حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

خوان خيلمان
Juan Gelman
(1930-....)

 

الشاعر الأرجنتيني خوان خيلمان

"الشعر طوق من أسئلة ترافقني منذ طفولتي"

كلمة الألم بمساحيق التجميل

"الشعر نظرة ثاقبة.. وطوق من أسئلة ترافقني منذ طفولتي في المرفأ الذي ولدت فيه. وهي أسئلة لا تبحث عن أجوبة، بل تتغذى بالإبهام وصراع الأضداد والمفارقة التي تحددها كصدفة مبيتة أو انفعال منطقي. والشعر بالنسبة لي يمتلك أنفاس السفر، والمصير المجهول، والمغامرة، والحرية التي تتسع عند كل طريق جديد. والشعر يملك لهاث الإبحار لدى الدخول إلى أماكن مجهولة. وبالمختصر فإنه "تلك الأرض الأخرى" التي نتنسمها، ونستشرفها، وبالكاد تراها عين المسافر، ويمكن القول بأن الشعر هو أعمق ريبورتاج يمكن إجراؤه مع الحقيقة وبواسطة كلمات ضئيلة تعوم في بحار الصمت الشاسعة. والشعر في بحث دائم عن ثقل الكثافة، وهو حوار الجوهر والتداعيات الباطنية، وصلصال صنعت قوالبه يدان اثنان هما: المخيلة، والذاكرة!!

وثمة حالات تترابط فيها المخيلة والذاكرة لدرجة تؤدي إلى خلق ذاكرة أخرى يتحول فيها حلم الحقيقة إلى حلم الكتابة. وأعتقد أن المعايشة هي ابنة التجربة. وأسوة بالحقيقة التي توقظها فإن المعايشة تملك العديد من الملامح، والمخيلة بدورها تقوم باستنطاقها، والحصيلة تكون الكتابة، والنظم. وبذلك فإن الشعر هو شجرة وارفة الظلال بدون أوراق. وبالنسبة لي فقد آمنت دوماً بالخياليات مثل الحرية والشعر الممكن أن يكونا الشيء نفسه، ومثلما قال الكاتب الغواتيمالي المعروف لويس كردوسا وأراغون فإن الشعر هو "التأمل المسبب للدوار!!".

بهذه الكلمات يحاول الشاعر الأرجنتيني الشهير خوان خيلمان طرح وجهة نظره حول مفهوم الشعر موضّحاً سلفاً بأنه لم يكن في نيته أبداً تحديد ماهية الشعر خشية أن يقلّص آفاقه ويقيّده بمحدودات الشاعر نفسه.

ولد الشاعر خيلمان عام 1930 في أحد الأحياء الشعبية في العاصمة بوينس ايرس، ويعتبر من أكثر شعراء الأرجنتين شهرة على صعيد أمريكا اللاتينية وأوربا والعالم عموماً، وقد ترجمت دواوينه وأعماله الأدبية والصحفية إلى العديد من اللغات الأجنبية، وجرى إصدارها في عدة عواصم أوروبية وأمريكية لاتينية، كما نال العديد من الجوائز الهامة مثل جائزة "خوسيه ليزاما ليما" التي منحته إياها الحكومة الكوبية لقاء ديوان " بالرغم من كل شيء" والجائزة الوطنية الأرجنتينية عام 1997، وجائزة "خوان رولفو" الأمريكية اللاتينية عام 2000 وجائزة رودلفو وولش عام 2000، وجائزة "رامون لوبيس فيلاردي" ، وجائزة "لريسا" الإيطالية.

يقيم خوان خيلمان في المكسيك منذ 16 عاماً، وقد زاد اسمه شهرة من خلال نضاله المتواصل في سبيل معرفة مصير ابنه مارسيلو خيلمان وزوجة ابنه كلاوديا إروريتاغوجينا اللذين اختفيا في عهد الحكومة الدكتاتورية العسكرية في الأرجنتين في حقبة السبعينات، وقد تمكن خيلمان منذ بضع سنوات من استعادة حفيدته التي كانت أمها حامل بها عندما اعتقلها العسكر. وما زال خيلمان يبحث عن رفات الأم " "التي أوقفوها وهي حامل في الشهر الثامن وأرسلوها إلى الأوروغواي كما لو كانت عبوة لإحدى المنتجات"، وهناك في الأوروغواي التي كانت أيضاً ترزح تحت حكم الدكتاتورية العسكرية جرى إعدام الأم بعد أن نزعوا ابنتها من حضنها وسلموها لأولئك الذين اضطلعوا بتربيتها.

هذا وإلى جانب ديوانه الأخير "كان سوف يكون!!" أصدر خيلمان عدداً من الدواوين الشهيرة مثل : "الكمان وأشياء أخرى.." و " غوتان" و " أشعار سدني وورد" و "الكلمة" التي هي عبارة عن مجموعة لمعظم أعماله في المنفى، و"اليوم وغداً وأمس" و "رسالة إلى أمي" و " رسائل الزنديق" و "ناقصاً".

ويمكن وصف الكتاب الأخير للشاعر خوان خيلمان " كان سوف يكون" بالمشكاة الباهرة، لأنه يلقي هنا وهناك أضواء من الذاكرة، والحب، والفراغ، والأمل ، والعذاب، وذلك من خلال استعراض مواضيع تتراوح بين حالات الإبداع الباطنية ، وواقع الحال في هذا العالم .

ومن خلال عنوان الديوان "كان سوف يكون!!" يبحر الشاعر في زمن مبهم، ويسلك أرضاً جوفاء تقع بين الماضي والآتي، ويقول بأنه ما بين "كان" و"سوف يكون" لا توجد فواصل ولا مواقف أو محطات. والزمن اللامحدود بالوقت الذي يعنيه الشاعر هو زمن الأرجنتين " البلد الذي كان ينشده الكثيرون ولكنه لم يتحقق بعد، وهو بلد لم ينشده جيل الستينات والسبعينات فحسب، بل كان ينشده الآباء والأجداد. إذ كيف يعقل أن يكون هناك أطفال يتضورون ويموتون جوعاً في بلد يكفي لإطعام 360 مليون نسمة؟! . وبالطبع فإن العنوان والبلد المنشود لا يقتصر على الأرجنتين فلكم من بلد آخر مثلها، ولكم من بلد آخر يكمن في باطن وداخل الكثيرين منا ؟!".

وعلى غرار بقية أعماله الأدبية فإن أحد المحاور الرئيسية لديوان خوان خيلمان الجديد هو الذاكرة التي يقول بأنها " تدخل مساء على بيت موبوء" مضيفاً "أنه باستطاعتي إبداء رأي حول استخدام الذاكرة وكيف تحكم عليها السلطات بالعقم عندما تتعارض مع أهدافها، فيصبح تذكّر الماضي عملاً سياسياً". ويستعرض الشاعر في ديوانه الجديد الحلول لمشاكل ساخنة مثل حالات الفقدان التعسفية، والحروب "التي تحول العالم إلى مستشفى!!" ووفيات الأطفال. وحصيلة كل ذلك جاءت كتاباً باهراً ساطعاً وعميق المفاهيم يهتم بالبحث عن الجوهر دون الابتعاد عن الأحاسيس والمشاعر.

قصائد من ديوان "كان سوف يكون!!"

للشاعر اخوان خيلمان

مشاهدة

المطر يذيب المساء، وثمة

تفكير يتشبث بالقطرات

تحتمت عليه الموافقة.

الزيّ التنكري يحدّق

في الخيول التي تدوس الليل بسنابكها

لكي يأتي خبز آمن،

بدون ازدراء.

جسدك من خيوط تحفر فراغاً هائلاً

في عينيّ.

إنه رفيق تأخري في الرحيل.

لقد قلت لأني لم أقل.

في الخارج ابني لن يعود.

أين أضحى نجم سُهيلك

المكرّر القراءة كالدرس.

ثمة مشاهد غير آمنة

تسقط من الشفة المعضوضة الهيكل

غير المكتمل لضربة صمت.

 

المطاردة

الحزن هو حدث.

ابتلاع الحزن هو فعل.

وبين الحدث والفعل يمر

قمر طفولي وكتاب أبيض ،

زينوا فيه كلمة الألم بمساحيق

التجميل.

وهي تبدو الآن كثمرة،

وكصُدفَة، وكجزيرة وحيدة

على الأرض.

وفي القاع يمكن رؤية هلع

طيور غامضة تقتل

نسيان الندامة.

لا تهاجر إلى ما هو أبعد

من مولد الهذيان.

ثمة أحد يتكلم في نسختي

وارتعاش مُطارد يصدر الضجيج.

 

الرسالة

قطّ بخسٌ، قذرٌ، وحيدٌ

في الشارع يشتمّ رائحة رسالة

انتشلها أحد ما من دمه .

ينظر

كلمات ملقية، يشتمّها

مثلما يتوجب شمّ الكلمات.

مثله الذي يراها عن قريب بعيدة.

الرسالة الملقية موجودة هنا،

لعقها الليل

القط يحدّق فيها، ويتحسسها.

وما من أحد آخر.

 

ورود

الذكريات القديمة التي تُصنع اليوم

تعرّي الماضي، وثمة ورود

للا النفي التي تخلف وراءها

ترهات اللغة التي تحلم.

الفعل الذي كان يحطمك

عقيدة قناع بشري عبثي؟

هذا شديد الوطأة

بثقل الصعوبة التي تسقط

على قُصّ الصدر، بستان النخيل، العمياء.

الورود تحكي عن أفعال الجُدجُد

عندما يكون ظلك هو الورق.

 

* * *

 

تانتا

مهداة إلى الشاعر خورخي بوكانيرا

على فراش من أحجار ينام

سلب الأحلام، اللسان المقطّع إرباً

لذكرى القبّرة الجميلة.

وكانت الجموع التي تلتهم المرتفعات

والوجود الذي يقاوم الاتساخ

ونور الحظ الغاضب

يسألون: ما هي القبرة؟ كل

شئ يصبح اسمه حباً عندما يسمونه كذلك

ثمن الوردة التي تثلّم الدماغ بسكتها

مخترقة تعاسات لا تحصى، تحت

وفوق، ومقابل، وحول.

 

العراق يا أندريا

هكذا هي الحال.. إنهم يسلبون الحياة

ساعة الترجّل ، رقصة الخريف

كلمات أطفال

مثلك

لا أحد يهيئ كفن

الورود التي لن يروها.

للصمت صرير في الصباح المحاصر

أغمض العينين وأرى

الآخر الذي لن نحظى به.

أيتها السويقة الخضراء

غوصي في نارك.

 

من جانب لآخر

الفكرة التي تفلت

لا تبحث عن شحم الكلمات

ولا عن مرآة عبثية.. إنها تشبه قامتك

بين أشجار شارع "أتليكسكو"

من جانب لآخر في الريح

التي تكنّس أحاسيس الصامت

ومرساتك الكبرى تضيع

في ما لم يضع.. والتي تلمع

توجد هناك

بأنفاس خائرة لا مؤاسي لها

هكذا ينطوي اليوم على نفسه

في زاوية من ذاته.

 

مادة

مات اليوم طفل بعمر ستة أسابيع

(عفواً على إيراد شهادة الطب الشرعي).

الحدث وقع في الأرجنتين

(عفواً على إيراد شهادة الجغرافيا).

إنه اليوم السابع والعشرين

(عفوا على إيراد الإشارة الزمنية).

كان من الممكن أن يكون "ريمبو" أحدهم

(عفوا على الإشارة الشعرية).

مادة القصيدة ليست القصيدة

بل يمكن العثور عليها بعد ذوبانها.

تلك السفن الدانمركية التي لم أبحر فيها إطلاقاً.

الأحجار في الفم تقول :

هكذا هو الأمر / النار المغلّفة لأصوات أمهات لا تأكلن

ويقتلن الابن، تلك الحذلقات الضائعة.

الأغنية التي تبدأ بدون حقول كتان

تهوي في المساء الوردي.

المادة التي تبعد القصيدة

هي عالم يبذّر أبناء بأسماء من ملح.

 

أماكن

الحب المحيط بالموت

كوكب ويدور

متخم بالموسيقى

حول ليلك الجاحد يدور

بنفس اتجاه شموسه

وطلقات الهاوية.

لا أحد يمكنه قطع صوتك، المرتفع

في الصباحات التي دستها.

مكانُ يدك.

يتوقف من أجل قلبي.

 

ترجمة وإعداد: عصام الخشن ولاوتارو أورتيز - خاص الإمبراطور - 09.01.2005


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri