حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

سميزدين محمد ينوفيتش
Semezdin Mehmedinovic
(1960-....)

 

سميزدين محمد ينوفيتش شاعر بوسني معاصر ولد بالقرب من مدينة توزلا بالبوسنة في العام 1960، ويعيش حاليا بمدينة الإسكندرية بولاية فرجينيا بالقرب من عاصمة الإمبراطورية الأمريكية واشنطن.

هذه المختارات المترجمة هنا منتقاة من ديواني "أغاني سراييفو الحزينة" و"الإسكندريات التسع".تعكس القصائد في الديوانين جغرافيا انتقال الشاعر من قارة لأخرى، من مدينة علي وشك التلاشي بفعل عدوان خارجي، لمدينة تمثل مركز إمبراطورية توطد أركانها سواء عن طريق العدوان المباشر (العراق، أفغانستان الخ) أو بتكوين علاقات "خاصة" مع الطبقات الحاكمة (الأمثلة اكثر من أن يتسع لها المجال هنا).

ومن ناحية أخري يقدم الديوانان لحظتين تاريخيتين يجمعهما الكثير من التشابه. اللحظة الأولى هي لحظة الحصار التي يقدمها سميزدين في ديوان "أغاني سراييفو الحزينة". يقدم الديوان الحياة بمدينة تحت الحصار وثمة رغبة في التسجيل تسود الديوان وتحدد لحد كبير محتواه. هذه الرغبة في تقديم شهادة علي اليومي والمعاش تحت خطر مستمر تبدو واضحة فيما استخدمه الشاعر من خصائص أسلوبية. نجده يستخدم التقرير المباشر: فقرات أقرب للريبوتاج الصحفي، قطع نثرية، قصائد نثر، بالإضافة الي الشعر بشكله المعتاد. اللحظة الثانية هي لحظة ربما اشد الما من لحظة الحصار.

هي لحظة شاعر المدينة ومغني حزن حصارها في منفاه الاختياري. في "الإسكندريات التسع" يسجل الشاعر رحلة قام بها بالقطار عبر الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر مباشرة.

في "الإسكندريات التسع" ثمة صمت يبدو مقصودا فيما يخص الأحداث السياسية التي كانت تتصاعد والتي ستؤدي في النهاية للغزو الأمريكي لأفغانستان. هذا الصمت تقطعة إشارات موجزة، ربما تبدو عفوية، لكن تكرارها ووضع الديوان في سياقه التاريخي يجعل من هذه الإشارات تعليقا من نوع ما علي الهجوم الرسمي الأمريكي علي ما تم تصويره كحضارة تتعارض تماما مع اسماه بوش "الأدنى" (العبارة للكاتبة الهندية أورندوت روي) "أسلوب الحياة الامريكية".

هذه الحدود الصارمة التي تم تخيلها (او بشكل أدق استدعائها) هي علي حد تعبير سميزدين "حدود زائفة".

هذه الصرامة المتخيلة تنهار تماما عند اي تحليل متزن، بل بأقل تذكير بحقائق الأمور، من قبيل ان يذكر سميزدين القارئ ان جلال الدين الرومي ذا الشعبية الكبيرة بين قراء الشعر الأمريكيين "هو شاعر مولود بأفغانستان" (قصيدة "صوفية"). الديوانان إذن يمثلان لحظتان تاريخيتان مختلفتان لكن يجمعهما مقاومة هوس النقاء الثقافي الملازم للفكر القومي (الصربي ثم الأمريكي). وهما _ قبل ذلك _شهادة حب لمدينة تحت الحصار وكتابة لعذابات هجرها الذي يبدو كما لو كان ارتحالا حتميا.

 

مختارات

جثة

تمهلنا عند الجسر

كي نري الكلاب تمزق

جثة أشلاء بجوار النهر

ثم مضينا

لم يتغير شئ فيٌ

سمعت قرقشة الثلج تحت الإطارات

كأسنان تنغرس في تفاحة

وشعرت برغبة جامحة في أن اضحك

منك

لأنك تسمي هذا المكان الجحيم

وتفر من هنا مقتنعا

أن الموت خارج سراييفو لا وجود له

 

أغسطس 1989

الكنيس أثناء الليل.

المطر بالخارج.

أصنع قهوة للمرة الثالثة.

شاعر عجوز يغفو علي الأرض

متغطيا بعلم.

آه أيها الشاعر العجوز المسكين

تلتف حول نفسك كجنين

ملفوفا بعلم الدولة

نائما.

 

التليفون يرن

يستمر التليفون في الرنين

اذهب كي أنظر من النافذة

يسقط رمش في عيني

يبدو كل شي كسولا وغائما

وما من أحد يعرف ما يفعل

وهو أمر عادي تماما في

جنة الواقعية الاشتراكية هذه.

ربما الجميع فيما عدا السور

علي الجسر ذي الساعة الذهبية

الذي يتهيأ كي يأخذ

بعضا من عطر فتاته التي

تركب موتوسيكلا طول الطريق إلي اسطنبول.

 

في الشقة الصغيرة

نجلس علي ألواح خشب في الشقة الصغيرة

ما من نساء هنا سوي في صور الجرائد

نتف من حشيش أفغاني

علقت بالأطراف الحادة لمقص صغير

رجل في شرفة بالمنزل المقابل

يفك آلة لحام في الظلام.

نجلس علي ألواح خشب في الشقة الصغيرة

وكل شئ يبدو مسالما.

كل هذا سيتغير

بمجرد أن ارتدي منامتي.

الجو بارد في الخارج.

تحيطنا جبال

يملئها عواء حزين لمناشير ضخمة.

 

غريب

ذات يوم سأرحل أنا أيضا، وحدي

إلي ظلام القبر

في عليفاكوفيتش

أو في تل آخر، في المدينة

التي كنت أعرف كل من فيها

ولم يبق منهم سوي اثنان

أو ثلاث_

والليل فقط، وحده

أنظر من الماضي

علي ظلام المدينة

من بيت شخص

آخر، أنا الغريب

أنا غريب

 

مقال

هذا المشي المسائي يستحق قصيدة.

طائرة تبرق فوق الضواحي

تسقط في الغسق الأزرق.

الأسلاك تلمع فوق عربات الترام.

امرأة فقدت قرطها

تعود لناصية الشارع باحثة عنه.

فليغمر الحزن قلبك من اجلها، فجاءة.

من أجل الصبي الذي ينظر إلي نفسه

في جرس المرآة.

من اجل العجوز علي الجسر، يلٌوح لي:

"كيف يمكن أن يجف نهرج

في هذا العالم الأفضل من أي عالم آخر؟"

 

أخيرا

من أجل تكوين من النمش

علي وجه أمي

بينما تطمئنني ونحن نسير

أن اللهَ موجودج حيثما أفكر فيه.

 

الهاجر

وقتها فقط_

ليس قبل أن تشرب القهوة

في محطة القطار:

ناظر المحطة يدق علي عجلات

القطار بشاكوشه.

الجريدة مطوية تحت ذراعك_

مغادرا المدينة سالما_

لن تكون متوائما مع نفسك في أي مكان آخر،

إلا إذا كانت حياتك نفسها هي الحقيقة الوحيدة

إلا إذا كان الهواء الفارغ يسمي نفسه الحرية_

إلا إذا كنت هاجرا

بضمير مثقل

إلا إذا كنت شريدا.

 

مستقر الشهيد

جسد علي وشك أن يجقبر. أري جنديا راكعا علي ركبتيه: طفلا مازال. بندقيته ترتاح في حجره. يمكنك أن تسمع أصوات العربية الحلقية. الحزن يتجمع دوائرا تحت عينيه : الرجال يمررون راحاتهم المفتوحة علي وجوههم. بينما تستمر الطقوس، اشعر بوجود الله في كل شئ : وعندما ينتهي هذا، سأمسك بالقلم وأكتب قائمة بخطاياي. الآن كل ما في يقاوم الموت: بينما يمر لساني علي أسناني اشعر بطعم احمر شفاه امرأة. ما من أحد يبكي. أظل علي هدوئي. قطة تقفز عبر ظل مئذنة.

 

روحانية

في المساء ننتظر

اللحظة التي تنكشف فيها المجردات

السماء_ بعدها_ غارقة في الظلام

من إشعاع الأشياء الأرضية_

ثم تأخذ المباني هيئة مجسمات

سودها ظل أسطحها

وتبدو السماء المكفهرة

بينما يبدأ القمر في اللمعان أثناء الحرب.

 

في تلك اللحظة كل شئ_

وابني ينظر من النافذة_

يمنح بسمة إلهية

لعناصر الطبيعة التي تم استئناسها.

 

رجل

بذراعي واحدة

يدخل محل زهور ويسأل:

أي الزهور تعكس مرور الأيام؟

ويقول بائع الزهور:

أزهار الليلك الأبيض.

(لوري اندرسون)

 

علي طرف المدينة

علي طرف المدينة يمكنك رؤية

شاحنة تخلفت عن الحرب الماضية

تتضاءل بين أشجار البلوط

سجين بكسرات خبز علي لحيته

يتم سحبه من شاحنة عسكرية

يجلقي به في مخزن، مع سجناء آخرين

متراصين في انتظام قصيدة.

في أقصي أطراف المدينة يمكنك رؤية

سائق يقود دراجته بأقصي سرعة، يمد يده كي يلامس سطح

كشك كبير عليه كلمة إطارات "VULCANIZER"

وصور أخري كثيرة غنية في جنونها

لأي نظرةي سماوية محايدة.

كأسطح البيوت بالقرب من المطار

مطلية بمربعات شطرنجية حمراء وبيضاء.

 

مقابر عليفاكوفيتش

في أقصي الطرف الشرقي من سراييفو

صبي مثقل تماما بملء يد من الزهور

إنه العيد وهو، التاجر الصغير،

سيذهب للمقابر مثقلا بالزهور

مثقل بمائة نوع من الزهور العادية

كقبر يوم حفره

كقبر يوم حفره

يصعد الصبي نحو مقابر عليفاكوفيتش

الحرب

الحرب

وما من شئ يحدث_

اذهب للمدينة كي استجدي السجائر

عرفت دوما عطرك

لكنك لم تكوني يوما أقرب_

أحيانا حين يكون الجو باردا في الصباح

ترتدين ملابسي الداخلية علي سبيل الخطأ

في عشر سنوات لم نكن معا

كما نحن في هذه الأشهر الخمس_

الآن ترتدين سترتي طيلة النهار

 

سعادتك

بصندوق المساعدات الإنسانية

يدخل السرور علي قلبي ويحزنني في نفس الوقت

أسائل نفسي: من أين

بحق السماء

تجدين قهوة لنا كل مساء

لم يبق لوح من زجاج في نوافذنا

وما من طريقة نتخلص بها

من الذباب الشارد

 

تواريخ

مات في السابع عشر من يناير 1994

وكل يوم منذ ذلك اليوم

هو ميت

هو ميت اليوم أيضا

اليوم الجمعة

24 فبراير 1995

كل يوم أمر بتجربة روحية

عندما أذهب للحمام ليلا

الحظ ظلا يبين في المرآة

خلف كتفي الأيسر

ليس ظلي

 

التفت

وما الذي أراه؟

عيناي مفتوحتان

في النوم_

غراب حط علي طاولتي

يقول في صوت بشري:

سوف يطيب الكرز في سراييفو في 17 مايو

سمعت

ومازلت أنتظر.

 

الإسكندريات التسع

ربما هذه ليست كل المدن لكن ما أعتقده

هو انه يوجد بأمريكا تسعج علي الأقل تسمي الإسكندرية

رسم خرائط للجديد يجب أن يرتكز علي

مبدأ تقفي أثر العالم القديم

عبر بحري من الأزرق الداكن...

 

الشيء الوحيد الذي يجعل

رحلتي عبر أمريكا مقبولة هو:

مرتحلا من إسكندرية إلي أخري

لا يسعني إلا أن أحط بنفس المدينة.

 

وفقط بيقين

أن العالم مازال قطعة واحدة:

يمكنني أن أتخيل ترحالي

من إسكندرية أمريكية لأخري

راسيا بنفس المرفأ المصري.

 

صوفية

في الطريق أقرأ جمال الدين الرومي

وهو شاعر مولود بأفغانستان

وأجد وصفا دقيقا للسفر

في وقت لم توجد فيه قطارات.

مرتحلا من ساحل أمريكي لآخر

احمل الرومي (بترجمة كولمان باركس)

كهمسة، بلكنة سلافية حنطية،

وما أعرفه يزداد وضوحا:

فيما يخص اللغة

يعلو الجمال شاهقا ­ يابانيا ­

كثلوج فوق دنفر

ويدعي الغلاف أن الترجمة

تضاهي الأصل وأنه، طبقا لذلك،

هاهي الصوفية متاحة بنبري جنوبي.

 

باوند

لا أعرف اسم المكان

حيث الإذاعة المحلية علي الجرف

حيث اليافطة المضاءة بالنيون تعلن عن موجات التردد

التي ترتفع مساءا، حتي السماء تقريبا.

من المؤكد أن ذلك يعني أن الداخل الأمريكي مازال يحتفظ بتلك

الفكرة القديمة ببناء معبد للحاكم كأعلي

ما يكون _ خداع بصري عمودي يلعب علي

عيون البشر ومنظور السماء

في واشنطن أعطيت هذه الفكرة

أفضل الأماكن في مواجهة مستشفي القديسة اليزابيث.

هناك، ككهلي

(بعد أن تم إيداعه المصحة لعمله مذيعا

بالإذاعة الإيطالية)

مسح عيزرا باوند المدينة من الوادي بين الهوتين

بينما لبدته تطيرها الريح.

 

حشد السجن

الليل جن لا يستكين

حليق الوجه تماما

لا يستطيع أن يكف عن التنقل بين العربات

القارة يجدها صغيرة جدا عليه

والقطار في ضيق زنزانة _

أصف الليل كي

أصل لاستنتاج عن ذاتي

وأيضا، لأنني كنت أعرف شخصا مثله :

كان يحرر الجريدة من سجن زينتشا.

غالبا ما كان ينشر مواضيعا عن سجناء

أقتبس كلامه الآن، هنا، وكأنه تعليقي أنا

علي هذه الرحلة:

"حرصت علي أن أججمٌع الجريدة بنفسي كي انشر من الشعر

اكثر ما يمكن." وزاد:

"ذلك انه ما من طائر سجين لم يكتب _ علي الأقل _

سطرا أو أثنين."

 

الشرق والغرب

من اللافت للانتباه كيف أنه، من حين لآخر،

تعادل كلمات بسيطة دوائر المعني

كما تمتلئ عربة

بمسافرين تماما قبل أن يغادر القطار:

الآن، علي سبيل المثال، الشرق والغرب

مخترعتان كي يستطيع جسد أن يكيٌف نفسه

علي نهج النجوم في الفضاء الموحش

كي يعني ما هو أكثر من خرائطه

حيث مكة في الجاني الشرقي بينما

لوس أنجلوس إلي الغرب.

هذان هما طرفا العالم

وكل شئ يبدو بريئا تماما:

أسافر صوب الغرب غير انه ثمة سلسة لا نهاية لها

من أبراج تقع جهة الشرق، أعمدة إنارة تشبه برج ايفل، تواجه باريس.

 

وظائف القلب

في جولته الأمريكية يشرح

أخصائي القلب الباسم من نيوزيلندا كشفه

عن أن القلب البشري يفرز نوعا من الهرمونات

نجهله حتي الآن.

بينما يشرح نتائج كشفه

يرد تحية العمال فوق القضبان

يلوحون للقطار من تحت خوذاتهم الصفراء

ولامرأة، أيضا، تلوح بيدها من حديقتها الخلفية.

فقط في صحبته ألاحظ هذه

الطقوس الغريبة، الفريدة تقريبا:

من يبقون بلا حراك يلوحون للقطار.

يعرف أخصائي القلب الباسم أن هذه التحيات

مرسلة له وأن تلك العزلة القارية

من المؤكد أن لها أصل في وظائف هجرها القلب.

 

ترجمة النصوص: وائل عشري - (أخبار الأدب)


.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri