ماريو بنديتي
Mario Benedetti
(1920-....)
الشاعر
الأوروغواي الشهير
ماريو بنديتي
ما
من مواطن عادي
في البلدان
الناطقة بالإسبانية
(نحو 34 بلداً)
إلا ويحفظ
عن ظهر قلبه
بعض أبيات
من قصائد الشاعر
والروائي
والكاتب المسرحي
الأوروغوي
المعروف ماريو
بنديتي، وثمة
من يراه مجرد
أديب كلاسيكي
مكثر في الإنتاج
ويعود الانتشار
الهائل لأعماله
إلى بساطة
إنتاجه الأدبي
وسهولة فهمه
من قبل عامة
الشعب، بينما
يرى البعض
الآخر بأنه
أجاد مخاطبة
عقول مختلف
طبقات المجتمع
مما زاد في
إقبال الناس
على أعماله.
وعلى هامش
هذا وذاك فإنه
لا يمكن نكران
النفحة والروح
الشعرية والحكمة
البديهية
والسخرية
والجدية معاً
في مختلف أعماله،
فقد أصدر أكثر
من 80 ديواناً
وكتاباً جرت
ترجمتها إلى
أكثر من 18 لغة
مختلفة، كما
تمّ نقل الكثير
من رواياته
إلى أعمال
مسرحية في
الإذاعة والتلفزيون
والسينما،
وتم تقديم
تلك الأعمال
في أكثر من
عشرة بلدان.
الأمر الذي
خوّله لأن
يترشح في العديد
من المناسبات
لنيل أكبر
الجوائز الأدبية
في البلدان
الناطقة باللغة
الإسبانية.
ولد
ماريو بنديتي
في الرابع
عشر من شهر
كانون الأول
من عام 1920 في بلدة
باسو دي لوس
تورّيس في
الأوروغواي
في أحضان عائلة
متواضعة، واتسمت
حياته بالكفاح
المتواصل من
أجل تحصيل
لقمة العيش
حيث عمل في
عدة وظائف
عامة، انصرف
بعدها إلى
الترجمة والصحافة
فحرّر في مجلة
"مارشا" أي
المسيرة فيما
بين عامي 1945 و1975
ثم شغل منصب
مدير مركز
الأبحاث الأدبية
في "دار أمريكا"
في هافانا،
ومدير قسم
الأدب الأمريكي
اللاتيني في
كلية الآداب
في مونتفيديو
- الأوروغواي،
وفي أعقاب
الانقلاب العسكري
استقال من
منصبه في الجامعة
ولجأ إلى الأرجنتين
وبعدها إلى
البيرو، ثم
كوبا، ثم إسبانيا،
وما لبث ان
عاد إلى وطنه
مع عودة النظام
الدستوري والديموقراطي،
وعودة الحريات
الفردية.
لقد
ترك الزمن
آثاره على
ملامح الشاعر
بنديتي، فتجاعيد
وجهه تعكس
أشعاراً وقوافي
لاحدود لها،
ونظراته المتمعنة
الهادئة والوديعة
تروي باستمرار
قصصاً جديدة
تردف رواياته
الشهيرة مثل
"الهدنة" و
"فنجان القهوة"
و"حكواتي مونتفيديو"
و "الموت" و"
المفاجأة الأخرى"،
و "بدرو والقبطان"
و "إشكالية
نهاية القرن"
وغيرها..
اشتهر
ماريو بنديتي
برفضه لكل
الألقاب والتفخيمات
التي لا تمت
بصلة إلى روح
الإنسان وجوهره،
فالمعروف أن
اسمه الكامل
هو ماريو أولارندو
هامليت هاردي
برنو بنديتي،
ولكنه خاض
معارك صاخبة
الوطيس في
دوائر السجل
المدني إلى
أن تمكن في
نهاية المطاف
من الاحتفاظ
بالاسم الأول
والكنية فقط
( ماريو بنديتي)
وجرى إهمال
بقية الأسماء
الملحقة في
كل أوراقه
الرسمية، وفي
هذا يقول : "لقد
كانت الأسماء
الملحقة مجرد
عادة إيطالية
مستهجنة، ويالها
من سخافة،
فقد كان لي
خال يحمل أسماء
كافة الملوك
الذين كانوا
يحكمون في
العالم يوم
ولادته!!". ووجه
في إحدى المرات
قصيدة "للابن
الذي لم يرزق
به أبداً "،
ووعده فيها
باختيار اسم
"مختزل.. وفريد..
ومؤلف إذا
أمكن الأمر
من حرف واحد،
بحيث يكون
باستطاعته
استحضاره بمجرد
تنهيدة صدر!!".
وقد
سلك بنديتي
مختلف المدارس
والمذاهب الأدبية
وعرف كيف يرسو
بأشعاره في
كل المرافئ
التي تهتم
بلواعج النفس
البشرية من
الحب إلى الموت،
والزمن، والبؤس،
والظلم، والوحدة،
والأمل، وتناول
ذلك بصورة
مبسّطة ومباشرة
وعفوية مما
ساهم في إيصالها
إلى كافة الطبقات
الفكرية.
ويؤكد
ماريو بنديتي
بأنه عندما
قرّر في صباه
الانصراف إلى
التأليف لم
يكن ليتصور
الشهرة التي
سينالها، فوالده
كان صيدلانيا
نزيهاً ولكنه
تعرّض لعملية
نصب أدت إلى
إفلاسه، وتحتم
عليه الانتقال
مع أفراد أسرته
من بلدة تاكواريبمو
إلى العاصمة
مونتفيديو،وكان
عمر بنديتي
آنذاك أربع
سنوات
وفي
مقابلة مطولة
أجرتها معه
جريدة "كلارين"
الأرجنتينية
الواسعة الانتشار
تحدّث ماريو
بنديتي عن
تجاربه والعبر
التي استقاها
من الحياة
على مدى أكثر
من ثمانين
عاماً فقال:
"لقد تعلمت
الصبر، والأناة،
وأصبحت ناضجاً.
والسنين تهدي
الإنسان نعمة
البصيرة لأن
النظرة إلى
الحياة تصبح
منطلقة من
زاوية وقاعدة
الماضي وليس
من زاوية الحاضر
فقط، وبذلك
يصبح تصوّرخ
للمستقبل أفضل،
وبالطبع فإن
قوة الجسد
وطاقة المرء
تتراجع مع
تقدم السن،
فالجسد هو
السفح الذي
تستريح عنده
تفاعلات الروح".
ويواصل
بنديتي قائلاً:
"المرآة لا
تكذب!! فواحدنا
يرى فيها التجاعيد
الجديدة، والأكياس
تحت العيون،
ومع ذلك وبالرغم
من تقدم السن
فإن عمر إحدى
القصص أو القصائد
يبقى فتيّا،
والقصيدة المفعمة
بالفرح والحيوية
يمكن أن تجدد
شبابك. والأمر
نفسه يتكرر
كثيراً لدى
كتابة قصة
غرام وحتى
ولو كانت مبتدعة،
فالمؤلف تعتريه
من جديد مجموعة
من الأحاسيس
التي كان يعتقد
بأنها غابت
عن ذاكرته
إلى الأبد.
وبالمختصر
فإن الكتابة
والنظم هما
بمثابة وسيلة
للحفاظ على
الشباب، وهذه
الوسيلة ليست
متعمدة بل
إنها إلهام
ذاتي، مما
يعني بأن القصائد
تعتبر بمثابة
إكسير الحياة,
وبالنسبة
للحياة ورأيه
فيها يشير
ماريو بنديتي
بأنه عبّر
عن ذلك في ديوان
"الحياة.. ذلك
القليل بين
قوسين!!" حيث
يرى بأن الحياة
هي عبارة عن
عدم بين قوسين،
ويوضح بأنه
لا يؤمن بالروحانيات
ولا يهتم سواء
كانت هناك
جنّة جحيم،
حيث أن الأمر
الذي يؤمن
به فعلاً هو
الضمير الإنساني
فالضمير بنظره
هو الميزان
والفيصل الذي
يجب أن نمثل
أمامه.
ويعترف
بنديتي بأنه
ارتكب أسوة
ببقية أبناء
البشر أخطاء
كثيرة على
ممر حياته،
وأنه يندم
على قصائد
نشرها، والندامة
لا تعود لأسباب
سياسية، بل
لكونه يلمس
حالياً بأنها
ليست قصائد
جيدة، وأنه
تسرّع في نشرها
قبل نضوجها.
ويضيف كثيراً
من الأمور
تحدث في الحياة
وتدعو إلى
الندامة، فهو
يتمنى مثلاً
لو كان في شبابه
أكثر سعادة،
وأقل انتقاداً،
وأقل انكفاء.
كما وأنه نادم
كثيراً على
النشاطات السياسية
المكثفة التي
مارسها في
حينه، فقد
كان أحد قادة
الجبهة اليسارية
العريضة في
الأوروغواي،
ولكن ومع مرور
الوقت أدرك
عدم ميوله
للزعامة السياسية،
وتفضيله للنشاط
السياسي المستقل
والبعيد عن
المنظمات السياسية.
واستنتج في
النهاية بأن
باستطاعته
ممارسة تأثير
سياسي أكبر
بواسطة الأدب.
ولكن ورغم
الكثير من
الأخطاء التي
تستحق الندامة
يرى بأن هناك
أمراً لم يخطئ
به أبداً ألا
وهو الحفاظ
على الانسجام
والرصانة السياسية.
ويؤكد بأنه
لو أتيحت له
العودة إلى
الماضي لاتبع
نفس الخط ولكن
بخطوات مختلفة
لكي لا يتعثّر.
وتتميز
أعمال ماريو
بنديتي بأنها
سريعة الانتشار
والقراءة،
وهو عامل قلّ
أن يتوفر لغيره
من الأدباء
على الرغم
من تميّز مواطني
الأوروغواي
ودول أمريكا
اللاتينية
عموماً بالشغف
للقراءة.
ويعتبر
بنديتي من
الشعراء والمؤلفين
الغزيري الانتاج،
ولعل أكبر
تعبير عن ولعه
بالكتابه هو
ما جاء في ديوان
"في ركن هايكوس"
الذي نشره
عام 1999 وتضمن
224 صفحة، حيث
ناشد القراء
قائلاً: "فضلاً..
عندما تواروني
الثرى لا تنسوا
أن تدفنوا
قلمي معي ".
وقبل ذلك كان
قد أصدر ديواناً
بعنوان "صندوق
بريد الزمن
"وقبلها ببضعة
أشهر أيضاً
أصدر رواية
"السقالة"
وقوامها 272 صفحة،
ثم ما لبث أن
أصدر ديوان
شعر جديد بعنوان
"العالم الذي
أتنفسه". وبكلمة
أخرى فإن إحصاء
أعمال بنديتي
يتطلب جهداً
كبيراً، لأنها
تتجاوز الثمانين
أي - وعلى حد
قوله - تتجاوز
عدد سني حياته.
ويشير
بنديتي بأن
أكثر كتبه
شهرة كان رواية
"الهدنة" التي
طبع منها لغاية
الآن 148 طبعة،
كما وجرى الاستناد
إليها في إنتاج
فيلم سينمائي
حصل على جائزة
الأوساكا،
ثم جرى تكييفها
مع الإنتاج
التلفزيوني،
والإذاعي،
والمسرحي.
وتتبعها رواية
"عملية الجرد
الأولى" ثم
"شكراً على
النار" ثم "فنجان
القهوة" الذي
طبع منه أكثر
من 40 طبعة بمختلف
اللغات وتم
توزيعه في
العديد من
بلدان العالم،
ويعتبر بنديتي
أفضل إنتاج
أدبي له، ويأتي
بعده كتاب
" ركن هايكوس"
الذي شهد انتشاراً
هائلاً في
إسبانيا.
وبالرغم
من النجاح
والرواج الفائق
لروايات بنديتي
فإنه يؤكد
بأنه يشعر
بالارتياح
أكثر لدى نظمه
الشعر، ويحرص
باستمرار على
تقديم نفسه
كشاعر يكتب
القصص والروايات
أيضاً، ويقول
بأنه يحب كتابة
القصص والروايات
ولكن إنجازها
يتطلب وقتاً
أطول، فبالإمكان
على سبيل المثال
نظم قصيدة
شعر أثناء
رحلة في الطائرة،
أو أثناء استراحة
نهاية الأسبوع،
أو عندما يكون
واحدنا في
قاعة الانتظار،
أما تأليف
الرواية أو
القصة فيمكن
أن يستغرق
سنة بكاملها.
ويضيف
بنديتي بأنه
ليس بالإمكان
ارتكاب أخطاء
لدى تأليف
القصة أو الرواية،
إذ يتوجب بناءها
كلمة وراء
أخرى، وبحيث
تلعب كل كلمة
دورها، وكذلك
فإن لخاتمة
القصص أهمية
بالغة. ويقول
بنديتي بأنه
لم يستلهم
بسهولة كل
الأفكار والمواضيع،
ففي رواية
"عيد ميلاد
أنخل" بدأ التأليف
نثراً، وبعد
حوالي خمسين
صفحة لمس بأن
أمراً يحول
دون مواصلة
التأليف، وظل
على هذه الحال
حتى تنبّه
إلى وجود زخم
شعري هام في
الرواية فما
كان إلا أن
ألّفها على
شكل رواية
شعرية فتسنى
له إنجازها
بسرعة. وقد
حصل أمر مشابه
لدى كتابة
"بدور والقبطان"
حيث اعتقد
بأنها ستكون
مجرد رواية
جديدة، ولكن
الأمر انتهى
بتأليفها على
شكل عمل مسرحي
تم تقديمه
بكل نجاح في
عدة بلدان،
وهي مسرحية
يمثلها شخصان
شأنها شأن
معظم أعمال
بنديتي التي
لا يتجاوز
عدد أبطالها
ثلاثة أشخاص.
ويشير
ماريو بنديتي
بأن قراء الروايات
يفوقون عادة
قراء الشعر،
ولكنه يشكل
شذوذاً عن
القاعدة نتيجة
العدد الكبير
لقراء شعره،
وهو يعيد ذلك
بصورة أساسية
إلى بساطة
أشعاره ووضوحها،
ويقول بأنه
عندما لمس
في مطلع شبابه
بأنه سيصبح
شاعراً كان
يقرأ لكبار
الشعراء والروائيين
والأدباء،
ومع انه كان
يفهمهم ويستمتع
بمؤلفاتهم
فقد كانوا
يبدون مبهمين
جداً، وكانوا
يستخدمون أسلوباً
يؤدي عملياً
إلى إبعادهم
عن القارئ،
لذلك قرّر
عدم اتباع
مثل ذلك الأسلوب
إطلاقاً أثناء
تأليف رواياته
وقصصه وأشعاره.
وحول
وجهة نظره
بمدى قدرة
رجال الفكر
على تبديل
الواقع القائم
في العالم
من خلال كتاباتهم،
يرى بنديتي
بأن ذلك غير
ممكن على الإطلاق،
لأنه لا يذكر
ثورة واحدة
تحقق الانتصار
فيها بواسطة
قصيدة شعر!!
فالقادة السياسيون
يحبون كثيراً
التباهي والتحلّي
بالفن والتقاط
الصور مع بعض
الفنانين،
أو اختتام
إحدى خطاباتهم
بقصيدة شعر،
ولكن ذلك لا
يعني بأنهم
يؤمنون بتلك
المسألة أو
غيرها، ولا
يستبعد أن
يأتي أحد القادة
السياسيين
المختلفين
ليقول للشاعر
يوماً ما: لقد
أوضحت لي من
خلال أبيات
قليلة تلك
المسألة أو
غيرها، ويؤكد
بنديتي بأنه
إذا ما حصلت
مثل تلك الصدفة
فإنه سيكون
بغاية السعادة.
وعلى
الرغم من وجهة
النظر المذكورة
فإن ماريو
بنديتي لا
يعتقد بأن
معركة الشاعر
أو الروائي
أو المؤلف
خاسرة، لأنه
يكتب ليوضح
الأمور في
ذهن الباقين،
وفي ذهن المواطن
الأبي. كما
وأن الكتابة
مسألة ضمير،
فإذا ما كان
واحدنا ضد
ظاهرة العولمة،
والاقتصاد
الليبرالي
الرأسمالي،
والفساد، والنفاق،
فإنه يقول
ذلك ويدونه
بواسطة أعماله،
فالقضايا التي
يؤمن بها والقضايا
التي تتعرّض
للهزيمة المؤقتة
هي القضايا
نفسها التي
تدفعه إلى
الكتابة، وكلما
تمكن من الدفاع
عنها بصورة
أفضل كلما
تمكن من النوم
قرير العين.
ويؤكد
الشاعر ماريو
بنديتي بأنه
لا يشعر بتعرضه
للهزيمة الإيديولوجية
لأنه سيستمر
في كفاحه الإيديولوجي
سواء تحقق
له النصر على
المدى القريب
أم لا، فالواجب
يقتضي الدفاع
عن المثل والأهداف
العليا بصورة
دائمة، وإن
الآمال والتطلعات
هي أمر لا يتحقق
إطلاقاً بصورة
كاملة، وإذا
ما تحقق جزء
ضئيل فقط من
التطلعات فإن
الإنسانية
تكون بخير.
ولا
شك أن دفاع
بنديتي عن
تطلعات وآمال
الشعب في الأوروغواي
وفي بقية دول
أمريكا اللاتينية
قد سبب له الكثير
من المعاناة
والألم، فقد
ذاق طعم المنفى
منذ عام 1973 عندما
اضطر لمغادرة
بلده متوجهاً
إلى بوينس
أيرس، ثم إلى
البيرو، ثم
كوبا، فإسبانيا،
وبقي طوال
فترة المنفى
بعيداً عن
زوجته وأمه.
وحول تلك الفترة
يقول بنديتي:"
لقد مررت بفترة
عصيبة وقاسية،
فقد هددوني
بالموت، وفصلوني،
وأبعدوني عن
مدينتي، وزوجتي،
وقد نجوت مراراً
بطريق الصدفة
وليس بسبب
التخاذل أو
التنازل. وكنت
أفضل عدم معاناة
المنفى، ولكن
ورغم ذلك فإن
المنفى ساعدني
بصورة أو بأخرى،
فمن جهة أولى
تزايد الاهتمام
بمؤلفاتي وذاعت
شهرتي مما
خفف من ضائقتي
المالية. ومن
جهة ثانية
تعلمت الكثير
من الناس الذين
تعرّفت عليهم،
ولا أقول تعلمت
من الحكومات
لأنه ليس بالإمكان
أن نتعلم منها
شيئاً. وبالتالي
فقد كان الأمر
أشبه بالمقايضة
و"التناضح"
فالإنسان يعطي
أفضل ما لديه
للشعب الذي
يستقبله، وذاك
الشعب يعطيه
الكثير أيضاً.
وذلك التبادل
المثري والواضح
والشفاف يؤدي
إلى تبديل
نفسية الشخص
نحو الأفضل
ويساهم في
نضوجه ويخفف
من تسرّعه
وحكمه المسبق
على الأشياء.
ويؤكد بنديتي
بأنه كسب كثيراً
من غربته فقد
عاد إلى بلده
حاملاً شخصية
أفضل من السابق
وأكثر انسجاماً
مع نفسه، وأشد
تسامحاً وأقل
تصلّباً دون
أن يفقد خلال
تلك الرحلة
جوهر إيديولوجيته.
ويضيف
بنديتي بأن
العودة إلى
الوطن لم تعن
نهاية المنفى
إطلاقاً، فحسب
ما يقول ألفارو
مونييس فإنه
محكوم على
الإنسان بالنفي
دوماً. ففي
الخارج يشعر
بأنه جريح
وغريب، ولكن
عندما يعود
يشعر أيضاً
بأنه منفي
لأنه قد تبدّل
كما وتبدّل
وطنه أيضاً،
بل وحتى المشاهد
نفسها ونظرات
الناس قد تبدّلت،
بمعنى أن الوطن
ما زال وطنه،
وهو ما زال
يحبه كوطنه،
ولكن العلاقة
فيما بينهما
اختلفت كلّياً،
ولذلك فإنه
يشعر بنوع
من الحنين
إلى المغترب
لأمور تتعلق
بنواحي خاصة
به.
ويتوافق
بنديتي مع
خوسيه مارتي
في الرأي بأن
الوطن هو الإنسانية،
ففي كل البلاد
التي يقيم
فيها أحدنا
أو التي لم
يقم فيها،
يوجد أناس
يعتبرون بمثابة
مواطنين له
نتيجة نمط
تفكيرهم، وتصرفاتهم،
وأفعالهم،
ومشاعرهم،
وتضامنهم،
وإن وطن الشخص
هو عملياً
هو عملياً
مجموع أولئك
الناس، ففي
الوطن نفسه
كان هناك أيضاً
جلادون ومفسدون،
وأمثال هؤلاء
لا يمكن لواحدنا
اعتبارهم من
أبناء شعبه.
ولعل ذلك الأمر
هو الذي يجعل
ماريو بنديتي
يعيش حالياً
نصف وقته في
إسبانيا، والنصف
الآخر في الأوروغواي.
ويتعامل
ماريو بنديتي
مع فكرة الموت
بكل استرخاء
ففي كتابه
"العالم الذي
أتنفسه" يقول
بأنه وبعد
تجاوز الثمانين
يصبح الموت
أمراً بديهياً،
وأفضل أسلوب
للتعامل مع
فكرة الموت
هو مواجهته،
والحديث عنه،
والحوار معه،
فهذا أفضل
سبيل لتحمل
النهاية المحتومة.
فالاعتراف
بحتمية الموت
هو أسلوب للتخفيف
من أهميته،
وإلا فإن الموت
يصبح هاجساً
قائماً باستمرار.
ويضيف بأنه
يكتب عن الموت
كثيراً لكي
لا يفاجئه،
فقربه لا يجب
أن يثبط عزيمة
الشخص، ويجب
أن يعيش الإنسان
كما ولو أنه
سيخلد.
وأخيراً
يقول الشاعر
العظيم ماريو
بنديتي بأن
معظم أشعاره
ومؤلفاته ورواياته
نبعت من كينونته
واحد من عامة
الشعب، وأن
اقترابه من
الشعب كان
غايته ورايته
الدائمة، وأن
أفضل ما حدث
له في هذه الحياة
هو أن كتاباته
دخلت قلوب
عامة الشعب
وقلوب الرجال
الصامدين والكادحين
والشرفاء دونما
طارق.
*
* *
التيه
والصراحة
لقد
كانت سنوات
تعليم شاقة
وعملية تخللتها
محطات إحباط
كاد يعدل أثناءها
عن هدفه، لكن
المثابرة والإصرار
انتصرا في
نهاية المطاف
وتمكّن ريموندو
من تعلّم النّباح.
وهو لم يقلّده
كغيره أو كالذين
يعتقدون بأنهم
يجيدون النباح،
بل تعلّم النباح
فعلاً!! فما
هو الأمر الذي
حفّزه يا ترى
على التدريب؟
لقد
كان يسخر أمام
أصدقائه قائلاً:
الواقع أنني
أنبح بدل البكاء!!.
ولكن وعلى
هامش ذلك التبرير
الفكاهي فإن
السبب الأصحّ
والأكثر واقعية
كان ولع ريموندو
شبه الخيالي
بكلبه. ومادامت
المحبة هي
الاتصال واللغة
والحوار فلن
يكون باستطاعته
أن يحب دون
اتصال.
لقد
شعر رايموندو
بأنه في قمة
مجده وانتصاره
عندما تمكن
شقيقه الكلب
"ليو" من فهمه
بعد عناء شديد،
ولم يتوقف
الانتصار
عند ذلك الحد
بل وحدث أمر
هام آخر، فقد
تمكن رايموندو
بدوره من فهم
وتفسير نباح
"ليو". ومنذ
ذلك اليوم
كثيراً ما
أصبح الاثنان
يستلقيان
عند الغروب
في فسحة الميدان
ويتبادلان
أطراف الحديث
حول مواضيع
عامة. ولكم
كانت دهشة
رايموندو
بالغة!! فعلى
الرغم من حبّه
لأشقائه الكلاب
لم يكن ليتصوّر
إطلاقاً بأن
ليو يتمتع
بهذا القدر
من الفطنة
في نظرته إلى
العالم.
وفي
النهاية تجرأ
رايموندو
أثناء إحدى
جلسات الغروب
على سؤال ليو
بواسطة عدة
"نباحات":
" أحلّفك بمحبتي
عندك يا ليو
أن تخبرني
بصراحة ما
رأيك بأسلوبي
وبراعتي في
النباح؟ وجاء
رد ليو مقتضباً
وبمنتهى الصدق:
أعتقد انك
تنبح جيداً!!
ولكن عليك
أن تتحسّن
قليلاً إذ
ما زالت تظهر
عندك لكنة
ولهجة آدمي
عندما تنبح!!
*
* *
مجرد
شرود
لم
يعتبر نفسه
على الإطلاق
لاجئاً سياسياً،
فقد غادر تراب
وطنه بحافز
غريب انتابه
على ثلاث مراحل:
الأولى عندما
مرّ به تباعاً
أربعة متسولين
في نفس الشارع،
والثانية عندما
استخدم أحد
الوزراء كلمة
"سلام" على
شاشة التلفزيون
ثم ما لبث جفن
عينه اليمنى
أن بدأ يرتعش
على الفور،
والثالثة عندما
دخل كنيسة
الحيّ فرأى
أحد تماثيل
السيد المسيح
(وليس ذاك الذي
كان يستأثر
بمعظم الزيارات)
يبكي حسرة.
ولعله
اعتقد آنئذ
بأن اليأس
سيلتهمه حتماً
على المدى
القريب لو
ظلّ في بلده،
وهو يعرف تمام
المعرفة بأنه
لم يخلق ليتحمل
اليأس بل الترحال
والاستقلال،
والتمتع وبأقصى
مشاعر التواضع.
وكان يحب الناس
غير أنه لم
يكن لينبهر
بهم، وكان
يتسلى بالمناظر
الخلابة لكن
سرعان ما يسأم
من كثرة الخضار
ويتوق لدخان
المدن، وكان
يستسيغ توترات
العواصم، ولكن
سرعان ما يأتي
يوم يضيق فيه
صدره ويشعر
بأنه محاصر
بقوالب الإسمنت
الشاهقة.
وهكذا
فمثلما جاب
وهام في شوارع
وطرق بلده
بدأ يهيم في
بلاد العالم
والحدود والبحار.
وكان على الدوام
شارد الذهن
بصورة عجيبة،
فلطالما نسي
بأية مدينة
يتواجد، ولم
يكن ليدفعه
إلى السؤال
والتأكد، بل
كان وبكل بساطة
يوغل في سيره،
وفي مطلق الأحوال
لم يكن ليأبه
بالخطأ أو
باستدراكه،
فهو يتقن أربع
لغات يمكنه
اللجوء إليها
للبحث والعثور
على أي حاجة،
ولا بد دوماً
من وجود شخص
يفهمه، بل
وحتى لو تعثّر
الكلام فإن
لغة الإيماءات
كانت جاهزة.
كان
يسافر في القطارات
أو الحافلات،
وكثيراً ما
كان يعثر على
من يجلبه أيضاً
بالسيارة أو
الشاحنة، حيث
كانت شخصيته
توحي بالثقة،
وكان الناس
يصدقونه حتى
لدى سرده الأمور
غير المنطقية.
وفي الواقع
فإنه لم يكن
يخطئ أو يكذب
فكل ما فيه
كان غير منطقي.
وغالباً ما
كان يسير وحيداً،
وهذا أمر بديهي
إذ ما من امرأة
أو رجل يقدر
على تحمل مثل
ذاك القدر
من الإهمال
والفوضى. ولدى
عبوره إحدى
الحدود كان
يعرض جواز
سفره مسترخياً
وبحركة تلقائية،
ولكنه سرعان
ما ينسى أية
حدود عبر،
ولم يكن يقيم
في مركز المدينة
إلا قليلاً
من الوقت،
بل يفضّل الأحياء
النائية حيث
يتفاهم مع
الأطفال والكلاب.
وكانت
تظهر أمامه
أحياناً بعض
المعالم التي
تساعده على
الاهتداء،
أو تجعل الأمر
يلتبس عليه.
فذات صباح
وجد نفسه أمام
إحدى القنوات
فاعتقد أنه
متواجد في
فينيسيا مع
أنه كان متواجداً
في بروخاس،
والتبس عليه
نهر السين
بنهر الرين
ثلاث مرات
على الأقل.
ولم يكن يحمل
بوصلة بل كان
يهتدي بواسطة
الشمس، ولذلك
ففي الأيام
المبلدة بالغيوم
القاتمة لم
يكن ليملك
فكرة عن موقع
الشرق، غير
أن ذلك لم يكن
ليقض مضجعه
فهو لا يفضّل
جهة على أخرى.
وفي
أحد الأيام
عرف بأنه يسير
في هيلسنكي
لأنه فرأ كلمة
(PUHELIN) على أحد الأكشاك،
وكانت تلك
الكلمة واحدة