كورت توخولسكي
Kurt Tucholsky
(1890-1935)
من
قصائد كورت توخولسكي
تريك
المدينة أحزانك
وبريق الإسفلت
قبل
الكلام على الشاعر توخولسكي، اود التعبير عن أسفي وحزني على
مكتبة فايمار العريقة التي أتت النار على قسم كبير منها قبل
بضعة أيام. وعزائي الوحيد،رغم غضبي من النار التي التهمت اكثر
من ثلاثين الف كتاب، أني رأيت هذه الكتب.ففي إحدى زياراتي
الى المانيا قبل سنتين لالقاء بعض قصائدي تسنى لي ان ازور
هذه المدينة الجميلة والعريقة والرومنطيقية، فايمار، مدينة
غوته الذي دخلت بيته ورأيت طاولته وفراشه والحصى التي كان
يهوى جمعها والحديقة التي كان يحبها. كما رأيت بيت احدى عشيقاته،
وكن عديدات وشجرة الغينكو المزروعة في احد شوارع فايمار والتي
ذكرها غوته مرارا في قصائده.
لكن
يبقى الأهم ، تلك المكتبة العريقة والثمينة التي أنشأها غوته،
وهو نفسه اخذ يطلب الكتب حتى جمع لها ثلاثين ألف كتاب. وتلك
الكتب هي التي اعلن التلفزيون عن احتراقها والتي جمعها غوته
بنفسه وقرأها، مثلما قرأها معاصروه ورفاقه ممن جذبتهم مدينة
الثقافة أنذاك وبلاطها، واذكر منهم شيلر وفيلاند وهردر.
دخلت
يومذاك المكتبة ورأيت الكتب التي لمستها أيدي شعراء كبار.
واليوم اكتفي بالذكرى.
وبالعودة
الى الشاعر كورت توخولسكي، وهو احد أهم شعراء الحداثة في المانيا،
فاني تعرفت الى قصائده خلال زيارتي الاخيرة الى المانيا في
حزيران الفائت لحضور ندوة ادبية دامت أسبوعين زرت خلالها ثلاث
مدن المانية هي ميونيخ ولايبزغ وبرلين. وخلال هذه الزيارة
اتيحت لي رؤية الكاتدرائية التي دفن فيها المؤلف الموسيقي
باخ، وبيوت كل من راينر ماريا ريلكه وتوماس مان والرسام بول
كلي وهرمان هيسه والبيت الذي سكنه لينين بين 1900 و1901 وبيت
بريشت.
خصص
لتوخولسكي حيز كبير في قصر ملكي في مدينة راينزبرغ وهو كالمتحف
وتحمل احدى رواياته اسم هذه المدينة.
عُرف
توخولسكي تحت أسماء مستعارة متعددة، منها بيتر بانتر، تيوبالد
تيغر، اغناتز فروبل، كاسبار هاوسر. كما عُرف روائيا وشاعرا
وصحافيا، وهو من الأسماء الأكثر بريقا في الأدب الالماني الحديث.
يتميز شعره بالسخرية الطريفة وبالحزن والخيبة والحنان في الوقت
نفسه. وإن كان مزاجه سوداويا احيانا فسرعان ما كان يضفي عليه
مسحة الفكاهة مهما بلغ يأسه من الحياة.
ولد
توخولسكي في 1890 وتوفى منتحرا في 1935. كان دائم الشعور بالإحباط،
تزوج مرتين ولم ينجب وعاش حياة تسكع بين فرنسا والمانيا واسوج.
والقصائد التي أنجزت ترجمتها هناك كتبها توخولسكي في الثلاثينات،
ضمن مجموعته “هكذا أنت تبدو”.
يدا
الأم
--
أنتِ قطعتِ لنا خبز الصباح
وحضّرت
لنا القهوة
ووزّعتِ
علينا الابريق
ونظّفتِ
وحكتِ
وحرّكتِ
وعملتِ،
كل
هذا فعلتِه بيديكِ.
--
أنتِ غطّيتِ الحليب،
ودسستِ
في جيوبنا حبّات الحلوى
ووزّعتِ
علينا الجرائد
وعددت
قمصاننا
وقشّرتِ
حبات البطاطا،
كل
هذا فعلتِه بيديك.
--
أنتِ، في بعض الأحيان،
عندما
كنا أشقياء،
كنتِ
تصفعيننا على رؤوسنا.
أنتِ
ربّيتنا
كنّا
ثمانية،
لم
يبقَ منّا سوى ستة،
كل
هذا فعلتِه بيديكِ.
--
كانت يداكِ في الدفء، وفي البرد
انهما
الآن عجوزان،
اقتربت
الآن من النهاية.
إننا
نقف الآن هنا،
ثم
نأتي إليك
نقبّل
يديك ونلمسهما.
عيون
في المدينة الكبيرة
--
عندما تذهب الى عملك
في
الصباح الباكر،
عندما
تقف في محطة القطار
برفقة
أحزانك ومشاكلك:
تريك
المدينة
بريق
الإسفلت،
وفي
هذا التجمع البشري،
ملايين
الوجوه:
عينان
غريبتان، لمحة بصر سريعة،
الحاجبان،
المقلتان، الجفنان. ما كان هذا؟ ربما سعادة حياتك، لكنها تمضي
وتغيب، أبدا.
--
تمشي طوال حياتك
في
ألوف الشوارع
ترى
في سيرك،
كل
ما نسيك.
عين
تغمز، روح تنشد.
ووجدتَ
لبضع
ثوان فقط،
عينين
غريبين، لمحة بصر سريعة، الحاجبين، المقلتين، الجفنين.
ما
كان هذا؟ ما من إنسان يستطيع أن يعيد الوقت إلى الوراء،
كل
شيء ينتهي، يمضي، ولا يعود البتة.
--
عليك أن تتسكع، في طريقك عبر المدن.
وطالما
ينبض قلبك،
ترى
هذا “الآخر” الغريب.
قد
يكون عدوا،
قد
يكون صديقاً،
قد
يكون رفيقك في القتال،
يمر
قربك ثم يمضي.
عينان
غريبتان، لمحة بصر سريعة،
الحاجبان،
المقلتان، الجفنان.
ما
كان هذا؟ قطعة صغيرة من البشرية الكبرى. كل شيء يمضي ويغيب،
الى غير رجعة.
الحلم
--
بلى، هذا ما أتمناه:
فيللا
وسط حديقة خضراء مع سطيحة كبيرة،
قبالة
بحر البلطيك، ورا ء شارع فريدريش،
تطل
على منظر جميل ريفي ومديني،
كما
اتمنى ان ارى في الحمام قمة الجبل،
وأن
تكون عند المساء صالة السينما غير بعيدة.
كل
هذا بسيط، وغاية في التواضع:
--
تسع غرف، بل عشر!
حديقة
مسقوفة، حيث تنتصب عالية أشجار السنديان، راديو، تدفئة مركزية،
مكنسة كهربائية،
خدم
مهذبون وصمّ
امرأة
لطيفة، متميزة ومثيرة،
(وأخرى
لنهايات الأسبوع)،
ومكتبة
وأدواتها،
عزلة
ما وطنين الدبابير.
--
في الإسطبل: حصانا بوني وأربعة أحصنة أصيلة،
ثماني
سيارات، دراجة نارية، كلها تسير طبعا من تلقائها. كم قد يكون
هذا مضحكا!
وتذهب
أحيانا في نزهة صيد حيوانات الغابة.
--
بلى، وهذا ما كنت نسيته تماما:
طبخٌ
من الدرجة الأولى، افضل المأكولات،
نبيذ
معتق في كؤوس جميلة،
ومع
ذلك تبقى نحيفا كالأنقليس.
والمال.
وقسط من الزينة.
ومليون
آخر، ومليون آخر.
والسفر.
وحياة سعيدة ومتنوعة.
وأطفال
رائعون. وصحة دائمة.
--
بلى، هذا ما أتمناه!
لكن
كيف هي الأمور في هذه الدنيا:
أحيانا
تبدو متواضعة، كما نتعلم فقط شيئا فشيئا،
والسعادة
في هذه الدنيا
دائما
تخيّبك، في أي حال، قليلا.
إن
كان لديك مال، لا يكون لديك امرأة.
إن
كانت لديك امرأة، ينقصك المال.
إن
كان لديك الغيشا، تزعجك مروحتها اليدوية:
ثم
سرعان ما نفتقر الى النبيذ، سرعان ما نفتقر الى الكأس.
دائما
ثمة شيء.
اطمئن.
في
كل سعادة خدش صغير.
ونرغب
في الكثير: أن نملك. أن نكون.
وان
يكون كل شيء صائبا.
لكن
أن نحصل على كل شيء، فهذا أمر نادر.
ترجمة:
صباح زوين - النهار - 2004