حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

يفغيني يفتوشينكو
Yevgeni Yevtushenko
(1933-....)

 

شاغل الدنيا الروسي

لا جدال في أن يفغيني يفتوشينكو أحد أهم شعراء روسيا الكبار، بل من ألمع شعراء العالم المعاصرين، فقد ترجمت أشعاره إلى لغات كثيرة، وتناقلت آراءه وكالات الأنباء باعتباره شاعرا ذا جرأة على الجهر بما كان مسكوتاً عنه في مجتمعه الاشتراكي، إلى حد أنه قدم في الغرب بصورة مخالفة لوجهه الحقيقي، لكنه استطاع أن يحافظ على شخصية، خاصة وأن يعبر في الوقت ذاته عما هو مشترك بين جميع الناس.

وتحت عنوان «العمق الرمادي... سيرة ذاتية مبكرة» أصدرت دار أزمنة للنشر في عمان الترجمة العربية للسيرة التي ترجمها وقدم لها الشاعر المغربي ادريس الملياني.

يقول الملياني في مقدمته إن يفتوشينكو أحيا في ذاكرة الناس صورة سلفه ماياكوفسكي بقامته المديدة والعملاقة ونظرته الحادة والشزراء، وقدرته الفنية المذهلة على تحدي الذوق العام المتخم بالبالي من التقاليد التي تكبح جماح القصيدة عن الانطلاق في سهوب الإبداع التي ليس لها تخوم. لذلك عد يفتوشينكو، في وقت من الأوقات على الأقل، الصوت الجديد والعنيد في بلاده وفي العالم الذي لو قيل عنه أنه ملأ الدنيا وشغل الناس لما كان في ذلك أدنى مجازفة أو تهويل.

ما أول ما يلفت انتباه القارئ في هذه السيرة الذاتية فهو التشابه الكبير في اللغة النثرية بين الشاعر الروسي والشاعر الداغستاني الراحل رسوم حمزاتوف في رائعته النثرية لسيرته الذاتية «داغستان بلدي» فهناك حميمية وصراحة شاعرية تأسر القارئ منذ أول سطر في السيرة يقول يفتو شينكو في مقدمة سيرته:

«إن سيرة الشاعر الذاتية هي قصائده، أما ما عدا ذلك فليس سوى تعليق. من واجب الشاعر أن يقدم لقرائه مشاعره وأعماله وأفكاره على راحة يده، وعليه كي يحظى بإمكانية التعبير عن حقيق الآخرين أن يدفع الثمن بالكشف عن حقيقته من دونما رحمة أو شفقة... لا يحق للشاعر أن يخدع.

ويضيف: «عندما تحول رامبو إلى تاجر عبيد، كان يتصرف على نحو يتناقض مع مثله الشعرية، فانقطع عن الكتابة وكان ذلك هو الحل الشريف، وللأسف، ثمة شعراء آخرون يصر بعضهم على الكتابة حتى عندما لا تعود حياتهم تطابق شعرهم، فينتقم الشعر منهم بالتخلي عنهم, الشعر امرأة حقود، لا تغفر الكذب ولا ترضى بنصف الحقيقة».

ثم يقول: «لم تكن أمي تريد بأي ثمن أن أصبح شاعرا، ليس عن قلة ذوق وعدم ميل إلى الشعر، بل لأنها كانت تعرف مصير الشعراء الروسي المفجع وكانت تتوسل إليّ باستمرار أن أهتم بشيء (جديّ) لكن الجديّ بالنسبة لي كان هو الشعر بالذات.

لم أختر طريق السهولة الأثير لدى شعراء الغرب، ممن أكدوا أن القوافي في حد ذاتها متجاوزة، وأخذوا يكتبون مزيجا من النثر والشعر، إذ أنهم في نظري كانوا بهذه الطريقة يقتلون إحدى أثمن مزايا الشعر.. وهي موسيقاه».

ثم يتحدث عن تجاربه الشخصية في العمل مع الآخرين ويقول: «اقتنعت خلال عملي في بعثة جيولوجية أن الناس الطيبين هم الأغلبية في العالم. وقد لاحظت أن الناس الأشرار يشكلون في الغالب جبهة مشتركة حتى ولو كانوا يكرهون بعضهم بعضا، بينما الناس الطيبون أكثر انقساما، ولهذا السبب بالذات هم أكثر ضعفا، وتعلمت أيضا أن الذكاء لا يقاس بكمية المعارف، إن الميزة الأساسية لإنسان ذكي تكمن في قدرته على فهم ومساعدة الآخرين. وبدا لي حسب هذا المعيار، أن كثيرا من الناس المثقفين جدا هم أدنى عقليا من بعض الفلاحين البسطاء.

أحيانا يستغرب الغربيون عندما يسمعوننا نتحدث كثيرا عن ماضينا، ولكن استحضار الماضي بالنسبة إلينا معناه التفكير في مستقبلنا، إننا نريد أن نحمل معنا كل ما هو جيد في إرثنا وأن ندع للماضي ما للماضي.

وحول حقبة ستالين يقول: «لم أستطع ترتيب أفكاري عن ستالين، كنت عاجزا عن تقدير حجم جرائمه واستيعاب كل الحقيقة التي تغاضيت عنها زمنا طويلا، وفي نفس الوقت كنت رازحا تحت عبء الشعور بالمسؤوليات الجديدة والملقاة على عاتقي كشاعر، وليس هذا أعداء كما يتبادر إلى ذهن القراء، فالشاعر في روسيا لا يلعب نفس الدور الذي يلعبه الشاعر في الغرب، فكلمة شاعر في اللغة الروسية تكاد ترادف كلمة مناضل.

لم يكن الشعر في أي بلد من العالم، مثل هذا التقليد من الالتزام، وليس من قبيل المصادفة أن يعتبر الروس دائما شعراءهم بمثابة قادة و«أمناء على الحقيقة».

وحول أول قصيدة نشرت له يقول: «بعد أن وافق محرر أدبي على نشر قصيدة لي سهرت حتى الصباح وفي الساعة السابعة صباحا انتزعت من يدي أحد الباعة أول نسخة من الجريدة واستطعت أخيرا أن أرى أسمي مطبوعا تحت قصيدة (كان قد أرسل عشرات القصائد التي لم تنشر قبل ذلك)، ويضيف: كانت الأرض ترتج تحت قدمي، وشعرت بنفسي عبقريا، اشتريت نحو خمسين نسخة وانطلقت أعدو إلى البيت ملوحا بها وأنا أكاد أطير من نشوة النصر.

لما اطلعت أمي على عملي لم تجد ما تثني عليه غير هذه الكلمات:

«مسكين أنت يا ولدي... لقد ضعت الآن نهائيا»

ويعقب يوفيتوشنكو على ذلك قائلا: وربما كانت على حق.

 

مازن حجازي - (الشرق الأوسط)


.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri