خوان رمون خيمينيث
Juan Ramón Jiménez
(1958-1881)
في
الحداثة الشعرية الأسبانية
خوان
رمون خيمنيث أو لذة نسيان الأشياء!
أمدّ
الشاعر الأسباني الكبير خوان رمون خيمينيث Juan Ramón Jiménez
تيار الغنائية الأسبانية برافد صاف غزير منذ أشعاره الأولى
في قريته مغير Moguer ثم في اشبيلية، قبل سنة 1990.
وبإقامته
الأولى في مدريد بين سنتي 1990 و1905 اغتني رصيده الرومانسي
الحداثي بفضل احتكاكه بكبار رواد الحداثة الشعرية أمثال روبين
داريو، الذي احتفي به وشجعه علي نشر أشعاره الأولى، و بايي
ـ اينكلان Valle - Inclan الذي اختار عنوان ديوانه الاول Ninfas
1900. وفي هذه الفترة سافر الي فرنسا للعلاج، ورغم مرضه لم
يُضع فرصة قراءة أعمال رواد الرمزية في فرنسا، حيث قرأ بودلير،
وفيرلان وغيرهما. وأثمرت هذه الإقامة الاستشفائية القصيرة
في فرنسا ديوان Rimas (قواف 1902) وفيه يبدو أثر الرمزية الفرنسية
واضحا.
وعاد
الي قريته الاندلسية، بعد محنة صحية، وكأنه يعود الي رحم الآمان
مشبعا بالتوجه الرومانسي معجبا بالأسلوب الرمزي وسيلة للتعبير
عما في الوجدان.
وخاطبها
بهذه الغنائية الحميمة:
عمت
سماءً، قريتي (مغير)
جبل
وسهل وبحر بعيد
...
...
أتذكرينني،
أنا الراعي التائه،
والمغني
الغريب الذي غاب في أصقاع الشمال
ذات
فجر صيفي وحيد.
ها
أنا ذا أفردك، من أغنيتي، بالكنز الذي اكتشفتُ
بين
الورود الأبهى في حدائق الرومانسيين. مختارات من شعره Gillbert
Azam ص 10).
وفي
قريته عكف علي كتابة رائعته أنا والحمار الفضي . وهي حكايات
مضمخة بغنائية فاتنة يجمعها نسيج حميمي ناعم ويحلق بها خيال
شعري خارق في فضاء تجريدي مدهش ولكنه بسيط وعار عن كل تمحل
أو تكلف.
ترسخت
الغنائية بكل مظاهرها في إبداع خيمينيث حتي اتخاذها مذهبا
لا محيد عنه، فهي عنده قوة لامادية تلهم الشاعر وتزوده بوسائل
التعبير عن مكنوناته العميقة والحميمة وتفتح طريقه نحو الجمال
والمتعة بما لا يقال من الأسرار الباطنية للروح. واتخذ الرمز
أسلوبا للتعبير عن شاعريته وأصل رموزا من ابداع خياله الخصب.
حتي عُد أفضل شاعر رمزي في اللغة الأسبانية. من هنا ما نجده
أحيانا من لبس في شعره وغموض عميق تبدو من خلاله صور متماسكة
بحميمية مع كل ما هو خفي في تضاعيف الواقع حيث تقوم عناصر
الطبيعة وتقلبات المشاعر الإنسانية بدور رمزي يضيء حالات ومواقف
حياتية بعيدة الغور والدلالة.
في
هذه المرحلة ظهرت كتبه (مواويل حزينة 1903 وحدائق بعيدة 1904).
وتوج
هذه الدفقة الإبداعية بـ (Ele-jias مراث) 1906 ـ 1909وهي قصائد
من عيون ابداعات الحداثة الشعرية في القرن العشرين. و(رعويات
1911).
وبعد
فترة من الاعتكاف في قريته متفرغا للشعر وتأمل الحياة والطبيعة
من خلاله، عاد الي مدريد واستقر بها بين سنتي 1912 و 1916،
في اقامة الطلبة . وهي مؤسسة تربوية ثقافية تحققت بمبادرة
من المفكريْن الرائديْن رمون اي كخال ومينيديث بيدال بغاية
ايجاد مناخ تربوي وثقافي متحرر من الفكر الرمادي السائد حينئذ
في اسبانيا الكاثوليكية المحافظة. وسرعان ما أعطت هذه المبادرة
ثمارها واستوت مجمعا لنخبة من المفكرين والمبدعين من فرنسا
واسبانيا، وملتقي خصبا تتكامل فيه أنساق فكرية مختلفة، وملجأ
تربويا ليبراليا مدعوما برؤية ثقافية متحررة شاملة، وقناعة
حاسمة بقيم الحقوق الفردية.
دأب
المشرفون علي هذه المؤسسة ـ بسابق تخطيط- علي استدعاء كبار
مفكري العصر للحديث الي طلبتها. وهكذا جلبوا الي المحاضرة
والحوار مع لمقيمين بهذه المؤسسة اعلاما مثل ماري كوري وأنشتاين
وكلوديل وبيرغسون.
وكان
من بين الطلبة المقيمين بها : الرسام العالمي سالفادور دالي
والشاعر غارسيا لوركا والشاعران الشقيقان ماتشادو (أنطونيو
ومنويل) والشاعر الحداثي الرائد خورخي غيين.
في
هذا الفضاء الخصب قضي خيمينيث أربع سنوات حاسمة في تحديد مساره
الفكري والابداعي. وباسم المكان الذي كانت تقع فيه هذه المؤسسة
سمي ديوانه La colina de los chopos.
وبفضل
تراكم تجاربه الشعرية وتفاعلها مع تجارب غيره من الفنانين
والشعراء والمفكرين الذين عايشهم مباشرة خلال إقامته هذه،
امتلك خيمينيث كل المؤهلات الضرورية لتعريف جديد برسالة الشاعر
في الحضارة المعاصرة.
فقد
استوعب الحداثة في كل أبعادها، واتضحت نظرته إليها فوصفها
بما يدل علي هضمه السليم لكل عناصرها حين قال عنها انها حمية
التجدد والتحرر، وما هي مدرسة ولا نمط حياة، بل هي ظاهرة عصر
وممارسة حياة. وهي ليست حركة جمالية فحسب، بل هي في عمقها
أزمة روحية منذ انطلاقها من ألمانيا في أواسط القرن التاسع
عشر بالاهتمام بالشأن الديني في محاولة مشتركة بين ثيولوجيين
كاثوليك وبروتيستانت للتوفيق بين المستجدات العلمية والمعتقدات
الدينية (Juan R. Jim‚nez. Gilbert ص 44).
أتاح
التفكير الحداثي في الشأن الديني مناخا تصويريا استفاد منه
خيمينيث في تجدد انشغالاته الجمالية وتجاوز هواجسه الميتافيزيقية.
ووجد في الشعر بقيادته نحو المطلق والخارق الذي لا تمت قدسيته
الي (الاه) الارثوذوكسية الكاثوليكية. ورأي أن ما هو أساسي
هو الوصول بقنوات الجهد الروحاني الي مشارف (الربوبية).
هيمن
هاجس الخلود علي شعر خيمينيث في كل مراحله وحفل بميتافيزيقا
شعرية باحثة عن وعي باطني باللامحدود من ذواتنا وعن الاسم
الكامل والحقيقي الذي تنتظره الاشياء منا. وبازدياد تراكم
تجاربه الشعرية لم يعد يكتفي بالكشف عن الكائن الميتافيزيقي،
بل طمح الي ادراك ذات الله بواسطة الشعر المتحول الي صوفية
حقيقية طبيعية.
وكانت
سنة 1916 حاسمة في حياته الشخصية والشعرية حين اتفق مع امرأة
عمره علي السفر الي الولايات المتحدة بقصد الزواج. وأثمرت
هذه التجربة العاطفية والحياتية ديوانا رسم حدا فاصلا بين
مرحلتين شعريتين هو: يوميات شاعر حديث الزواج الذي افتتح به
مرحلة شعرية جديدة انشغل خلالها بهاجس الوصول الي شعر خالص
لحمته تأمل رؤيوي عميق وسداه غنائية استيطانية شفيفة. وفي
سبيل انصرافه الي البحث عن الكلمات التي تطابق حقائق الأشياء،
وعن القصيدة الخالصة الوحيدة، ضحي بشريحة واسعة من قرائه لم
تستطع التحليق في فضاءاته البعيدة والغوص في أغواره العميقة.
وهكذا
يمد خيطا واصلا بين طرفي حياته، من حداثيته الأولى حين اكتشف
الورود الأبهي في حدائق الرومانسيين، الي تأمل ديني يتجاوز
المقدس الجاهز ويتوق الي مزيد من الوعي بجمال العالم، والي
صفاء يوحي يستوي فيه الموت والنشيد.
وحين
التقي في دواخله بـ أنا أكبر من أناه وأحس أن روحه لا حدود
لها وفي وسعها أن تحتوي كل شيء، بل هي كل شيء، هتف:
يا
للمجد واللذة والفرح
يا
له من نسيان الأشياء! المرجع السابق ص 28).
وعلي
امتداد ذلك الخيط اللامع الواصل بين طرفي شاعرية خيمينيث،
تومض نجوم من مجرة شعرية مأهولة تمتد من اعتكافه في رحم قريته
بحثا عن ذاته، الي التقائه بـ أناه الأعمق وامتداد روحه الي
آفاق لا حدود لها.
من
هذه المجرة التقط نقاط ضوء، واقترح لها ترجمة ممكنة:
شاعر
(كتبها
سنة 1911، وهو يحاول تجاوز سوداويته وانطوائه، ويتجه إلى فضاء
شعري أرحب)
حين
أفتح هذا الكتاب
يتطهر
قلبي بغتة
مثل
كرة بلورية.
وتضيء
روحي
بنور
مصفي بريحان مسائي
وان
لم أر شمسا،
يا
لهذا الثراء الذي يملؤني
كأني
طفل لم يفقد شيئا من كنزه الحي
ولم
يزل في انتظار كل زنابقه.
ما
الموت إلا للآخرين.
والكل
شمس ومجد وفجر
وحب
وعيد.
إلى
شاعر
(إلى
كاتب لم يكتب)
نصدق
الأسماء
فيولد
الإنسان ثم تنشأ الأشياء
ولن
يبقي في آخر المطاف
إلا
عالم الأسماء
حرف
من حب الناس
وآخر
من عشق الورد،
من
الورد والحب لم تبق إلا الأسماء.
نصدق
الأسماء.
(1911
قصائد غير مشخصة)
الجبين
المتأمل
من
يدري ما الوجه الآخر للوقت
كم
مرة كان الفجر خلف الجبل
وكم
للأفق الفوار الجليل
من
ذهب في أحشاء الصواعق
تلك
الوردة كانت صيفا
وكم
وهَب ذلك السيف من حياة.
حسبت
أعلي الطريق مرج زهور
فكان
مستنقعا،
حلمت
بمجد الإنساني
فصادفت
مجد الألوهية في أعماقي
(La
frente pensativa 1912-1911)
الشاعر
الشجرة
أيها
الشاعر المنتهي
يا
شجرة مغروسة بك، وبك وحدك تنبت
بمشيئتك
المديدة وأرادتك الحرة!
يا
البهاء ما تستطيع أن تهدي الي ذاتك
أيها
الشعر
من
أغصان وأوراق وزهور وثمار،
كيف
تقدر أن تؤلف
مع
الطائر والريح والمطر والسحابة
والبحيرة
والصخرة
كمال
التناغم
ومنتهي
جمال المغامرة الأخيرة والأولي.
منك
البداية والنهاية
بالرمزية
روحك الخالدة في الحياة
في
لحظة قصوى من وعيك بالجمال الأسمى
وأنت
في ربيعك الغارب.
وعلي
الأرض حب من جذورك
وتحت
السماء عناق من غصونك!.
ترجمة
وتقديم: محمد الميموني - (القدس العربي)