بنيامين
زافانيا
Benjamin Zephaniah
(1958-....)
زافانيا الشاعر
المتمرد رفض جائزة البلاط الملكي
اسمه بنيامين
زافانيا ولم نسمع به قبل ان يحصل على جائزة الملكة اليزابيث
الثانية بل بعدما رفض الجائزة. أي, لو انه لم يرفضها, لما وصل
صوته الى أربعة أقطار العالم, ذلك ان صوت زافانيا الشعري لصيق
بالتقليد المستجد للشعر الإلقائي المرتبط بحركية الموسيقى الشعبية,
خصوصاً "الرّيغي".
لكن لماذا تمنح
"المؤسسة" جائزتها لشاعر شعبي, أمضى ردحاً من مراهقته في السجن,
والردح الآخر في الأزقة اللزجة لمدينة لندن الأخرى, لا لندن
"هارودز" و"بيكاديللي" بل شرق المدينة وشمالها حيث يعيش الملونون
والأيرلنديون وسقط متاع الإمبراطورية البائدة كالهنود والباكستانيين
والجامايكيين, أجداد زافانيا؟
المؤسسة تفكر
سياسياً, فالشعر آخر همومها. والحال الراهنة لحكومة بلير مزرية,
لا الطبقة المتوسطة معه ولا طبقة العمّال, بمن فيهم المهاجرون.
والواقع ليس معه أحد سوى بعض اليهود وبعض "المحافظين" من حزب
العمل حفظاً لماء الوجه, لا غير. إذن كيف يستعيد توني بلير بعض
الروح مما فقده في الشارع الإنكليزي, منبت حزبه وزبدة شعبيته
المندثرة؟
بما ان الفرع
الثقافي من مكتبه يوصي بأسماء المرشحين للأوسمة الملكية, وبما
ان التذاكي البيروقراطي ليس دائماً قمة في الذكاء انتهى أمر
جائزة الشعر للعام 2003 الى إحراج الملكة, وإخراج زافانيا من
محيطه اللندني الى آفاق أكثر رحابة. أرادوه طريدة فتحوّل الى
فخ! أرادوه ملاذاً فإذا به عاصفة أخرى تهب على 10 داونينغ ستريت!
المفارقة المضحكة
في الشغل البيروقراطي ان الموظفين لا يطالعون بل يقرأون "عن"
هذا أو ذاك من الشعراء أو الروائيين في الصحف, ويستنسبون ترجيحاتهم
وترشيحاتهم بناء على بورصة الشهرة كما يصنّعها الإعلام, بصرف
النظر عن الجدارة الفنية الصرف. فلو قرأ مكتب توني بلير قصيدة
"مُشترى ومُباع" من ديوان "أسود جداً, قوي جداً" لزافانيا لما
حصل ما حصل. تقول القصيدة في مطلعها: "الجوائز الكبرى والفلوس/
تقتل الشعر الزنجي/ لا المراقب ولا الديكتاتور من يخنق هذا الفن/
بل وهج اللقاء الملكي/ ولمسة المجتمع المخملي/ ما يعتّم إبداعنا
ويأكل قلوبنا/ الجدود يتململون في قبورهم..."
حتى لو أراد
زافانيا ان "ينحني" لما استطاع بعدما نشر هذه القصيدة. في الخامسة
والأربعين من عمره لا يزال صوته متطرفاً بكفاحه ضد الظلم وقانون
اللجوء والتشريح وتعذيب الحيوانات والشركة البريطانية - الأميركية
بقيادة توني بلير, والحرب على العراق. مواقفه وقصائده تلتقي
في مصب واحد: خارج الأكاديمية, علماً بأنه تلقى عرضاً لتدريس
الشعر في أوكسفورد وكيمبريدج وشاع ترشيحه العام الفائت لمنصب
لا يصدّق, هو شاعر البلاط!
ولد زافانيا
في بيرمنغهام عام 1958 من أم جامايكية, تعمل كممرضة, وساعي بريد
من باربيدوس. كان البكر في عائلة من تسعة أطفال وترعرع وسط الجو
الجامايكي في منطقة هاندزوورث. في صغره كان مصاباً باللعثمة
والبطء في تلقي العلم, ما دفعه الى الفرار من المدرسة وارتكاب
السرقات. عرف الإصلاحيات والسجون مرات عدة. غادر بيرمنغهام وهو
في الثانية والعشرين الى لندن لينضم الى فورة "الريغي" وشغب
محيط بريكستون. بصورة عامة ليس زافانيا متمرداً من النوع السلبي,
بالعكس فهو يفرّق بين حبه لمسقط رأسه وعشقه للثقافة الإنكليزية
المتنوعة, وبين اعتراضه على السياسة وأسلوب التعامل "الإمبراطوري"
ذي الفوقية المكروهة. على الرغم من شهرته وبسبب شكله الخارجي
لا يزال عرضة لمضايقات الشرطة الذين يوقفونه ويطلبون منه تسليمهم
مخدرات ليست بحوزته, فهو لا يدخن ولا يشرب ولا يأكل اللحم, بل
يمارس اليوغا وشديد الكلف بنظافة جسمه, خارجه وداخله على السواء.
لكن سخط زافانيا
على البوليس غير مرهون بهذه المضايقات. ففي مخفر تورنهيل, حيث
تلقى هو معاملة عنيفة في صباه, توفي العام الفائت مايكل باول,
ابن عمه, نتيجة اهمال "متعمّد" لحاله الصحية, وكان زافانيا لا
يزال تحت وطأة خسارة صديق انتحر في ظروف غامضة أيضاً. نتيجة
ذلك شكّل زافانيا هيئة اجتماعية قوامها محامون وعاملون اجتماعيون
وفنانون وأدباء وعمال وموظفون لملاحقة قضايا الوفيّات "الغامضة"
في السجون البريطانية.
يقول بنيامين
زافانيا ان ردود الفعل على رفضه الوسام الملكي البريطاني كانت
مذهلة. هناك سائق باص أوقف عربته في وسط لندن ونزل ليقبله. مئات
الرسائل من كل بلدان العالم تدفقت عليه في البريدين الإلكتروني
والعادي, ناهيك عن المخابرات الهاتفية. مع ذلك فهو لم يغير شيئاً
في يومياته: "ما زلت أفعل الأشياء نفسها كل يوم. السبت صباحاً
يأتي الأولاد ويقرعون بابي صائحين الى الفوتبول يا رجل!". ويضيف:
"بريطانيا بلد رائع. انه بلد أصحاب الحوانيت والأرستقراطيين,
والمزارعين ومحبي الحيوانات, السكان يتمتعون بحرية القول وحرية
الانتخاب في اقتراع مفتوح, ولدينا ثقة كبيرة الى حد اننا لا
نحتاج الى دستور مكتوب".
يبقى ان السبب
الرئيس لحبه بريطانيا قدرته على انتقادها. منذ عامين دعاه حزب
العمل للمشاركة في لجنة استشارية للفنون, لكنه انسحب عندما لاحظ
وجود "جواسيس" للحزب في اللجنة مهمتهم "تصويب" وقائع الجلسات
كي تسلك في مسار الخطاب الحزبي. حتى البوليس طلب ان يستعمل ثلاث
أبيات من قصيدة له, تقول: "أحب دغل الأسمنت هذا/ الناس هنا متحدون
في نسل لندني مميز" لكنه رفض بسبب معاملة البوليس الخشنة للملونين.
كان في الثامنة
من عمره حين بدأ يكتب الأراجيز الشعرية باسم مستعار: ويلفريد
واتسون, وأذاعت له "بي بي سي" هذه القصيدة بذلك الاسم: "عجباً
عجباً لماذا أعيش/ أعطي قلبي وروحي للحياة/ أستلقي على العشب
الندي /فإذا دعاني الموت / وأنا في مساس الحاجة والرجاء/ لا
دخان يمكن أن يطفئ ناري". / له 12 مجموعة شعرية, رواية للمراهقين,
وعدد من كتب الأطفال.
قصيدة: شذرات
زافانية
يوم التقيت
الليدي داي
كنت منشرحاً.
كلا هذه كذبة.
كان بطني يؤلمني
ومن يقدر أن
يطرد ريحه
أمام أهل البلاط؟
*
نقاتلهم البوليس
يقاتلوننا
المخبرون ينامون
معنا
ثم يطعنوننا
في الظهر
هذا النظام
عنصري, كما تعلمون
هذا النظام
مثل
قرش لا يصرف
*
كونوا طيبين
مع ديك الحبش هذا الميلاد
لأن ديك الحبش
يريد أن يمرح وحسب
الحبش همشري,
والحبش مهضوم
ولكل ديك فيهم
أم تحبه.
كونوا طيبين
مع أحبائكم هذا الميلاد
لا تأكلوها,
اتركوها تعيش
كي تبقى وفية
لكم, لا منبطحة في صحونكم
قولوا يو! أيها
الديك الحبش نحن معك.
*
كنت أعتقد أن
الممرضات نساء
كنت أظن البوليس
رجالاً
كنت أفكر أن
الشعراء مضجرون
إلى أن أصبحت
واحداً منهم
*
نعرف
من هم القتلة
رأيناهم
يتهادون أمام عيوننا
بكل
فخر كأن كل واحد منهم موسوليني زمانه
رأيناهم
يتهادون
بلا
ذرة عطف وبكل وقاحة
يعرضون
عضلاتهم
مثل
ملائكة الموت
يحميهم
القانون
*
أنا
النموذج المفروض أن أخيفكم
أسود
وغريب
طويل
ولي جدائل
جاهل
يأكل الأعشاب
ألهج
بألسنة كثيرة
أُنشد
في الليل
أظهر
في أي مكان
أنام
مع الأسود
وحين
يفاجئني القمر
أنوح.
جاد
الحاج - الحياة - 11.12.2003