البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

ليوبولدو بانيرو
Leopoldo Panero
(1909-1962)

 

الشاعر الإسباني ليوبولدو بانيرو في ديوانه
<<الفردوس المفقود>>

هندسة الهذيان

لم يكن أمراً بغير دلالة أن يرى الكثير من الناس الى الشعراء والفنانين بوصفهم كائنات غريبة وغير سويّة. فهذه النظرة المستريبة الى المشتغلين بالفن والكتابة تستند في جوهرها الى الغرابة المتأتية عن طبيعة العمل الإبداعي بما هو انزياح عن السائد والمألوف في لغة التخاطب المتداولة بقدر ما تستند الى سلوكيات الكتّاب والفنانين التي تتخطى الضوابط الاجتماعية والأعراف والقيم المتوارثة. وقد انعكست هذه الرؤية الى الفن عبر العديد من الحكم والأمثال السائرة من مثل <<الجنون فنون>> التي ترى في الجنون مستويات ومراتب مختلفة لا تطال نزلاء المصحات وحدهم بل تنسحب على كل من يضربون النظام اللغوي والأخلاقي العام بعرض الحائط. كما أن التعبير الشعبي المألوف <<شاعر ومشعور..>> لا يقف عند حدود الدعابة المثيرة للابتسام بل ينم عن إحساس العامة بذلك الجانب المعطوب من عقول الشعراء ومخيلاتهم الممسوسة بأكثر من شيطان.

على أن اللافت في هذا السياق هو اعتراف العديد من النقاد والباحثين، بل والمبدعين أنفسهم، بصوابية الاعتقاد الشعبي وعدم المبادرة الى دحض هذا الاعتقاد أو اعتباره مثلبة أو نقيصة. بل ان البعض منهم يذهب الى الربط بشكل وثيق بين <<جنون>> الفنان وإبداعه ويرى في انحراف الكاتب وجنوحه ولاسويته أحد الشروط الضرورية لانفلات الخيال من عقاله وملامسته عتبة الخلق والابتكار. فالكاتب الألماني توماس مان يقيم توأمة كاملة بين الجنون والعبقرية من جهة وبين مرض العقل وصحة الخيال من جهة أخرى. والكاتبة الفرنسية مرغريت دوراس ترى في الكتابة ضربا من الهذيان وإصغاء <<لصراخ الحيوانات الليلية>>، كما تعبر في كتابها المميز <<الكلمات>>. وآخرون لا يستطيعون الفصل بين جنون هلدرلن وصرع دوستويفسكي ووساوس فان غوغ وفرانس كافكا وبين قدرة هؤلاء على هدم الأسوار بين الحقيقة والمجاز وبين المرئي واللامرئي.

في تقديمه لديوان الشاعر الاسباني ليوبولدو ماريا بانيرو <<الفردوس المفقود/ نشيد الى الشيطان>> لا يشذ كارلوس أورتينيتكسي عن هذه القاعدة حيث يرى هذا الأخير لم يكن ليبلغ ذرى الشاعرية لو لم يفقد الاتصال بالواقع ويقطع الخيط النهائي الذي يربطه بقوانين العالم الخارجي. فالشعر القصي، وفق أورتينيتكسي، لا يمكن أن يقترفه إلا أولئك الذين تطلق عليهم مجتمعاتهم تسمية <<الشعراء الملعونين>> من أمثال بودلير ولوتريامون ورامبو. وبانيرو الذي يقيم بشكل دائم في أحد مصحات اسبانيا رافضا علاجات أطبائه ونصائحهم السقيمة يعرف في قرارته أن شفاءه من المرض ليس سوى المعادل الرمزي لشفائه من الشعر. وهو تبعاً لذلك يصرّ كل الإصرار على الهبوط الى جحيمه الخاص الذي يخلصه من فساد العالم وقاذوراته ويتيح له ملامسة البراءة الشاملة المعصومة من الرياء والدنس. وكما أدرك <<سدهارتا>> هرمن هسه بأن الطريق الى التطهر لا تتوفر في مجانبة الشهوات والخوف منها بل في اقترافها بضراوة واستنفادها الى الرمق الأخير، فقد أدرك ليوبولدو بانيرو أن معركته لاسترداد البراءة لن يقدر لها النجاح إلا فوق أرض معهدة بالخطيئة والإثم وصراخ الشياطين. لذلك فهو في قصيدته الأولى <<نشيد الى الشيطان>> يعلن بجماع صوته: <<وحده الثلج يعرف عظمة الذئب/ عظمة الشيطان/ قاهر الحجر العاري/ الحجر العاري الذي يتوعد الإنسان/ وعبثاً يستدعي الشيطان سيد الشعر/ سيد هذا الثقب في الصفحة/ حيث يتدفق الواقع كمنيّ عقيم>>.

تنظيم الهذيان

يتكئ بانيرو المولود في أواخر الأربعينات، كسواه من شعراء جيله، على إرث هائل من شاعرية اللغة الاسبانية التي لم تكف على امتداد قرن ونصف عن حقن المخيلة الشعرية الكونية بكل ما هو مبهر ومباغت ومترع بالمرئيات والصور الحسية الجارحة. إنه الوريث الشرعي الحقيقي لاستعارات بابلو نيرودا المتأرجحة بين صلابة الحجر وشفافية الضوء ولتموجات المجاز وتكسراته المفاجئة في عوالم أوكتافيو باث ولضربات الهندسة والروح في قصائد غارسيا لوركا حيث <<سمكتان تلمعان في السماء وتكشفان ممرا بلا منفذ>>. لكنه إذ يدرك خطورة الإرث الذي يحمله والمنزلق الذي يمكن أن يضعه على عتبة التقليد أو التكرار ينقلب فجأة على السياق ليتحدث عن <<ممر الغائط الجامد>> وعن <<طقوس السماء التي يطير فيها رجل/ مثل عدم مضحّىً به لآلهات النار>>. إنها طقوس العصابي المهووس، كما يعنون إحدى قصائده، التي تجعله يحرق من ورائه السفن التي استقلها قبل دقائق ويتابع رحلته الى الكتابة أعزل من كل سلاح سوى العدم المثخن بالكلمات.

تنضح الكتابة عند بانيرو بكل ما يشي بالهذيان أو يقف على تخومه. لكن ما يفاجئنا في شعره هو قدرته المذهلة على تنظيم هذياناته وترويضها داخل نص حار ومحكم التصميم. وإذا كان مقدم الكتاب يرى في قول نيتشه <<وحده من يحمل الفوضى في داخله يستطيع أن يضيف نجما الى السماء، النجم الذي ينقص هذه السماء>> شهادة ملائمة على الإعصار الذي يعصف بعالم بانيرو الداخلي فإن ما يبعث على الدهشة هو قدرة هذا الشاعر القابع في مصحّه العقلي على ترويض أعاصيره وتنظيمها بقوة من يملك العقل الراجح والإرادة المسيطرة. فقصائده قصيرة ومكثفة وموجزة لا تستسلم للإفاضة العابثة وللسيلان الكلامي. وهي تحتفل بالمعنى احتفالها بالنمنمة والتنقيط الجمالي والتوشية الخلابة. إنها قصيدة الفكرة والحالة والموقف الذي يجعلنا نتساءل في أعماقنا عن معنى وجود صاحبها في مصحّ. لا بل إن لدى بانيرو من الاتزان الداخلي والسيطرة على أدواته ما يدفعنا الى الشك بسلامة عقولنا نحن القراء. فهذا الذي يعلن <<ان اليد التي تكتب على امتداد متاهة الألم تتفكك>> أو يردد بلسان جاك دريدا أن <<كل قصيدة معرّضة لخطر ألا يكون لها معنى وهي دون هذا الخطر لا معنى لها>> يكشف بالمقابل عن ثبات يده الفريدة على الورق وعن تشبث نادر بكل ما يُفضي الى حكمة الشعر واقتناص لحظاته الأكثر تألقاً وخصوصية.

يلحّ ليوبولدو بانيرو في مجموعته <<الفردوس المفقود/ نشيد الى الشيطان>> على فكرة موت الشعر التي يعتبرها في قصيدة تحمل العنوان نفسه صالحة لأن تكون عنواناً لكتابه: <<القصيدة زائلة مثل الحجر/ شعاع نور في النور/ نقيق ضفادع/ بينما فمك يحتضر/ ويظهر كيف تموت القصيدة>>. وهو في مكان آخر يكتب عن موت القصيدة حيث <<الصمت الذي يذرف كمثل دمعة فوق الورق>>. لكنه في إلحاحه ذاك لا يكشف إلا عن الحياة القصوى للشعر وللشاعر على حد سواء. ومع أن قصائده ترشح بالكثير من علامات الألم والمرض والسم والعدم والغياب والرعب إلا أن تلك المفردات تأتي على الدوام مقرونة بما يناقضها أو بما يفضي بها الى غير وجهتها القاموسية. كأن في قرارته تشبثاً بالحياة عصياً على الاستسلام وممانعة دائمة لكل ما يفترس روحه من وساوس وبحثاً بودليري النزوع عن الجمال الأرضي الذي يرفض أن يخلي الساحة للقبح المجرد. فالوردة تخون جمال رعبها والجحيم يلمع تحت ذهب ما هو مكتوب والأفعى الميتة ليست سوى نور في العينين والكراهية حمامة ذابلة. هنالك دائما ما يقوض المعنى ويرده الى نقيضه في سلسلة من المفارقات التي تجعل الشعر منازلة بين الأضداد وتوهجاً لا تنطفئ أسبابه. وحتى في نص من مثل <<ولولة قصيدة>> مستوحى من بيت شعر لوالاس ستيفنز يقول فيه الشاعر <<بين ذرات ترسم كوناً أسود/ وأسماكا ميتة تهوي من السماء/ حيث تكفهرّ الوعود/ ويرتعش الأمل مثل زهرة/ يتبدى قلب المستنقع/ فيطلق البرابرة صرخات حربهم>> يمكن لنا أن نقرأ بين السطور دعوة مضمرة الى الرفض والاحتجاج وإعلان الحرب على الموت.

ثمة دائما ما يتفتح في شعر ليوبولدو بانيرو أو يمخر الظلمة كخيط واهٍ من الضوء أو ينقلب في اللحظة الأخيرة على مصيره. مع تجربة كهذه نشعر أن الكائن البشري غير متروك وأنه وهو في جحيم وساوسه ممسوس بنعمة الشعر وخلجته التي لا تنطفئ. وليس أدلّ على ذلك من قصائد الحب التسع التي يهديها الشاعر <<الى المرأة التي صنعت من اسمها مطراً>> والتي تعذب فيها اللغة وتشق الى حدود الامحاء حيث <<لا ينفتح غير فم في هواء الرعب الأبيض>> والهواء ليس غير <<ارتعاش يستدعي الوردة/ حيث أنا وأنت غائبان>>.

 

شوقي بزيع - السفير - 26.09.2003


 

Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri