البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

ويليام بتلر ييتس
William Butler Yeats

(1865-1939)


الشاعر الايرلندي الكبير ييتس في مرآة زمن كسرته الحرب العالمية الثانية

عدا ونستون تشرشل لم يعرف العالم الانكلوسكسوني في القرن العشرين مبدعاً أعطى بالقدر نفسه في بداية حياته كما في أواخرها مثلما فعل الشاعر الايرلندي ويليام بتلر ييتس (1865 - 1939) وأخيراً صدر في لندن الجزء الثاني من سيرة "آخر الرومانطيقيين" وهو اللقب الذي أطلقه ييتس على نفسه. كتب السيرة البحاثة روي فوستر, المؤرخ والأكاديمي في جامعة أوكسفورد, وجاء انجازه شاملاً ودقيقاً, إن لم نقل شهادة على زمن التحولات الكبرى في النصف الأول للقرن العشرين, على جبهتي الفكر والمخيلة.

ويليام بتلر ييتس.

ضخامة المجلّد وتداخل عناصره تحيلنا الى ضرورة التبسيط في العرض وتحديد المحور الرئيس: هل كانت حياة ييتس شبيهة بشعره؟ ولعل ما يدفع الى هذا السؤال ان ييتس نفسه حاول جاهداً ان يجعل شعره مرآة لحياته, مع انه لم ينجح سوى لماماً, بل كان يستعيض عن تخبطه الحياتي بالافلات في دغل المخيلة والجمال, ناهيك عن السحر والخرافات.

كان والد ييتس محامياً, لكنه امتهن الرسم وبعض الكتابة وأعال أسرته, قدر الإمكان, من ريشته, فيما كانت والدته من عائلة تجار موسرين في سليغو, جنوب ايرلندا. كان في الثانية من عمره عندما قرر والده السفر والاستقرار في لندن طلباً لفسحة أوسع وامكانات أكبر لجهة توفير لقمة العيش, إذ بدأ المجال الايرلندي يضيق بالأسرة ومتطلباتها. إلا أن الرياح لم تجر بما تشتهي سفينته, فعادت الأسرة الى دبلن عام 1880 حيث دخل ويليام المدرسة الثانوية وكان يمضي عطلة الصيف في سليغو عند خاله. بعدئذ دخل المعهد العالي للفنون في دبلن حيث بدأ يختلط بأترابه من الشعراء والكتاب والرسامين ويكتب في صحيفة الجامعة.

"تأملات في الطفولة واليفاع" أولى محاولات ييتس التصدي لسيرته الشخصية, صدر عام 1915, وفيه نتحرّى تطيّره الباكر من حذلقة الطبقة الوسطى, فمن جهة بالغ في تصوير الأمجاد الغابرة لأسرة والده ومحتد والدته, مبتكراً لهم سلطة غير واقعية, ومن جهة أخرى أعرب عن تبرّمه من ذويه في سليغو بسبب تمظهرهم الزائد, لكنه امتدحهم حين كانوا يتصرّفون بشكل بوهيمي أو يهتمون بأمور الفلك والفروسية.

في السنوات اللاحقة تبلورت تلك المعالم في شخصية ييتس, وبدا واضحاً أن تناقضاته هي منبع إلهامه الأكثر غزارة. فمن حيث المبدأ كان متوقعاً أن ينحاز, سياسياً, الى الصف البروتستانتي, بحسب نشأته وطائفة والديه. لكنه نأى عن البروتستانت إذ رأى فيهم جشعاً دنيوياً ممجوجاً وانحيازاً غريزياً الى الانكليز. ولم يجد في الكاثوليك قواسم مشتركة على الصعيد الروحي, فانصرف الى الغوص في إيرلندا القديمة, ما قبل المسيحية, باحثاً عن عصب الأمة وموروث شعبي - تراثي شكّل في الماضي هويتها القومية. وبرز هذا المنحى في مقالاته الباكرة ونشاطه الثقافي, فمنذ دخوله الجامعة انضم الى مؤسسي جمعية تعنى بأمور الخفاء والتنجيم والماورائيات الوثنية.

عام 1887 عادت الأسرة إلى لندن لفترة وجيزة. مرّة أخرى بحث ييتس عن "رفاق الماوراء" وانخرط في جمعية هدفها الأسمى تحقيق الأخاء الكوني عن طريق تحضير الأرواح والمغامرات الغيبية, ما جعله ينغمس في عالم بعيد من الواقع العلمي المتفجر حوله. بل رأى ييتس في نشوء التكنولوجيا وبدء عصر الآلة تهديداً رهيباً لما تبقى من قيم العالم القديم, لكنه في الوقت نفسه أبدى اندهاشاً أمام "الجمال الرهيب" الذي بدأ ينشر صورته على العالم. وجاءت قصائده الأولى تعكس صرخة روحه التواقة الى الانعتاق من المادية المتعاظمة لزمنه. منذ العام 1897 بدأ ييتس يمضي فصول الصيف في دارة الليدي غريغوري في مقاطعة غالواي الإيرلندية, وهناك اعتبر بلدة كول نموذجاً حياً لعالم آخذ بالزوال, خصوصاً ان الفلاحين كانوا يحيطون بالدارات العريقة وورثة الاريستوقراطية يشرفون على الزراعة وتربية الخيول الأصيلة, وقد رأى ييتس في ذلك نمطاً نموذجياً زاد في احتقاره الطبقة الوسطى ذات المصالح المحدودة والنهم الى الكسب السريع. وخيّل اليه آنذاك ان اقامة جسر ثقافي - تراثي بين الطبقتين من شأنه بعث الروح الايرلندية الأصيلة وانقاذ بلاده مما كانت على وشك الوقوع فيه.

عام 1907 سافر ييتس مع الليدي غريغوري الى فلورنسا وميلانو وأوربينو وفيرارا ورافينا, في إيطاليا, حيث تعاظم اعجابه بالمنجزات المشتركة بين اليد العاملة والعقل المرهف, الشغيلة والاريستوقراطيين, وذلك بسبب حسه الجمالي الدقيق وانجذابه اللامشروط الى كل ما يوحي بالانسجام الشكلي والعظمة, مما ولّد لديه حنيناً الى عصر النهضة وزاد في ابتعاده الفكري عن زمنه, اللهم إلا في المجال السياسي, إذ بقي همّ ايرلندا شغله الشاغل طوال حياته. غير ان ييتس لجأ الى المسرح, أكثر من الشعر, لمعالجة وجعه القومي, فأسس "آبي ثياتر" في دبلن حيث فتح الستارة لأعماله وأعمال مجايليه المتمردين على الشرخ الطائفي في بلادهم, فإذا به يثير غضب الكاثوليكيين الذين اتهموه بـ"معاداة ايرلندا" وقامت في مسرحه مشادات عنيفة بين المخرجين والممثلين والمنتجين. وفي العام 1913, بعدما تبيّن له فشل "آبي ثياتر" في مهمته التوعوية, ذهب يعتكف الى جانب الشاعر الأميركي الكبير عزرا باوند, مساعداً له في تنقيح ترجمته لمسرحيات الـ"نو" اليابانية. وكان ييتس متحمساً جداً للمشروع كونه ينبثق من تقليد اريستوقراطي عريق. وما لبث تأثره أن ظهر في عام 1921 في "أربع مسرحيات للراقصين". وهي تمثيليات قوامها انسجام الكلمة والقناع والرقص والموسيقى والايماء الرمزي, هدفها نقل المشاهد الى عمق الأعماق المجهولة في الوجدان. إلا أن مسرحه, الشعري والنثري, على السواء, بقي "صحافياً" لجهة تصديه المباشر لموضوعات تحز في نفسه وتدفع به الى الجهر الجماعي.

عام 1916 انفجر الوضع في ايرلندا, وكان ييتس في لندن مناصراً استقلال بلده, على رغم انتقاداته للطرفين. إلا أنه قبل الدعوة لاحقاً للمشاركة في مجلس الشيوخ الايرلندي حيث قام بمهمات ادارية وتشريعية كالرقابة على المطبوعات, والتأمين الصحي للعمال والموظفين, وقضايا الطلاق, وإدخال اللغة الإيرلندية في المناهج, وحقوق النشر, وعضوية ايرلندا في جامعة الأمم, ناهيك عن مشاركته في لجنة صك العملة.

على الصعيد العاطفي يمكن اختصار مسيرة ييتس بحب واحد كبير لم يثمر زواجاً لسوء حظه, ففي العام 1889 التقى مود غونّ, وهي حسناء ايرلندية, متوهجة ذكاء وأنوثة, وحماسة للقضية الايرلندية. و"مذ ذاك" كتب لاحقاً في مذكراته "بدأت مشاكل حياتي". فبينما وقع هو في حبها, كانت مود تكنّ له مشاعر صداقة فحسب, وكانت تنتقد قصائده الناقدة للطرفين في الصراع الإيرلندي, داعية إياه لاتخاذ موقف واضح. عام 1899 طلب يدها فلم تقبل, وتزوجت بعد أربع سنوات من ضابط ايرلندي قاوم الانكليز واستشهد على ايديهم خلال الانتفاضة الايرلندية الشهيرة. وكانت لمود ابنة تدعى ايزولت, طلب يدها فرفضته أيضاً. فانصرف الى علاقات عشوائية لم تزده سوى وحدة, الى أن بلغ الخمسين وتزوج من فتاة انكليزية محافظة, وديعة, في السابعة والعشرين من عمرها, أنجبت له صبياً وبنتاً.

عام 1923 حاز ييتس على جائزة نوبل للآداب. الا انه لم ينم على حرير المجد. بل ا ندفع أكثر فأكثر في مجمل "عوالمه" فانحاز سياسياً الى موقف عزرا باوند, متوقعاً من فاشية موسوليني استنهاض الروح الأوروبية الأصيلة. وفي العام 1939 وموسوليني في أوج هديره القومي, أصدر ييتس منشوراً بعنوان "على النار" أعرب فيه عن خشيته العميقة من اندثار القيم الحضارية وتفشي الفساد وانهيار المدنية الموروثة منذ الاغريق. وقيل آنذاك انه يطمح الى السلطة.

أما شعره فبقي متألقاً حتى سنواته الأخيرة حين بدأ يتّسم بهستيريا في التخييل, وهي هستيريا كسوفية, استشرافية, أمام عالم يتصدّع من الداخل, ويستعد, كما حصل في الواقع, لحربه العالمية الثانية.

هل كانت حياة ييتس شبيهة بشعره أم العكس؟ قد يكون الجواب الأكثر صواباً ان شعر ييتس كان مرآة لزمنه, فلما انكسر الزمن, بقيت المرآة شاهدة على مرّ الأزمنة.

أربع قصائد

زوال

"ما كانت عيناك تشبعان من عينيّ

وها تنطويان بأسى تحت أجفان ثقيلة

لأن حبنا يحتضر".

قالت

"مع أن حبنا يحتضر دعنا مرّة بعد

نقف سوية على الضفة الموحشة للبحيرة

في هذا الوقت الكئيب

حين ينام الوله, كطفل فقير منهك

وتبدو النجوم هائلة البعد, وقبلتنا الأولى

قصيّة, وآه, كم هرم قلبي".

ومشيا فوق الأوراق الذابلة ساهمين

ثم أجابها بهدوء, ويده في يدها:

"طالما أنهك العشق قلبينا الهائمين".

كانت الأشجار تتخلى عن أوراقها الصفراء

من حولهما,

والأوراق تتساقط كالشهب في الحلكة, وإذا

بأرنب سمين أعرج يجتاز الطريق

يطارده الخريف: فوقفا مرّة بعد

على الضفة الموحشة للبحيرة

والتفت إليها فلاحظ

أنها شكلت صدرها وشعرها

بأوراق ذاوية, بليلة مثل عينيها

لعلها لملمتها بهدوء.

قال: "آه لا تكتئبي لأننا منهكان,

ثمة حب آخر وأكثر بانتظارنا

لا تتوقفي عن الحب, والكراهية حين تيأسين

أمامنا الأبد, وأرواحنا

حب وفراق, أبداً".

قرب الحدائق العامة

واعدتُ حبيبتي في الحدائق العامة

عابراً في خطوات ثلجية ناصعة ضئيلة,

فنصحتني أن آخذ الحب برفق, كما تنمو أوراق الشجر

ولكنني, كأي فتى غبيّ, لم أقتنع.

وفي الحقل, قرب النهر, وقفت مع حبيبتي

وألقت يدها الثلجية البيضاء على كتفي,

تنصحني أن آخذ الحياة برفق, كما تنمو الأعشاب على السدود

ولكنني, كأي فتى غبيّ, كنت...

وها أنا اليوم ممتلئ بالدموع.

طيّار ايرلندي يتنبأ بموته

أعرف تماماً أنني سأموت

هناك في بقعة ما في الغيوم

لأني لا أكره من أحارب

ولا أحب الذين أدافع عنهم

بلادي كيلترتن كروس,

وشعب بلادي فقير

مهما حصل لن يخسر شيئاً

ولن يربح أيضاً أي شيء

لذا لست أقاتل للحق أو الواجب

أو السياسيين أو تصفيق الجمهور,

بل للمتعة وحدها

للضوضاء في قلب الغيوم.

بهذا فكرت وقارنت

فسنواتي الآتية ضياع

تماماً كسنواتي الفائتة

وهكذا الحياة والموت سواسية.

العودة الثانية

الصقر يحوقل, يحوقل في الدائرة الواسعة

ولا يصغي لسيّده.

الأشياء تتداعى" المركز لا يصمد"

لا شيء عدا الفوضى تروم العالم,

وهيبة البراءة غريقة في كل مكان.

أفضل البشر بحاجة إلى الإيمان, والأشرار يستمرون

بالحماسة اللاهية.

حقاً, أنها رؤيا الكسوف تقترب

حقاً, انها العودة الثانية تقترب

العودة الثانية! ما أن أقول ذلك

تبهرني رؤيا عظيمة تصعد من الروح الأعلى

وفي القفر فوق رمال الصحارى

يتبدى رأس إنسان على جسم أسد,

يحملق زائفاً, بلا شفقة كالشمس

يحرك أردافه ببطيء بينما تحلّق حوله

ظلال العصافير الموتورة في الصحراء.

مرّة أخرى يعمّ الظلام, فأفهم

أن عشرين قرناً من الهجوع الصلد

باتت كابوساً في مهدها الحجر

وأي وحش كاسر سيولد أخيراً

ويزحف إلى بيت لحم.

 

جاد الحاج


 

Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri