حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

مارك ستراند
Mark Strand
(1934-....)

 

أكثر ظلمة

قصائد للشاعر الأمريكي مارك ستراند

ظلَّ مارك ستراند، المسحورُ بالغياب كما وصفَهُ أوكتافيو باث، منذ ديوانه الأوَّل "النوم بعين واحدة مفتوحة" (1964)، يوسِّعُ رؤيتَه لبعض المحاور الجوهرية التي بقيَتْ ملازمةً لشعره: الفقدان والخوف، الغياب والصَّمت، صمت العدم والفراغ والسّكون... في قصائده ألفة غامضة يرويها صوت غريب عبر ازدواجيات وتناظرات تلصقُ الحيرة بالأشياء وتضع الذعرَ على عتباتها، وقد تلقي الضوء على أشخاص وحيدين، مجهولين في أمكنة بلا اسم تملؤها الإعاقات والصمت، وتقع أحياناً داخل جسد الشاعر أو ذاكرته.

أسلوبه الذي بدأ غرائبياً، متأثراً بسريالييّ أمريكا الجنوبية، ومليئاً بالسرد والتفاصيل، وصل عبر مسيرة غنيّة، لمعَتْ فيها سوداويته ومراثيه واستعادتُه للطفولة بنفَسٍ غنائي عالٍ يخفي الذات عندما يظهرها، إلى نبرةٍ هادئة تأمّلية، تتخلَّلها السخريةُ أحياناً، تعودُ إلى استكشاف ما مضى بروحٍ زادَها الإحساسُ بالموت خفّةً وجمالاً.

وُلِد مارك ستراند عام 1934 في صامر سايد، جزيرة الأمير إدوارد، كندا؛ ونشأ وترعرع في مدن عديدة في كندا والولايات المتحدة وأمريكا الجنوبية. درس الفن في مطلع شبابه ثم انتقل إلى كتابة الشعر، وربطته صداقة قوية مع شعراء اعتُبِروا سرياليّين جدداً، من بينهم تشارلز سيميك، تشارلز رايت، و.س. مروين.

أقام في أماكن مختلفة من البرازيل وإيطاليا وأيرلندة إلى العديد من مدن الولايات المتحدة، وخلف هوارد نمروف أميراً لشعراء أمريكا لعامي 1990-1991.

أصدر ستراند ما يربو على عشر مجموعات شعرية، بالإضافة إلى كتب في النقد الفني وأدب الأطفال والقصة القصيرة والترجمة، وحاز شعره على العديد من الجوائز الأدبية الهامة منها بولينجن 1993 عن "المرفأ المظلم"، وبولتزر 1999 عن "عاصفة ثلجية فريدة".

-المترجم-

النفق

هناك رجلٌ يقف

أمام منزلي

منذ أيام. أختلسُ النظر إليه

من نافذة غرفة الجلوس،

وفي اللَّيل،

عاجزاً عن النَّوم،

أُسلّطُ ضوءَ المصباح

على المرج.

إنّه دائماً هناك.

 

بعد برهةٍ،

أفتحُ الباب الأماميَّ قليلاً

وآمرُهُ

بالخروج من باحة منزلي.

يضيِّقُ عينيه

ويئِنُّ. أصْفقُ

الباب وأهرَعُ إلى المطبخ،

فغرفةِ النوم،

ثم أنزلُ ثانيةً.

أبكي كتلميذةٍ

وأقوم بإيماءاتٍ غامضة

عبر النافذة. أكتبُ

ملاحظاتِ انتحارٍ كبيرةً،

وأضعها بحيث

يمكنه قراءَتها بسهولة.

أحطّم أثاثَ غرفة الجلوس

لأثبتَ

أنّي لا أملك شيئاً ثميناً.

 

عندما أراهُ جامداً،

أقرّرُ أنْ أحفرَ نفقاً

إلى باحة مجاورة-

بجدارٍ من قرميدٍ

أحكِمُ إغلاقَ القَبْوِ

من أعلى الدرج.

أحفر بقوّةٍ

وسريعاً أنجز النَّفقَ.

تاركاً مِعْولي ومجرفتي في الأسفل،

 

أجد نَفْسي أمامَ منزلٍ ما.

وأقفُ هناكَ مَنهكاً للغاية،

عاجزاً عن الحركة أو حتّى الكلامِ،

آملاً أنْ يساعدني أحدُهم.

أشعرُ بأنّي مراقَبٌ،

وأسمع أحياناً

صوتَ رجلٍ ما،

دون أنْ يحدثَ شيءٌ،

وما زلتُ منتظراً منذ أيام.

****

البَاصُ الأخير

(ريودي جانيرو، 1966)

الظَّلام.

مطرٌ خفيفٌ

يبلّلُ الشوارعَ.

لا شيءَ يتحرَّكُ

 

في حديقةِ لوتا

تتدلّى أشجارُ النّخيلِ

فوق العشبِ المجدولِ،

والأغصانُ المتشابكةُ،

 

المحزَّمةُ في رُزَمٍ،

تتموَّجُ بجوارِ الأرصفةِ.

العالمُ بعيدُ المَنال.

أشباحُ السابحينَ تنهضُ

 

ببطءٍ من الزَّبد

وترتفعُ عالياً في الرَّذاذ.

يتنزَّهونَ على الشّاطئِ

وعيونُهم تتوهّجُ

 

كالنّجومِ.

ورِيُو تنامُ: البحرُ حلمٌ

فيه تموتُ وتولدُ من جديد.

 

يسرعُ الباصُ.

تذوبُ غيمةٌ بنفسجيّةٌ

من خلْفِه

ساقايَ ترتجفان.

 

تمتلئُ رئتايَ بالبُخارِ.

يغطّي العرقُ وجْهي

ويتساقطُ على صَدْري.

يؤلمني عُنقي وكتفايَ.

 

غيرَ واثقٍ من

يقَظتي

أتشبّثُ بالحافةِ

السّاخنةِ لِلمقْعَد.

 

يبتَسمُ السّائقُ.

سِرْوالُه منزلِقٌ إلى أعلى ركبَتَيْه.

ورَبْلَتاه العارِيتانِ

تتوهّجانِ في الحرّ.

 

تحاولُ امرأةٌ أنْ تهدِّئني.

تضعُ يدَها تحتَ قميصي

وتكتبُ أسماءَ الأزهارِ

على ظَهْري.

 

تنّورَتُها سوداءُ.

على كلّ ركْبةٍ من رُكْبتيها رُسِمَتْ

جمجمةٌ صغيرةٌ وعظمتانِ مُتَصالبتان.

هناكَ حديقةٌ في عينيها

 

حيثُ صفوفٌ من شواهد قبورٍ بيضاءَ

باهتة تملأُ الهواءَ،

والنّاسُ واقفون،

يلوّحونَ بالوَداع.

 

أشعرُ بأنّي هناك.

تهمسُ عبر أسنانها،

وتضعُ شفَتَيْها

على خدّي.

 

يلتفِتُ السّائقُ.

عيناهُ مغلقتان وهو يمشّطُ

شَعْرَهُ للخلف.

يريدني أنْ أكونَ شُجاعاً.

 

أشعرُ بنَبْضِ قلبي

يزدادُ ضعفاً إذ يتحدّثُ.

تقبّلني المرأةُ ثانيةً.

فكُّها يصِرُّ

 

ويلتصِقُ نفَسُها

كضبابٍ بعنقي.

ألتفتُ إلى حافةِ

النّافذةِ المِصَّدَعَةِ

المخطَّطةِ بالمطرِ.

أين كنْتُ؟

أنظرُ صوْبَ ريو-

كلُّ شيءٍ مختلف.

 

لا يمكنُ رؤيةُ

المسيحِ الذي كانَ واقفاً

في برْكَةٍ من الضّوءِ الكهربائيّ

فوق أعالي تلَّتِه.

 

الخليجُ أسودُ.

والمدينةُ السّوداءُ

تغرقُ في قبرِها.

ولن أرجعَ أبداً.

 

أَكْلُ الشِّعر

يسيل الحبرُ من زوايا فمي.

لا سعادةَ كسعادتي.

أنا آكلُ الشّعرَ.

لا تصدّقُ موظفةُ المكتبة ما تراه.

عيناها حزينتان

وهي تتمشّى ويداها في ثوبها.

 

اختفتِ القصائدُ.

الضّوءُ خافتٌ.

الكلابُ على درج القبو، وهي تصعَدُ الآن.

 

عيونها تدورُ

وكأغصانٍ تحترقُ سيقانُها الشّقراءُ.

تبدأ الموظَّفةُ المسكينةُ بهزِّ قدَمِها والبكاء.

 

إنّها لا تفهمُ ما يجري،

فتصرخُ

حين أركعُ على ركبتيَّ لاحِساً يدَها.

 

أنا رجلٌ جديد.

أزمْجِرُ عليها وأنبَحُ.

ألْهو بمرحٍ في ظلامِ الكتبِ.

التَّخلّي عن نَفْسي

 

أتخلَّى عن عينيَّ اللّتين هما بيْضَتانِ زُجاجيّتان.

أتخلَّى عن لِساني.

أتخلّى عن فَمي الذي هو الحلمُ الدائمُ

لِلِساني.

أتخلَّى عن حَلْقي الذي هو كُمُّ صَوْتي.

أتخلّى عن قلبي الذي هو تفَّاحة تحترقُ.

أتخلّى عن رئتيّ اللّتين هما أشجارٌ لم ترَ

القمرَ قطّ.

أتخلّى عن رائحتي التي هيَ رائحةُ حجرٍ يسافرُ عبْرَ

المطر.

أتخلّى عن يديَّ اللّتين هما عشرُ أمنيات.

أتخلّى عن ذراعيَّ اللّتين تريدانَ تَرْكي بأيّ شكْلٍ.

أتخلّى عن ساقيّ اللّتين هما عاشقتان في اللّيل فقط.

 

............................................................................................

 

أتخلّى عن ثيابي التي هي جدرانٌ تخفقُ في الرّيح

وعنِ الشّبح الذي يحيا فيها.

أتخلَّى وأتخلّى.

ولن تحظَى بشيءٍ من ذلك لأنّني أبدأ للتوِّ

ثانيةً من دون أيّ شيءٍ.

النّبوءَة

تلكَ اللّيلةَ، اندفعَ القمرُ فوق البرْكَةِ،

محوّلاً المياهَ إلى حليبٍ، وتحت

أغصانِ الأشجارِ، الأشجارِ الزّرقاء،

تمشَّتْ امرأةٌ شابّةٌ، ولِلَحْظةٍ

 

انكشفَ لها الغيْبُ:

يهطلُ المطرُ على قبرِ زوجِها، على

مروجِ أطفالِها، هواءٌ

باردٌ يملأ فمَها، يدخلُ الغرباءُ منزِلَها،

 

رجلٌ في غرفتها يكتبُ قصيدةً، يندفعُ القمرُ إليها،

امرأةٌ تتجوّلُ تحت أشجارِها، مفكِّرةً بالموت،

مفكّرةً به مفكّرةً بها، والرّيحُ ترتفعُ

وتأخذُ القمرَ، تاركةً الورقةَ سوداء.

 

اِبْتهال

هناك حقلٌ مفتوحٌ فيه أستلقي في حفرةٍ حفَرْتُها ذات مرّةٍ وأمدَحُ السَّماء.

أمدحُ الغيومَ التي تشبه رِئاتٍ من ضوء.

أمدحُ البومةَ التي تريد أن تسكنَ فيَّ والباشقَ الذي لا يريد.

أمدحُ ضراوةَ الفأْرِ، تأمُّلَ الذِّئب.

أمدحُ الكلبَ الذي يحيا مع أفراد العائلة ولن يصبحَ أبداً واحداً منهم.

أمدحُ الحوتَ الذي يحيا تحت الأغطيةِ الباردةِ للملْح.

أمدحُ تشكّلاتِ الحبَّار، قِبابَ المينْدرا.

أمدَحُ سرّيةَ الأبواب، انفتاحَ النّوافذ.

أمدحُ عمْقَ الخزانات.

أمدحُ الريحَ، الأجيالَ الصاعدةَ من الهواء.

أمدحُ الأشجارَ التي سيجلسُ على أغصانها ديك البرتغال والدّيك البولوني.

أمدحُ نخيلَ رِيُو، والنَّخيل الذي سينمو في لندن.

أمدحُ البستانيّين، الديدانَ والنّباتاتِ الصغيرة التي تمدَحُ بعضَها بعضاً.

أمدحُ الكرزَ الحلْوَ لجورج تاون وماين وأغنيةَ العصفور ذي العنق الأبيض.

أمدحُ شعراءَ ويفرلي بليس والشارع الحادي عشر، وذاكَ الذي تتحوَّلُ عظامُهُ إلى

زُمّردٍ داكنٍ حين يقفُ قائماً في الرّيح.

أمدحُ السّاعات لأنّي بها أصيرُ شيخاً في يوم، وشاباً في يوم.

أمدحُ كلَّ أشكال الظِّلال، تلك التي أراها وتلك التي لا أرى.

أمدحُ السقوفَ كلَّها، من السقفِ المائيّ للبحيرةِ إلى السّقفِ الارْودوازي لإدارةِ الجمارك.

أمدحُ أولئكَ الذين جعلوا أجسادَهم سِفاراتٍ أخيرةً للشّهوة.

أمدحُ فشلَ الذين يطمحون، أصحابَ كرَّاساتٍ ودفاترَ بلا قيمةٍ.

أمدحُ القمرَ لِتَعْذيبه البشرَ.

أمدحُ هِباتِ الشّمس.

أمدحُ ألَم الانبعاث، ونعمةَ الزَّوال.

أمدحُ الجميعَ دون مقابلٍ إذْ لا ثمنَ لذلك.

أمدحُ نفْسي للطريقةِ التي أحفرُ بها بالمعول وأمدحُ المِعْوَلَ.

أمدحُ حميَّةَ المديحِ التي سأولدُ بها ثانيةً.

أمدحُ الصَّباحَ الذي شَمْسُهُ فوقي.

أمدحُ المساءَ الذي أنا ابنُهُ.

 

مرثية 1969

(بعد كارلوس دروموند دي أندرادي)

تستعبدُكَ شيخوخَتُكَ

ولا شيءَ ممّا تفعلهُ ينفعكَ كثيراً.

يوماً بعد يوم تمرُّ عبر الحركاتِ ذاتِها،

ترتجفُ في السرير، تجوعُ، تشتهي امرأةً.

 

يملأُ الحدائقَ التي تتنزَّهُ فيها

أبطالٌ يمثّلون حياةَ التّضحيةِ والطّاعةِ.

ليلاً، في الضّباب، يفتحونَ مظلاّتِهِمِ البرونزيّةَ

أو ينسحبونَ إلى الصّالاتِ الفارغةِ لدور السّينما.

 

تعشقُ اللّيلَ لقُدْرَتِهِ على مَحْوِكَ.

لكنَّ مشاكلَكَ لن تدعَكَ تموتُ وأنتَ نائمٌ.

يثبتُ الاستيقاظُ فقط وجودَ الآلةِ العظيمةِ

والضوءُ القاسي يسقطُ على كتفيك.

 

تتمشّى بين الموتى متحدِّثاً

عن شؤون الرّوح وأزمنةٍ ستأتي.

ضيَّعَ الأدبُ أفضل ساعاتِ ممارستِكَ للحبّ.

ضاعَتْ عطَلُ نهاية الأسبوع، وأنتَ تنظّفُ شقَّتَك.

ستعترفُ سريعاً بفشلكَ وتؤجّلُ

الفرحَ بأكمله إلى القرن المقبل. تقبَلُ

بالمطرِ والحربِ والبطالةِ والتوزيع غيرِ العادل للثروة،

لأنّكَ عاجزٌ، بمفردك، عن تحطيم جزيرة مانهاتن.

 

ترجمة: جولان حميد حاجي

تحرير النص: أسعد الجبوري


.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri