وفي الصورة الدافقة وفضاءاته
الباذخة. فالأنماط الاستعارية التي شكلت ماهية الصورة في
معماره النصّي تبدو لأول وهلة حسية. ولكنها ذات طبيعة نخيلية
ايضا. والشاعر عندما يستخدم الكلمات الحسية بشتى أنواعها
لايقصد ان يمثل بها صورا لحشد معين من المحسوسات. بل الحقيقة،
انه يقصد بها تمثيل تصور ذهني معين له دلالته وقيمته الشعورية.
وكل ما للألفاظ الحسية من قيمة انها وسيلة الى تنشيط الحواس
وإلهابها. يقول الشاعر "حسب" من قصيدة (وقت للحب ووقت للتسول)
من ديوانه – نخلة الله – "شعرها المبتل محلولا على وجهي
انهمر/ وأنا تحت الغطاء/ وارتمى معطفها الناعم كالغض ثقيلا
بالمطر/ مزهرا ألقت به الريح على العشب المضاء/ وشممت الثلج
في دفء الفراء/ كبقايا النغم العابق في القاعة وانهار الستار"
فالصور تتوالى وتتكاثر وتتشابك.
والشاعر بمدلولها الحسي يستحضر
هذا للجمع بين (حسية المعطف الناعم والغض المثقل بالمطر)
مزهرا ألقت به الريح على العشب – المضاء – فالشعر مهما تكن
فيه من خواص غير حسية فانه لا يمكن فصله عن الحواس. وان
اللغة نفسها وسط حسي وهي تخلق جسما ماديا لوعي الشاعر، ولكن
بالاضافة الى ذلك فان عالم الحواس وعالم الفكر الداخلي (لا
ينفصلان لدى الشاعر ففي الفاظ الشعر يتداخل كلا العالمين)
وحسب الشيخ جعفر، وهو المعروف (بتفرده) قد حقق للجملة الشعرية
مكونا جماليا يتساوق باستيلاد ميلودي وبنائي مع المشهد المتخيل
بتكيف قصدي ليمتد بسخاء ليكون الرؤية البصرية والقلبية لحسب
الشاعر الذي أراد ومنذ بواكير منجزه الشعري منح (موجوداته)
أبعادا متخيلة واسسا تلامس الواقع.
وتنأى عنه وبهذه الاستبصارات
تحققت (فرادة) حسب. ومن الضروري ان نفرق هنا - ما دام الحديث
حول هذه التجربة - بين التفكير الحسي والرؤية البصرية للشيء
المكاني، فبعض النقاد يجعل المرئي ممثلا للحس. ولكن الصورة
الحسية ليست دائما هي الصورة المرئية وعلى هذا لا نستطيع
دائما حين نطالع الصورة الشعرية ان نتمثلها شيئا عيانيا
قائما في المكان لان كثيرا من مفردات هذه الصورة رغم انه
حسي من الطراز الاول يصعب في كثير من الاحيان تمثله واقعا
في المكان، صحيح انه لمن الامور الاولية في قراءتنا للشعر
ان ندرك الالفاظ رؤية واضحة وانه بغير هذه الرؤية لا يجد
القارئ امامه ما كان امام الشاعر عند الكتابة. كما يذهب
"جنسننجز" في كتابه – الاستعارة في الشعر – غير انه ليس
من الضروري – كما يقول الناقد "ريشاردز": "ان يكون استحضارنا
لصورة الشيء الذي يدل عليه اللفظ دليلا على اننا قد بدأنا
نفكر في شيء – ما – بطريقة حسية" يقول حسب، في ديوانه الطائر
الخشبي: "يا قبلة اضاعت الدرب الى الشفاه/ يا غيمة تذوب
في الفلاة/ الزهر اليابس في انتظار/ الورق اليابس والريحان
والعرار/ تركتني/ تركتني/ أجف في الصحاري/ أحترق انتظارا
أبحث في رمادي" فالمشهد يتضمن وصفا لحب قد ضاع.
وكذلك أطلق عليه الشاعر
(الواحة الشائعة) وقد أراد الشاعر ان يحدد لنا انفعالاته
فنياً فأستعمل هذه الانماط الاستعارية – قبلة أضاعت الدرب
– وغيمة تذوب في الفلاة – ولكنه مع ذلك لم يتحدث بعواطفية
جياشة في أبنيته التعبيرية والا لبدت تجربته – سطحية. وبعيدة
كل البعد عن ان تكون صورة فنية وان التعبير يكون مباشرا
ويفقد كل إيحاءاته ولو كان الشاعر اكثر تحديدا لمشاعره وعواطفه
واكثر دقة لقال (يا قبلة اضاعت الدرب على الشفاه ففي هذه
الحالة يكون الضياع على الشفة ويكون الشاعر هو العنصر الثاني
ويكون الدرب هو الزورق السكران الذي تحطم على شاطئ الامان.
كما ان الاستعارة تكون في هذه الحالة مرتبطة ارتباطا عضويا
بالجملة الشعرية (ياقبلة اضاعت الدرب على الشفاه) فذلك تشتيت
لانفعالاته وجعله ينفصل وجوديا عن حبيبته وعن حبها الذي
رمز له بالشفاه... فأصبح بعيدا عنها وان كان موصولا اليها
برابط شكلي هو – حرف الجر – وفي قصيدة (صلاة بين يدي الجندي
المجهول) يستفيد الشاعر لتكوين صورة شعرية من الاستعارة
التشخيصية – هو مصطلح نقدي يراد به أضفاء صفات انسانية أو
صفات الكائن الحي على ما هو غير حي أو على التجريدات أو
التصورات العقلية – فهو اضفاء الصفات البشرية على – ما –
هو غير بشري وتعبير عن المعنى الذهني المجرد والحالة النفسية
تعبيرا استعاريا – فإذا المعنى الذهني (هيئة أو حركة) واذا
– الحالة النفسية لوحة أو مشهد. يقول الشاعر المبدع من هذه
القصيدة (فوق الندى...
والصخر/ فوق العشب والمدينة/
فوق الثرى/ تحمل كل نخلة حنينة/ في موج كل راية يرفعها في
الساحة الصغار/ في حفرة المزار/ في قوسه الحاني على النهرين/
في السارية الممتشقة) فقد استعار لصوره الدافقة – استعارة
تشخيصية – (الحنين – للنخلة تحمله في صدرها، واستعار الموج...
للراية) – أما – (قوس – (قبر الجندي) فقد استعار له (الحنو)
إي منحه الصفة التي هي بشرية اساسا. والحنو والحنين من الالفاظ
المحورية في تجربة هذا الشاعر الذي اراه من شعراء الصورة
في شعرنا المعاصر ولذلك نراه قد سمى احدى مجموعاته الشعرية
(في مثل حنو العاصفة).
ولم يغفل البلاغيون القدماء
– ما هية الصورة الشعرية ومكوناتها مثل التشبيه وأدواته
وأنواعه والاستعارة وأنماطها والمجاز وعلاقاته. ويمكننا
ان نبين طبيعة الصورة القديمة من خلال الوقوف عند نوعين
بلاغيين مثلا اساس هذه الصورة وقوامها وهما التشبيه، والاستعارة
– ومن هنا كانت اصابة التشبيه ركنا من أركان الشعر على حد
قول (المرزوقي) – أما – الاستعارة – فيكفي في أمرها لتناسب
الواضح – وبناء على هذا السياق. أمتلك الشاعر حسب الشيخ
جعفر – قدرة فائقة على التصور أهلته لاستكناه مشاعره واستجلائها.
فالصورة التي يرسمها في طيات نصه الشعري – تركيبة وجدانية
تنتمي في جوهرها الى عالم الوجدان اكثر من انتمائها الى
عالم الواقع. وتمكن عبر منجزه الشعري ان يخلق علاقة كونية
للاشياء وان يمنحنا واقعا متجددا ساميا متساميا بضروراته
وبرؤاه. وكشف لنا عبر صوره الشعرية – ان الشاعر لا يستطيع
ان يرى الاشياء كما هي ولا ان يكون محددا ازاءها. بل يحددها
بمشاعره الفنية. وباستبصاراته المتقدمة.
عبدالرضا جباره
أقلعتُ أو أني أنقلعتُ
كالفاتحينَ، كأيِّ مشط
مرّ الرواةُ به، وما أدكروهُ قط..
القيصرُ الأعمي أتي متسوّلا
فنهرتهُ عن جانبيَّ، فلا أري
بيدي العصا، وبثوبهِ مُتنكراً
إني استضفتُ فراشةً
وكتبتُ، فوق جناحِها القزحيّ، ما كتبت يداي
مُذ نؤْتُ شيخاً بالمتونِ إلي صباي
قُلْ أيّ شيءٍ يا ربيع
الطُرقُ موحلةٌ إلي قلبي، وفي الطُرقِ الصبايا
يُسرعن بالخبز الدفيء، وبالصقيع..
إني إلي بيتي أعودُ بلا
أدثار
فمن الذي لُفّ القماش غطاءَ مائدةٍ ببار
فجراً عليه؟
أشعلتُ أقلامي سجائرَ بعدما
لم يبقَ من عقبٍ لديّا
فإليّ، يا صحفي، إليّا..
قال الفقيهُ: الأرضُ تفتقرُ
امتلاءا
قال الحكيمُ: المحوُ كالنحو اجتلاءا
قلتُ: الحقيقةُ جيبُ جيب..
ما التفّ، بين يديّ، غيرُ
غبار صيف
والمركباتُ تخفُّ بامرأةٍ جواري..
كنتُ المضيفَ، وهي لم تكُ غيرَ طيف..
للشرقِ أو للغربِ آله
تعلو وتصخبُ أو تدول
وعليّ، من قمري المطلّ عليّ، هاله..
يا شيخُ نَمْ متدليّا
فإذا صحوتَ غداً، فطِرْ
عصراً عليها (مُبصراً) متسلّيا
إني انطلقتُ بماليا
فرحاً (وبين يديّ تشتبكُ الرياحُ)
فأبتعتُ كيساً خالياً..
بعدَ (انطراحِ الآن) بالرمقِ
الحسير
جاء الضيوفُ كتائباً
فأشحتُ عنهم مُتعباً، مُتثائباً..
والأرضُ كأمراةٍ علي
حبلٍ، سأقعدُ أو أسير
متوكئاً بيديّ، طفلاً أحولا
لا اقتني ذهباً ولا اتبضّعُ
أني نفضتُ يديّ (منها)
غيرَ احتيازي جرعةً أتجرعُ
جيءْ يا أمرأ القيس انتحالا
أو جيءْ، كما قلت ارتجالا
الصحفُ مغلقةٌ، وأيدي النشر صفرُ..
أني شددتُ خوانيا
بحبالِ حنجرةٍ تبحُّ توانيا..
بالآخرين المنبرُ العالي يطيرُ ويجارُ.
لو كنتُ كالسفهاءِ أُنفقُ
لاصطحبتُ
أو كنتُ كالحكماءِ أغزلُ لاسترحتُ
بل كنتُ حرفاً، والنقاطُ تجيءُ شتي..
بقميصِ صيفٍ أبيضا
وببنطلونٍ أسودا
سأطيرُ مثلك، يا لقالقُ، مُوفدا..
يا طائرَ الواقِ اصطحبني
علّ الطريق إلي (هناك)
تُفضي فنفلحُ أو نصيدَ (هنا) الشباك..
سلمان، من أين العرق؟
ما انفكّ، في إبريقيَ، الجنيُّ يقترحُ الأرق
شاياً فشايا..
أقفلتُ أبوابي عليّا
متُسللاً منها إليّا
لصاً، فقد ألقي وألقي..
قد مرّ بي الأعمي فقلتُ:
إليّ منك
كفاً تقود
والنصفُ لي، مما تنالُ من النقود..
ما الفرقُ، قلْ لي يا صفاء
بين اعتماري (الحقّ) قبعةَ اختفاء
وتجردي منها اختفاءا؟
للتاجر التتريّ قلتُ مناديا:
يا صائحاً: شرُمٌ برُم
بلي القصيدُ، فخذْ، وبعْ متهاديا
نسيَ الحكيمُ القِدْرَ،
وهي تفورُ ماءا
وصحا، وما في القِدرِ شيء
فأضافَ ماءا..
أفلحتُ؟ أم إني افتلحتُ
أرضاً إلي غيرِ افتلاح؟
زيدي صريراً، يا جنادبُ، وامتداح..
ما لي أرانيَ عاريا
وقد ارتديتُ دثاريا
يا هذهِ المرآةُ، من منّا المخادعُ (بينَ بين )؟
وكأنّ طاولتي تعومُ
أو أنها بالسقفِ تعلقُ أو تحومُ
والكأسُ، ملء يدي، تفورُ كما هيا..
للناس قنطرةٌ، وللشعراءِ
أُخري
بالناسِ لم تفتأ ترثُّ، وتُثقلُ
حطباً إلي (الخانِ القديمِ) سينقُلُ..
إني أبيعُكِ يا سدوري
ما نلتُ من أبدِ الأبد
بالكأسِ فضضَها الزبد..
أنا والحياةُ (كما تري)
ثوبٌ تخّرقَ واهترا
ألقيتُها عني إلي طُرقاتها تتشحّذُ..
قال الحكيمُ، وقد تخلّي
الرزقُ عنهُ
والناسُ في السوق التفافُ
للنملِ ما يُرمي، وللطيرِ انتقافُ..
أتعجلُ القدحَ الوقورا
وكأنما الأرضُ ارتضتْ ألا تدورا
والريحُ تنفخُ ألفَ صور..
أنا بعدما ابتعتُ الثريا
وفضضتهُا نجماً فنجما
لم ألقَ غيرَ الرملِ منُتشراً لديّا..
من أين، يا قلبي، تفوحُ
عفناً، وتقرُبُ أو تروحُ
(إجّاصةً) ثقلي عليّا؟
لم أبغِ، يوماً غير ما يبغي
الحمام
غيرَ اكتنازيَ حبتين
يا أنتَ، يا سقطَ الحطام..
سلمانُ، لم تبرحْ خطاي
تسعي، ولم أجتزْ بها البابَ انتقالا
وكأنني أتلمسُ الطُرقَ اتكالا..
لو أنّ لي كالطيرِ بيت
أو انّ صاحبتي (ابنةَ الخمّار) تطهو
لنفضتُ عني أيّ (ليت)..
أصبحتُ كالشعراء، لا أتنمقُ
إلا بأربطةِ المجاز
فإذا انطوي حفلٌ، مسحتُ بها (المجاز)..
يا ساعتي السفلي، الوطيئة
الشمسُ كالأُنثي مُعاندةٌ، بطيئة
سأقولُ (آفلةٌ هناكَ) وأسكرُ..
لم تُعطني باريسُ يومَ طرقتُها
من خيرها أو شرّها
غيرَ احمرارِ الشرشفينِ بخمرِها
يا آكلُ العشبِ البراري
مرعيً فسيحُ
وهناكَ، في أجماته، الأسدُ الكسيحُ..
أني أريدُ، ولا أُريدُ
مترقّباً ما قد يجيءُ به (البريدُ)
من قصرها النائي، الوضيء (نقيقَ الليل)
أنا حينما سفحت يداي تبرُّعا
ملءَ الضحي، عني الكولونيا
لم أدرِ أني قد أُطيلُ بها المساءَ تجرُّعا..
قد جاءني (تيمورُ) يعرجُ
ساعيا
فسألتهُ: أين الممالكُ والفتوح؟
فأجابني: يا ليتني ما كنت إلا راعيا..
أني اشتريتُ كمنجةً، أوتارُها
تنحلُّ أو تتقطعُ
من أين يا (مزماريّ الفقريّ) تُقدحُ نارُها؟
قلتُ: ارتحلتُ كأيّ طير
فأنا، علي جنباتِها، اتنقّلُ
وصحوتُ ملءَ حقيبتي (أتقلقلُ)..
أنا لم أزل متهجيّا
ما قالَ فلاحٌ (ولم أكُ غيرَ طفل):
الأرضُ تُحرثُ.. أو تبورُ ترجيّا..
قلتُ: الطريقُ إلي المطار
أفضي، وللريفِ التلفّتُ يا حمار..
قال: انزلقْ عني، وهبني التذكرة..
سأقول يوماً (علّهُ ألا يجيئا)
وأنا أمرُّ ببائعِ الخمر: أكتفيتُ بالشاي أحمرَ، يا كُميتُ.