ـــ قصَّةً،
روايةً، مقالةً، أو ما هو أسوأُ من ذلك كلّه!.
قليلاً
ما يكتب لويس جنكنز خارج النّوع، وإن احتوت مجامعيه بعضاً من
قصائد الشّعر الحُرّ.يعتبرهُ روبرت بلاي واحداً من أكثر شعراء
جيله حذقاً ومهارةً و "سيّد قصيدة النثر المعاصر، الذي يُصوِّرُُ
الفكرةَ علي نحوٍ أقلَّ مما هي عليه في الواقع، فيمنحنا القُدرةَ
علي اكتشاف كُنه القصيدة وغايتها ". تلك القصيدةُ التي يكتبها
"عاشق عظيم للعالم "، كما يصفهُ تشارلز سيميك. ففيها "تنتصبُ
الأشياءُ وحيدةً، غير مُدركة ولكن نيّرة! إنَّها حقّاً القصيدةُ
التي تمنحنا "طعم العُزلة الأمريكيّة البدائيّة، إن كان ثمّة...
".
وُلد
Louis Jenkins في أوكلاهوما سنةَ 1942 ويعيش، الآن، في منيسوتا
مع زوجته وولده. نشر قصائده في مجلات وأنثولوجيّات عدّة. حصل
في العام 1987 علي جائزة لوفت-ماكنايت للشعر، كما ونال كتابه
"سَمَكٌ لذيذ: قصائد نثر جديدة ومُختارة "علي جائزة كِتاب منيسوتا
سنة 1995.هذا وقد أختيرت اثنتان من قصائد النثرية لتكون ضمن
أفضل الشعر الأمريكي لسنة 1999.
مِنْ
كُتبه الشعريّة الأخري:
فوق
الماء تماماً، 1997
طريق
الشتاء، 2000
(هذه
القصائد مُنتقاة من المجاميع الثلاثة آنفة الذكر، وباتفاق خاص
مع الشّاعر).
زوجةُ
حافر الآبار
في
ليالٍ قائظةٍ، كهذهِ، تخطرُ في البالِ جبالٌ، أَوْ ما إلي الآنَ،
إفريزُ النّافذةِ عالياً فوقَ سريري وحيرةُ الملاءاتِ هذهِ.
لا بُدَّ أنَّها باردةٌ، هناكَ، بنسيمٍ يهبُّ من النّافذة المفتوحةِ،
وأبيضَ ناصعاً، مرسوماً كالثّلجِ. لا كثيرةَ بردٍ أو مطرٍ ولا
شاهقةً كرأسِ جبَلٍ بلْ كسهلٍ عظيمٍ يمتدُّ أميالاً. مرّةً في
الصيفِ الفائتِ، هُناكَ قادني الرّحيلُ؛ لا شيءَ معي غير بعضِ
ما أحتاجه: القطَّ، المرآةَ وحفنةً مِنْ إبَرٍ.
آنئذٍ،
عادَ إلي البيتِ وأمسكني؛ كسَّرَ ضلعينِ، وغرزَ رضَّةً مُروِّعةً
في خدّي. الآنَ، وفي كلّ يومٍ، يتعاظمُ صوتُ الحَفْرِ خافتاً
أكثرَ. ضاعَ صوتُ الجزمة التشقُّ الطّينَ، بقسوةٍ، و تنحدرُ
الصخّورُ لأميالٍ، تحتي.
بيضة
عيد الفصح الأوكرانيّة
لا
تشبهُ المألوفَ من بَيْضِ عيد الفصح الأوكرانيّ بسببٍ مِنَ الصّور.
علي جانبٍ تغربُ الشّمسُ عن لوس انجيليس، وعلي آخرَ يجثمُُ جنودٌ
في خنادق مُوحلةٍ؛ يلفّهم بردٌ ويدخّنون.هُوَذا الكمانُ المخبوءُ
في قِدْرِ حساءٍ وها فصيلةُ قططٍ تحيا في محطّة بنزين مهجورة.ثمّة
صورٌ كثيرةٌ: السّلكُ الشّائكُ والطّريقُ عبر الغابة، البطُّ،
الرّاديو والحرائقُ الصفراء الدّاخنةَ علي طولِ دربِ سكّة الحديدِ
حيثما تأخذُ العشَّاقَ الخُطَيْ. في الصّباحِ، يقرر شيوخُ القرية
ما يجبُ:علي رجلٍ شجاعٍ امتطاءَ أسرع حصانٍ ويُسلِّم البيضةَ.
الرحلةُ طويلةٌ والطُرُقُ خَطِرةٌ. لا لأحدٍ ستوهَبُ البيضةُ
بَلْ لقيصر.
كانزاس
كلّما
تشتمُّ الملاءاتِ النّظيفةَ، تعنُّ علي بالِ زوجةِ المُزارعِ
سنواتُ 1930.علي حبلِ الغسيلِ تجلدُ الرّيحُ الثّيابَ، و مُلتزَّاً
تُطيّرُ الفستانَ بينَ ساقيها الوافرتين.
في
ثوبهِ الفضفاضِ، بينَ سِنينَ مِنْ مكائنَ محطّمةٍ خلفَ الحظيرةِ،
يفتّشُ المزارعُ. بينَ عبّاد شمسٍ طويلاً، بينَ أوكار الأرانبِ
والفئرانِ، ومفتاحُ ربْطٍ في يدهِ. عَنْ قطعةِ غِيَارٍ بعينها،
وعَنْ واحدةٍ قد تَنفعُ.
تستلقي
في الوحل، حيثما يفيضُ الخزَّانُ سبعُ أبقار ناحلة.وعبر أصيلٍ
طويلٍ تواصلُ طاحونةُ الهواءِ ضخَّ دفقاتٍ طويلة من ماءٍ باردٍ.
ثلجٌ
أوّلٌ
عند
الغسقِ يكونُ الثّلجُ وقد ذابَ قليلُهُ. ثمَّةَ قِطََعٌ صغيرةٌ
مُعتمةٌ يتطاولُ فيها العشبُ، مثلما من طائرةٍ تُري جُزرٌ في
البحر. أيُّها موطني؟ ذاكَ الذي هجرتهُ طفلاً ؟ كلُّها، الآنَ،
متشابهةٌ. ما الذي صارَهُ والداي؟ وماذا عَن الأشياء التي بدأتُها
ولم أنتهي، أبداً، منها ؟ ماذا كانت ؟ فكلّما تقدّم العُمْرُ
بنا صرنا وحدنا أكثر.نعمةً، كهذهِ، يُقاسمُ الرجل زوجته.إنّها
طعامهم الصباحيَّ: قهوةٌ وصمتٌ وضوءُ شمس الصّباح. يمارسانِ
الحُبَّ أو يتشاجرانِ. يتحرّكانِ طوالَ النّهارِ؛ هي علي المربعات
السُّوْدِ وهو علي البيضاء.في الليالي يجلسانِ قُربَ النّار
؛ هُوَ يقرأُ في كتابهِ، وهي تحيكُ. مهتاجة هي النَّارُ، وفي
المدخنةِ، تنعبُ الرّيحُ كطفلٍ ينفخُ في زجاجةٍ، بحبورٍ.
فترةُ
استراحة
مَيْتَةٌ
الكمنجاتُ.مَيْتَةٌ آلاتُ النَّفخِ النّحاسيّةُ.منذُ قليلٍ فرغتِ
الأوركسترا مِنْ كونشرتو لباجانيني.آلاتُ الجهير والتشللو مُلقاة
علي الأرض أو تتكئُ علي المقاعد، متعبةً وبلا أيِّ معنيً.إنَّها
كمثلِ جنودٍ أو مساجينَ في فُسحةٍ من عشرِ دقائقَ ولا سجائرَ
معهم. في ركنٍ قصيٍّ، مُتشّحاً بالأسودِ، ينحني قارعُ الطّبولِ
كغرابٍ أسود ينهشُ أرنباً قُتل علي الطّريق العامّ أو كعجوزٍ
تنحني علي قِدْرٍ يَغلي بالسُمِّ الذي ستدهنُ أعمدة الهاتفِ
بهِ لتقتل كلّ طيور نقّار الخشب.هَُوذا يدوزنُ الطّبل ويختبرُ
صوتَهُ.ماذا تُراهُ يسمعُ ؟ عاصفةً قصيَّة ؟ قطيعَ جواميسٍ ؟
ربّما عمّالَ سكّة حديد يكدحونَ ليمهّدوا الطّريقَ بضعةَ أميالٍ
أمامَ قاطرة؛ العرباتُ مُزوَّدةٌ بوافرٍ مِنْ سجاجيدَ وبلَّورٍ
و نبيدٍٍ مُصفَّي. تصلُ السيّداتُ الجميلاتُ والسّادةُ؛ ضاحكينَ،
يثرثرونَ بينَ المماشيِّ كي يجدوا مقاعدهم.
الأعمي
بزاويةٍ
واهيةٍ، ينحدرُ من التلَّةِ إلي الرّصيف؛ مُتحيّراً، مُتنقّلاً
بعصاه البيضاءَ ذات الرأس الأحمر مِنْ طرفٍ لطرفٍ حتّي يلمسَ
الإطارَ المعدنيّ لـ "بونتياك "، خُزامِيَّةً، واقفةً عند حاجز
حافّةِ الطَّريق. يتوقّفُ. يتلمّسُ بشِمالهِ حتّي يلمس ساريةَ
المعدنِ الباردِ الحامل لافتةَ "ممنوع الوقوف"، يجرُّ قريبَاً
نفسَهُ، يقفُ وذراعُهُ تطوّقُ السّاريةَ في الفراغِ الضيّقِ
ما بينَ العَرَبة وبينها.ينتظرُ ويُنصِتُ. يبدو مُرتاباً غيرَ
مُتيقِّنٍ، غيرَ قادرٍ أنْ يَمِيْزَ الأصواتَ مِنْ بعضها.حركةُ
المرورِ يميناً، حركةُ المرور وراءً، الريحُ التي تهبُّ مِنَ
البحيرةِ أعلي التّل، وصوتُ بعض وريقاتِ أشجارٍ علي الكونكريت.
لا أثرَ لعابرٍ.هِيَ آخرُ النَّهار، هيَ آخرُ الخريفِ.يُنْصِتُ؛
الرأسُ مرفوعٌ قليلاً، القبّعةُ مائلةٌ للخلفِ ومغمضةٌ العيونُ.هُوَ
ليسَ فتيَّاً أو عجوزاً بلْ رجلٌ بينَ عربةٍ وسارية.
ينتظرُ
زمناً طويلاً. ينتقلُ بعصاهُ ذاتَ اليمينِ، إلي الدواليب الخلفيّة
للعربة، ثُمَّ بعيداً ذات الشّمال.يُعتقُ السَّاريةَ وينحدرُ
بخطوتينِ حذرتينِ نحو سفح التلّةِ، مُطلقاً إلي الأمامِ عصاهُ.
قصيدةُ
بوحٍ
ثمَّةَ
وشمٌ ضخمٌ علي صدري. إنَّهُ كحلمِ يقظةٍ. أراهُ في المرآةِ عند
حلاقةِ ذقني أو تنظيف أسناني، أو حينَ أُبدّلُ قميصاً أو أمارسُ
الحُبّ. ماذا أفعلُ ؟ لا أذكرُ مِنْ أينَ جاءَني. هَلْ عشتُ،
في السّابقِ، حياةً كهذهِ ؟ إنَّ ثمنَ إزالة وشمٍ ضخمٍ كهذا
يفقدني صوابي. ما زالت رائعة صَنْعَةُ الرَّسمِ: منظرُ طبيعةٍ
بحجمِ 8 x 10 بوصة، بألوان خصبةٍ، يُظهرُ قطعياً مُنحدراً من
جبلٍ صوبَ قرية رعاةِ بقر. شابٌّ، والذي يمكن أن يكون جدّي،
في ثيابِ رعاةِ البقر يحملُ بندقيّةً، ينتصبُ في أعلي التلّةِ
ويشيرُ الي القرية. يقولُ التعليقُ الذي أسفلَ الصّورة:"يا إلهي،
لم أدرِ بأننا قد قطعنا كُلّ هذه المسافةِ، غرباً "
مكانٌ
هادئٌ
جئتُ
لأفهمَ حُبّي لكِ. جئتُكِ كمن مَلَّ العالمَ، أبحثُ عن مكان
هادئٍ.محطّة البنزين والدّكّان، الكنيسة والمدرسة المهجورة،
بعض منازل عتيقة والنّهر بمواضعه المُظلّلة الباردة...صيد الأسماكِ
الوفير. لطالما اشتهيتُ مكاناً مثل هذا. فلقد عرفته مُذ وطأتُهُ.
غداً، ستصل فِرَقُ الإنتاجِ والتّصويرِ.سنقدرُ، يوم الإثنين،
البدءَ في تصويرِ قصّة رجلٍ يبحثُ عن مكانٍ هادئ.
فائضُ
الحرب
ممشيً
بعد ممشيً مِنْ خيامٍ وخاكيٍّ، خُوَذٌ ومعدّاتُ أكلِ جنودٍ،
حقائبُ تخييمٍ، معاطفُ بحّارةٍ وأقنعةُ غازٍ... هُناكَ، ثمَّةَ
حقلُ طائراتٍ مهجورةٍ، من كلّ طراز: بي 38، بي 25...
كلُّ
ما عليكَ فعله أنْ تنتظرَ العتمةَ: إقفزْ فوقَ السّياج، جُرَّ
الدواليبَ مِنْ بكراتها ثُمَّ اقفز إلي الدّاخل. أدِر المُحرّك
وأدْرُج حتّي الشّريط. لا أبسطَ من ذلك.كما ويُمكنكَ الطّيرانُ
بلا أيّ معرفة مُسبقةٍ.
إمرأةٌ
جميلةٌ بثيابٍ سوداءَ تجلسُ علي مقعدٍ طويلٍ قُرب قبر. رجلٌ
طويلٌ ببزّةٍ عسكريّةٍ يقفُ بجوارها ويدٌ علي الكتفين. "كثيراً
ما أجيءُ هنا، يا له من مكانٍ هاديءٍ"، تقولُ المرأةُ."قبل أن
يموت جون، طلب أنْ أرعاكِ "،يستدركُ الرّجل.يتعانقانِ. خلفهما
صفوفٌ مُحكمةٌ من صلبانَ بيضاء تنتشرُ فوق تلّة خضراءَ حيثُ،
بكبرياءٍ، يخفقُ العَلَم.
تُصدرُ
المحرّكاتُ أزيزاً خفيضاً؛ صوتَ عزاءٍ، والضّوءُ المنبجسُ من
لوحةِ التحكّم يخبرك بأن كلّ شيء ثابتٌ وقويمٌ.غيومٌ، في الأسفلِ،
مخصولةً بالفضَّة، وقُري أعداء بالغةَ الصّغر:قُري دُمَيً رائعة
يضيئُها قمرُ قاذف القنابلِ.
1
ـ أنظر مقالته بضع كلمات عن قصيدة النثر التي قدّم بها لكتابه
"سمك لذيذ "الصادر عن دار نشر "هولي كاو برس منيسوتا، سنة 1995.
ترجمة
وتقديم: تحسين الخطيب - القدس
العربي - 07.04.2004
talkhateeb@hbtf.com.jo