جيرمان دروغنبرودت
Germain Droogenbroodts
(1944-....)
دروغنبرودت..
فجر المغني
ولد
الشاعر البلجيكي جيرمان دروغنبرودت عام 1944 بروليغيم الواقعة
في مقاطعة فلاندر الغربية ويقيم، منذ عام 1987، بإسبانيا،
في ريف مدينة أليكانتي المتوسطية. يكتب باللغات الفلامانية
والفرنسية والإسبانية والكاتالانية والألمانية والانجليزية،
كما اشتهر بترجماته الموفقة لتجارب نوعية في الشعر الغربي
المعاصر ومنها تجارب راينر كونز، وبيتر هوشيل، وميغيل هيرنانديز،
وخوسيه أنخيل بالنتي وإعداده لأنطولوجيات ضمت منتخبات ترجمها
من الشعر البلجيكي، المكتوب باللغة الفرنسية، والإسباني والكاتالاني
والنمساوي والألماني والمكسيكي والصيني والكوري. قدم قراءات
شعرية ومحاضرات في ملتقيات عالمية انعقدت بإسبانيا ورومانيا
وإيطاليا ومقدونيا وتشيكيا وسلوفاكيا وكوبا والمكسيك وتايوان
والتايلاند والهند والنيبال ومصر. وإذ نشر دروغنبرودت مقالات
نقدية وقصصا قصيرة ونصوصا دون فيها رحلاته إلي مختلف بقاع
المعمورة فإن الشعر يبقي شاغله الأساسي وفي هذا المنحي تجدر
الإشارة إلي بعض من أعماله الشعرية مثل 'الأربعون' (1984)
و 'غيبة محسوسة' (1993) و 'هل تعرف البلد؟' (1995) و 'محاورة
مع الماوراء' (1997)، الذي نال عنه جائزة بوكينكس الشعرية
لنفس العام، و'الطريق' (1998)، الذي ترجمه إلي اللغة العربية،
عام 2002، الشاعر الحداثي المرموق فؤاد رفقة، ثم القصيدة الديوان
'ويستفيق المغني' (بدون تاريخ)، المكتوبة أصلا باللغة الإسبانية،
والتي نقدم ترجمتها هنا نقلا عن الترجمة الفرنسية التي أنجزها
الشاعر الفرنسي جاك أنصي، إضافة إلي إطلاقه لمجلة 'الشعر المعاصر'
التي تصدر في طبعتين، إسبانية وبلجيكية.
هذا
الشاعر العميق الذي تلقي القسط الأوفر من تربيته الشعرية والفكرية
في رحاب الثقافة الألمانية، وهو ما يؤالف بينه وبين فؤاد رفقة،
ليكتب قصيدة من طراز متقدم ومتجاسر هاجسها تقشير اليومي والتعرية
عن ثخانته.. التقاط التشذرات والمفارقات.. والتكنية عن اختلاطات
التاريخ وانصداعات الذوات وذلك تطلبا لمعني الوجود المتجوهر
والعصي، متوسلة بمفردات وموضوعات ومحكيات ومجازات علي درجة
من التغوٌر والابتداع ترتفع بها، أي القصيدة، إلي مرقي عالم
متخيل، طازج ومبتكر. ولأن لغة التعبير الشعري أرحب مما تلقاه
في تربيته تلك ولكون جغرافيا الاستبصار الشعري أشسع من تراب
مسقط الرأس فإنه سوف لن يكتفي بتعلٌم العديد من اللغات وتدريب
مخيلته علي تطويعها تمثلا وأداء وإنما سيردف إلي خروجه اللغوي
الدال خروجا كيانيا لايقل عنه دلالة لٌما صمٌم علي الفرار
بجلده وروحه كليهما من بلجيكا الفلامانية، التي سيعتبرها مجرد
إقليم لغوي وثقافي الأنسب أن يلحق بهولنده، بله الإفلات من
قتامتها الفادحة، قاصدا إسبانيا، وحيث فائض النور والوضاءة،
متقصيا في ربوعها شفوفا أكبر ونصاعة أوفي أو مترسما، بالحريٌ،
مطالع شمس الدخيلة والكون سواء بسواء.. هناك في وهاد البرية
الإسبانية العظمي التي ياما جابتها روح الشيخ الأكبر، محيي
الدين بن عربي، كما روح حفيده الأندلسي الرمزي الفذ، خوصي
أنخيل بالنطي.. هناك في نهار ليل الأزمنة، نهار ليل القصيدة.
حيلة
زمن
بتمامه ينطوي حين الروح تأخذ بزمام انهوائها
صوب
العمق السحيق
للكينونة
مبتغاها
أن تستريح
أن
تتنصل من قدر استدامتها
المرجأ
أبد الدهر
هل
من حيلة تجدي في فكٌ لغز الصور
العلامات؟
كيف
السبيل إلي رسم الخطوط من جديد
توليف
النشيد ثانية
كيف
السبيل إلي الغناء؟
أسفل
الأرض
ما
انفك يخفق الكلام.
يطرد
عنه غفوته
موت
الروح
الدفينة
طيٌ
التراب علي مقربة من الجسد
ذلك
الزئبق الهجين
للذكري،
المستودع
في
ذمة الليل.
ينبلج
الصبح، صمت مخروم
وشاحات
من ضباب، مقاطع
من
حلم
وفوق
أشجار الصنوبر
ما
فتئت هناك آثار.
وينبلج
الصبح، صمت الليل
المخروم.
فجر
الصمت
يندحر لمرة أخري
مثلما
يذعن الليل
وئيدا
لسطوة الفجر
بينما
سليلو العتمة ليسوا أكثر من بقايا حلم
أو
موت بعينه
فلا
صوت غير
الوجيب
الفاتر للروح
والكلمات
تنشقٌ ثانية
عن
كلمات مبذولة
شبيها
بعلامات تلاشي سحرها
وقد
زجٌ بها في بئر الكون المدلهمة.
العنكبوت
في
ثنايا الشفق الأشد عتمة
يتربص
عنكبوت ما
ظلال
تلوذ بالصمت
وريح
تذرو ما تيسر من رماد بين فينة وأخري.
شعلة
ضامرة
تتقد
لهنيهة ريثما تأخذ بأسباب مواتها
لتموت
ميتة ذبابة ناشفة من دمها
في
ثنايا الشفق الأشد عتمة.
أفعي
مثلما
أفعي
أو
ليكن جنس من زواحف أخري
قيض
لها أن تتجذر عميقا في الجسد
هناك،
في ذاك الباطن لاتتورع عن أن تضرب بلا هوادة
أن
تلسع وتدمر
تاركة
الإجهاز علي ضحيتها إلي حين
لكنها
لاتتراخي قيد أنملة
عن
نخر الجسد المنهار أصلا
الناشف
مثلما
تنشف دار تطوقها اللعنة، منذورة
للانتصاب،
من تلقاء ذاتها، داخل مصفوفة مبان متعامدة.
كسرة
هو
يدري ما يحبل به غده
المصادر،
غير القابل للإيجار.
طريق
الكسرة
قد
يسعف بالكاد
أو
يمتنع بالمرة
هذه
الطريق لاتفعل شيئا من غير الإيماء
إلي
جهات كيفما اتفق
هي
ما فضل عن الوحدة
المتشظية
خراب
براري
من شوك
ومن
حجر.
ذاك
الأخضر المطوح به قصيٌا عن العين
ذاك
الزمن المتخثر.
رمال
تترجرج وفي الأذن
اصطخاب
المقضب رهن الشحذ.
أيتها
المنيٌة لترفعي محجنك عن جسدي.
ميتة
هي الجذور
والشجرة
المتساقطة أوراقها.
أو
يتعلق الأمر باستكشاف وجه
بلا
جدوي؟
بامريء
آخر فاضل ووقور
بمن
يعيٌن نقطة الوقوف
في
هباء الليل.
كما
لو أن هذا الصمت
تقويض
ليس إلاٌ
يغوص
شأن بيت من الشعر
في
لب الخشب المسٌوس مسبقا
متروكا
لحاله من قبل الرب ووحدها الساعة
تتولي
تخمين
الخطي
العشوائية
للقادم
الغريب
عجبا
كيف يدوم احتراق الكلمات
علي
شفا اللسان
عجيبة
استماتتها كيما تفلت
من
محبس اللغة
المنيع.
أيتها
المادة السرمدية، ياضوءا
ناجيا
من الطوفان.
أيتها
الروح، ياسريرة
رجائي
ألاٌ أترك لوحدي
فليكن
مجيئكما جهة النهار حتي توقظاني.
أو
يوجد فيما وراء الليل
مزيد
من الليل
ضوء،
ألق
نهار
يرمٌم يقظته؟
ريح
عاتية
لاتني
تلطم الشراع الأبيض، الطائر
التائه
في نير
شفوف
لاغبار عليه
ها
هو يحترق
في
ردن فجر متأجج
كذا
يحط الكلام
مثلما
تحط حمامة
أعياها
فرط التحليق في الأعالي
لكن
مترعة بالامتلاء..
وفاة
النفحة
المسلوبة
هكذا
بلا حتي أدني مآل بديل
سوي
ما كان من خيار التٌهشٌم
في
غمرة عدم
لايسلس
حقيقته أبدا
الغد
المتناثرة هيئته
المختلس
من قبضة نهار طالع
قريحة
مشرعة
وزمن
11 يدمن نبضه.
ترجمة:
بنعيسي بوحمالة / المغرب - 2004