حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

رفائيل ألبِرْتي
Rafael Alberti
(1902-1999)

قصائد لرفائيل ألبِرْتي
(من ديوان: وما خطَر على المارّة)

 

ما تركتُه لكِ

تركتُ لكِ غاباتي، وأشجاري

الضائعةَ، وكلابي الساهرةَ

وسنواتِ منفاي الهامّة.

حتى تركتُ لكِ شتاء حياتي.

تركتُ رعشةً، تركتُ هرّةً

ووهج نيرانٍ مُطفأةٍ،

تركت ظلِّي في العيونِ

اليائسةِ التي أدماها الوداع.

تركت حمائمَ حزينةً قُرْب النهرِ

وجياداً على شمس الرمال.

تخلّيتُ لك عن رائحةِ البحرِ، تخلّيتُ عن رؤيتكِ.

تخلّيتُ لك عن كلِّ ما كان لي.

فهبيني، يا روما، عِوَضاً عن آلامي

مثلما تركتُ لكِ كيما تكوني لي.

*

أَجَريمة؟

أجريمة أن تجلس في الصباحِ

وتستمعَ إلى كلمة الينابيع،

حتى تصيرَ وشوشةً، تصير صدى

همسةٍ تنكفِئ على نفسِها بلا نهاية؟

أجريمةٌ أن تنزلقَ العيونُ على

الأجشار وتهبطَ من التيجان،

لتتمرّغ على العشب وتتحرَّرَ من

زهرةٍ، كيما تقبض عليها أزهارٌ أُخر؟

أجريمة أن يسيرَ العُشّاق عُمياً، لاهينَ

عن ساعةِ الموت المحيق بهم،

ويحلموا أن الحُلم يُمكن أن يَكونَ حُلماً،

من غير خوفٍ من حياةٍ جديدة؟

أجريمةٌ التفكيرُ في أنّ ذلك جريمةً،

في حين أنّ الجريمة الحقيقيّة حقّاً

هي أنّنا نُفسحْ مجالاً للزمن

كيما يقترفَ هذه الجريمةَ كلّ يوم؟

*

قصيدة لنُصبِ أبطالِ المقاومة

ننتصبُ هنا في النهارِ، وننهضُ

في الليلِ، نقفُ في وجهِ رياحِ الوطنِ،

لسنا أمواتاً، لا.

يُمكنكُم أن تحدِّثونا

وتسمعونا، وتتبعونا

أنتمُ الذين تحيطون بنا كلَّ ساعة،

أنتُم السائرون الذين تُوقِفونَ

الخُطا هنا كلّ لحظة.

أقوى مِنَ البرونزِ أو الحجر، وأبقى

من الدهورِ القادمة، هذا هو

مثالُنا المشعُّ البسيط،

هذا هو فخرُ عبوديّتنا.

فلا نسيانٌ ولا يدٌ حزينةٌ

تقوى على دفننا.

لأنَّا أحياءٌ هنا، لأنَّا

ذاتُ الأرضِ التي تهبُنا الروح.

*

قد يكون جميلاً جداً...

قد يكون جميلاً جدَّاً أنْ أمكث هنا بهدوء،

والعالَمُ في سِلْمٍ مع كلّ الأشياءِ،

مستمعاً إلى هذه النافورةِ في الصباح،

من غير تفكيرٍ في أنّ صوتَها الجميلَ النقيّ

يسقط متحطماً في ألفِ نحيب،

في أن فوّارِاتها العشرَ المكبوتهَ

تنتفضُ نازفةً بغزارةٍ من أجلي.

يا لكِ من حديقةٍ ساكنةٍ مغلقةٍ تُبدين

لي كثيراً منْ مظاهر الهدوء، وكثيراً

من الرغبةِ في حياةٍ

هادئةٍ أخيراً، أَخيراً، أخيراً هادئة!

لكنْ، كلاّ! لأنّي أسمعُ

في أدنى هبّةِ نسيمٍ تحتكُّ

بالأزاهيرِ والأشجارِ،

ضوضاءَ عَرباتٍ مُدَرّعةٍ، وهديرَ

الموتِ النازلَ من السماواتِ، والقادمَ

منْ كُلّ الجهاتِ، وليلاً

طويلاً من الجرحى والساقطين صرعى

على الأرضِ إلى الأبد.

*

كنيسة القدّيس بطرس

قلْ، سيّدي المسيح: لِمَ

يُقَبِّلُ الناسُ قدميَّ كثيراً؟

أنا القدّيسُ بطرس أجلسُ هنا

في هذا البرونزِ منْ غيرِ حِراك.

لا أستطيعُ النظَرَ إلى جانب،

ولا الركلَ بقدميّ؛

لأن قدميّ تهرّأتا

كما ترى.

اصنعْ معجزةً يا سيّدي،

واجعلني أنزلِ النهرَ

وأصبحْ صيّاداً مرّة أخرى،

كما كانت مهنتي.


وُلد عام 1902 في بويرتو سانتا ماريّا في إسبانية التي غادرها بعد الحرب الأهلية وعاد إليها بعد وفاة فرانكو عام 1977. وفي عام 1999.

من دواوينه: بحّار على اليابسة-عن الملائكة-أراك ولا أراك-الشاعر في الشارع، روما خطر على المارّة.. إلخ.. وله أعمال مسرحيّة وفنيّة، ومذكرات سمّاها: مجموعة أشجاري الضائعة.

 

ت. علي أشقر - جريدة الاسبوع الادبي - 21.02.2004


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri