روبرت
بنسكي
Robert Pinsky
(1940-....)
الشاعر الأمريكي
روبرت بنسكي يقول عن نفسه: نشأت في بلدة كان لأحد أجدادي حانة
مشهورة فيها مقابل دار البلدية، وكانت المكان الذي كان يتردد
عليه
السياسيون
ورجال الشرطة لاحتساء المشروب. وعندما بلغت العاشرة من عمري
كان رئيس مركز شرطة لونغ برانش رجلاً سبق وأن عمل لدى جدي
في عقد العشرينات (من القرن العشرين) يوم كان الاتجار بالمشروبات
الروحية مخالفة للقانون. أما جدي الآخر فقد كان يغسل نوافذ
معظم المتاجر في مدينة لونغ برانش بولاية نيو جيرزي، في حين
كان والدي، المختص في النظارات الطبية، رياضياً مرموقاً وقد
تم انتخابه ليكون الطالب الأكثر وسامة في ثانوية لونغ برانش،
حيث التقى وأمي عندما كانا طالبين في المدرسة، مثلما هو شأن
عماتي وخالاتي وأعمامي وأخوالي وأبنائهم جميعاً، وكذلك أخي
وأختي وأنا.
في مثل هذا
المكان توجد قصص. وهذه القصص شائعة - هل حدثت لأبيك أم لشخص
سمع عنه، وهل حدثت في جيله أم في جيل آخر؟ وكأن القصص حية
والناس أوان مؤقتة، أي أن ذلك كان شبيهاً بأحد أشكال استحواذ
الموتى. يقع بليجر بي (وترجمته: خليج المسرة)، وهو أحد أحياء
لونغ برانش، بقرب الشارع الذي تسكنه الطبقة الوسطى الدنيا،
حيث عشنا أنا ووالدي كأطفال (تقع المنازل في نفس المربع الشارعي).
في
خليج المسرة
في أشجار الصفصاف
بمحاذاة النهر عند خليج
المسرة،
يغرد العصفور المواء، دون أن يكرر اللحن مرتين.
هنا، تحت الصنوبر، وعلى بعد قليل من الطريق،
وفي العام 1927، قتل رئيس الشرطة دبليو
وزوجته نفسيهما معاً
وهما جالسان داخل سيارة مكشوفة. هنا تنتشر دعائم قديمة راسخة
وقطع من الطابوق الغائص تحت الماء
في أشكال كقطع اللغز، تنتشر على القاع
حيث المهبط كان لفندق ومسرح برايس.
وهنا كانت القوارب تطلق صافرتين للمدير
لكي يحول الجسر الحديدي المتحرك. إتكأ على ناقل الحركة
مثل ربان في الحجرة التي تختزن الأشغال الهندسية
وناح الجسر ودار على دعامته الوسطى
ليسمح لهم بالمرور. في منتصف الصيف
ربما تنتظر سيارتان أو ثلاث الهيكل الحديدي
ليتحرك جانباً، وربما يكون هناك طفل ليلاحظ
اسماً على المؤخرة مكتوباً باللونين الأسود والذهبي على خلفية
بيضاء،
ساند بايبر، باتسي آن، لا تزعجا
العاطل عن العمل. إن كان قارب يهرب الويسكي
كان الجسر ينغلق بعد أن يمر
ثم ينفتح ثانية لزورق خفر السواحل،
يفتح ببطء الساعة الشمسية، ودائماً يعلق في منتصف الطريق.
أساس الطريق كان سليماً، لكنه ينفتح كما التحويلة،
والنهر يتلوى بين الأرصفة
دون تكرار لمرتين، وكأن العصفور يملأ
الأمسية الرطبة في شهر آب قرب مدخل الخليج
بموسيقى مستعارة يجانسها ويغيرها
حشرات اليعسوب وذباب الرمل وضفادع وجثتان بين نباتات السماء
لا تتحركان في السيارة المكشوفة بين أشجار الصنوبر
قطعة فضة من القصة.
المغني في فندق برايس
في ثوب مهرج ينشر الحزن المتجمع في حنجرته وأطراف الردن، رعشات
قوية
تبدو وكأنها رذاذ من الضوء فوق الماء المظلم
خاتمة اللحن، متغيرة وخافتة
وبعد فاصل من الهدوء والفرح والتصفيق
المسموع في البيوت عبر النهر
بعض الجمهور يبكي وكأنهم ذابوا
داخل الموسيقى. ليست متشابهة أبداً. في برلين
إبنة لورد بريطاني تعشق
أدولف هتلر، الذي التقته، إنها تتملك
شقة زوجين كبيرين من اليهود الأثرياء. وهما ينجوان من الحرب
ليستقرا هنا في بليشر بي، السيدة العجوز
تعلم البيانو، العالم بأسره يدور
ويفتح فمه فاغراً عند أقدامهما بينما الفتاة وأحد النازيين
الكبار
يتفحصان الأثاث والزجاج والصور
القصة الرائعة التي كانت لهما والآن غدت ملكها. بعد عدة أشهر
يدخل الإنجليز الحرب وهي تطلق النار على نفسها في متنزه
فتاة فاسدة، من الطبقة العليا، تدخل حياتها
في حياة الآخرين أو داخل مكان.
أخذ الأرواح – رئيس الشرطة والسيدة دبليو
أخذا روحيهما ليبقيا معاً، كأشباح محليين.
آخر هبات القبل، ماسورة المسدس،
ترتعش من قصة قد يسمعها طفل
ويتذكر نصفها، أصوات بين نباتات السمّار
وغناء بين الصفصاف. من الضفة الأخرى للنهر،
رعشات خفيفة من الموسيقى، نفس اللحن مرتين وتكرار من جديد
يتفاوت ويرتفع. فوق الجسر الجديد العالي
أضواء السيارات العائدة إلى المنازل من مضمار السباق،
ثمة قارب واحد يصدر فرقعة تحت الأقواس، خارجاً
دون أن يلاحظ عبر خليج المسرة صوب البحر المفتوح.
هنا وقف الناس لمشاهدة المسرح
يحترق على الماء. طوال تلك الليلة زوارق الإطفاء
واصلت تشغيل أنابيب رش الماء على اللهب.
في الصباح، أعمدة الدخان والدعامات
الرائحة السوداء للفحم لأسابيع، الركام يعود
إلى النهر. بعد أن تموت
تحوم قرب السقف فوق جثتك
وتراقب النادبين لبرهة. وبعد بضعة أيام
تطفو فوق رؤوس الذين كنت تعرفهم
وتراقبهم من خلال الغسق، ومع اشتداد الظلام
تغادر وتجد طريقك إلى النهر
وتخوضه لتعبر، في الضفة الأخرى، هواء الليل
والصفصاف، ورائحة النهر، وكتلة
من الأجسام النائمة بمحاذاة النهر،
نوع من الغناء من بين نباتات السمار
تناديك من مسافة أبعد من الظلام
تضطجع وتحتضن أحد الأجسام، الأطراف
وتحت وطأة سلطان النوم تتلمسك
وتمارس الحب حتى تنسكب روحك
وتحترق طليقة خارجك وتتحول وتنسكب
داخل ذلك الجسد الآخر، وأنت
تنسى حياتك السابقة، وتبدأ من جديد
عند نفس المعبر – ربما مثل طفل يمر
من خلال ذات المكان. ولكن ليس بنفس الطريقة لمرتين.
هنا في وضح النهار، طائر الكتبرد بين الصفصاف
المقهى الجديد، مع سطيحة وسلم،
ضفادع بين أعشاب البرك حيث كان الجسر المتحرك –
هنا كان يمكن أن تنزلق عبر الماء
عندما كنت محط حضور، في خليج المسرة.
ما الذي استنتجه
من تحول الميزان النازي دخولاً وخروجاً في هذه القصيدة؟ هل
بوسعي أن أنكر النموذج الأميركي كأناس يعيشون دون رنين للتاريخ،
ساكنين الحاضر بقناعة شبه قناعة الأطفال وبرعونة بلهاء؟ لقد
عنيت بالاهتمام في الماضي وعن الماضي ولكن ذلك ليس دفاعاً
بالضبط: فأي شيء هو أكثر لا تاريخية من مشاعر الحنين؟
يغمرني الأمل
في أن تكون قصيدتي عن الفقدان، وليس الحنين، فالمغني الذي
يشدو لحناً إيطالياً، مثل أعمدة المسرح المدمرة، إنما يوحي
ببعد تاريخي للفقدان. الأشياء الصغيرة يمكن أن تفعل ذلك، ففي
قصيدة تشيسلاف ميلوش المعنونة "أغنية على الخزف،" وهي قصيدة
تتناول العواقب المباشرة للحرب العالمية الثانية في بولندة،
حيث قتل الملايين وأصبحت كل عائلة في حداد وتحولت وارسو إلى
أنقاض، يقول الشاعر:
من بين كل
الأشياء المحطمة والمفقودة
الخزف هو أكثر
ما يزعجني
أتذكر أن هذه
القصيدة قوبلت بالاستهجان في بيركلي. وأعتقد أن الشخص الذي
فعل ذلك أراد من ميلوش أن يقول إنه من بين كل الأشياء المحطمة
والمفقودة، فإن أمر الموتى اليهود هو ما أزعجه أكثر من أي
شيء آخر.
لكن ذلك لم
يكن بحاجة إلى قول، كما أن ذلك أيضاً سينقصه البعد التاريخي
للخزف المحطم كمنتج لأوروبا القديمة التي تصورت نفسها متحضرة
ورسمت راعيات الغنم على أقداح الشاي والتي كبلت وطعنت ومزقت
نفسها إرباً. أثير هذه الأسئلة عن قصيدتي ذاتها وأجري مقارنة
دقيقة كهذه لها جزئياً على ضوء اهتمام قومي جديد بتاريخ زمني.
ففي الأسابيع
الأولى بعد 11 ايلول/سبتمبر 2001، اقترح عليّ أحد قرائي بأنه
يتوجب على أحد الشعراء الأميركيين أن يجد اسماً للهجمات الانتحارية
التي حولت طائرات ال 767 إلى أسلحة مأهولة لتصطدم ببرجي مركز
التجارة العالمي والبنتاغون. ولكن حتى في ذلك الوقت المبكر
كان من الواضح بأن تلك الأحداث قد أعطيت إسماً. والإسم هو
التاريخ وقد أوجده إجماع خائف، بعيداً عن إرادة الكتاب وعن
القرارات الرسمية.
ربما يكون
هذا أمراً جديداً بالنسبة لنا. الشوارع والساحات الأوروبية
وفي أميركا الجنوبية لها أسماء لتواريخ على العكس منا. وهنالك
بلدان يكون حتى لاسم الشهر في عبارات مثل "أكتوبر" أو" - أغسطس"
حكاية كاملة عن مصير أو قدر الناس، مجموعة من التعابير المنطوية
على أحداث كبيرة وعار أو بطولة وضغينة.
باستثناء الرابع
من تموز فإن التسمية بالتواريخ لم تقدم مختصرات أميركية مدنية.
وفترات الحرب الأهلية المخضبة بالدم تسمى بأسماء المكان: انتيتام
وغيتيزبرغ وشيلوه واندرسون فيل. أما صراعات حركتنا العمالية
والحقوق المدنية فإنها تذكر بأسماء قادتها: ساكو وفانزيتي،
روزا باركس، تشيني وشفيرنر. 22 تشرين الثاني/نوفمبر فيه شيء
من القوة والرقمان المتناظران 11/22، غير أن أهمية ذلك اليوم
والذي بدا في عام 1963 على أنه فقدان الآمال السياسية والثقافية
الكبيرة قد أصبح أمراً أكثر اقتراناً بالفرد أو العائلة وكشفاً
هاماً في الأيقنة القومية وهي مسألة رموز أكثر من كونها حقائق.
فقط الخانات
الأربع للعام 1968، سنة الاغتيالات والفوضى والتنافس على الرئاسة،
الذي أثار الجوانب الهزلية والمأساوي، ربما تمتلك القوة العاطفية
الدائمة وتثير الذاكرة الملحمية من المادة المقتضبة للتقويم.
فبين العام 1776 والحاضر، تقترب سنة 1968 جداً من اكتساب منزلة
كلمة مثلما هو شأن 1789 و1848 [من سنوات الثورة في أوروبا]
و1914 التي هي كلمات. أما عنوان قصيدة الشاعر ييتس "عيد الفصح
1916" “Easter 1916” فلا تبدو اسماً اميركياً. أيمكن أن نكون
في الولايات المتحدة مترددين في استخدام مختصرات زمنية للتواريخ
والسنين من منطلق قومي حدسي يفضل المبهم وجنة الحنين غير المؤطرة
زمنياً؟
أواجه ذلك
الاحتمال بانزعاج. أفكر في نفسي كأنني شربت شيئاً من التاريخ
منذ الطفولة. وإحدى سيئاتي غير المعروفة هي أنه كان لي دائماً
إحساس بالماضي وأنني ولدت مع ذلك كطفل داخل عربة لأراقب التحول
البطيء للجسر المتحرك، وتلك المقاطعة الوظيفية للطريق الخطي،
مثلما يفعل الشعر وظيفياً بالمفهوم الخطي للزمن.
لقد كان أجدادي
القدامى مهاجرين من يهود أوروبا الشرقية. ربما قصة الهجرة
تلك تتضمن رغبة داخلية بمسح التواريخ والتحديدات. ومثل مؤسسي
السلالات المتوحشين لدى فوكنر، فإن المهاجرين - وربما اليهود
منهم خاصة - في بعض الأحيان يديرون وجوههم عن الماضي. وللعديد
من الأميركيين فإن تاريخنا الأخلاقي الأكثر مركزية وقصتنا
شبه الملحمية التي كانوا يسمونها في عصر النهضة "التاريخ الحقيقي"
والمقصود التاريخ الأخلاقي أو التعليمي يتمثل في كيف يمكن
في جيل واحد أو أقل أن يصبح المرء أميركياً.
وليس جزءا
صغيراً من الانقسام العنصري في بلادنا ذلك الذي له علاقة بالمقارنة
بين تلك القصة وقصة العبيد الأفارقة، الذين حرموا من تلك العملية
لفترة طويلة بحيث وجد التعبير "أميركي-إفريقي" طريقه إلى داخل
لغتنا فقط في الفترة الأخيرة.
بالنسبة لي
كطفل، فإن تاريخ المهاجرين اليهود والجماعات الأخرى أيضاً
كان مندمجاً مع تاريخ بلدتي المرموق. دعوني أصبح للحظة ما
يسميه الإيطاليون كامبانيليستا Campanilista، أي قارع الأجراس،
الذي يدل على أبراج الكنائس المحلية.
لقد زار أبراهام
لنكولن المصيف الساحلي في لونغ برانش بنيوجيرزي. وفي لونغ
برانش، كان كبار المقامرين في القرن التاسع عشر ينفقون على
شركات الإطفاء التي تحمل أسماءهم، مثلما كان أشخاص مرموقون
آخرون ينفقون على الكليات. وفي لونغ برانش، قام الرياضي ديموند
جيم برادي بتسلية ليليان رسل بالتزلج على امتداد المحيط عند
الغسق في واحدة من أولى العربات الكهربائية، وكانت مجرة الركاب
الزجاجية مضاءة بينما السائق في الظلام ليمكن رؤية الهيئتين
الضخمتين للعاشقين المنمقتين والأنيقتين مظهراً وملبساً وكأنهما
في واجهة زجاجية متحركة لأحد المتاجر، وخلفهما موكب هادئ لثلاث
عربات احتياطية في حالة تعطل الأولى ولكل واحدة سائقها الخاص.
وعلى ذات
الكورنيش، قاد الرئيس غرانت مجموعة جياده السريعة. ولجذب الحشود
إلى لونغ برانش، كلفت مجلة هاربرز ونسلو هومر برسم اللوحة
العظيمة "لونغ برانش، نيو جيرزي"، التي تعرض حالياً في متحف
الفنون الجميلة بمدينة بوسطن.
وعندما أطلق
رجل مجنون أغوته السياسة، اسمه غويتو النار على الرئيس غارفيلد
في أحد أيام حزيران/يونيو في محطة للقطار في واشنطن، كان الرئيس
في طريقه لقضاء إجازة في لونغ برانش. وقد غافل غويتو الرئيس
في كنيسة لونغ برانش، والتي أصبحت تعرف الآن باسم "كنيسة الرؤساء
الستة".
وبعد حادثة
إطلاق النار، مكث غارفيلد لأسابيع في حر واشنطن يعاني العذاب
على يد الأطباء الذين كانوا لا يعرفون شيئاً عن تسمم الجسم
ويتوقون لنيل شرف غرس أصابعهم في جراح غارفيلد بحثاً عن رصاصة
ضائعة. لقد كانت مستنقعات بوتوماك تعج بالملاريا ولتجنيبه
الحرارة تم نقل الرئيس وهو راقد في فراشه، تاركاً وراءه شراشف
الموسلين المبللة بماء الثلج والمعلقة في البيت الأبيض، إلى
عربة قطار خاصة محملة بالثلج ونوابض خاصة لامتصاص الاهتزازات.
انطلقت العربة
نحو الساحل صوب لونغ برانش حيث كان الرجال يعملون طوال الليل
لبناء خط سكة حديد فرعي من محطة إلبرون إلى أحد الأكواخ الواقعة
على الساحل. جلب الناس من الفنادق القهوة والسندويشات للعمال
وتم إنجاز الخط الفرعي في الوقت المناسب لنقل غارفيلد على
ذات الفراش من العربة إلى المنزل (الساحلي) حيث أمضى آخر أسابيع
حياته منتعشاً بنسمات الأطلسي.
أستطيع أن
أواصل. فهكذا هي خيوط التاريخ المحلي للبلدة. الفترة المجيدة
الثانية للبلدة كانت في العقود الأولى من القرن العشرين عندما
كانت منطقة استجمام مزدهرة لعوائل الطبقة الوسطى من نيويورك
وفيلادلفيا. كانت القوارب تجلب المسافرين من نيويورك لقضاء
ليلة في المسرح والاستمتاع بوجبة غذاء على الساحل في فندق
برايس. وكان عدد كبير من أولئك الزوار من اليهود أو الإيطاليين
مثلما كان شأن التجار المحليين. كانت هنالك لافتة بذيئة في
المكان، فأنا أذكر ذلك بفضل مضمار السباق في قصيدة "خليج المسرة".
عندما كنت
طفلاً كانت البلدة قد تراجعت عن مجدها في القرن التاسع عشر
وازدهارها في عشرينات القرن العشرين، وفي الخمسينات كانت ما
تزال تتشبث بمسار متراجع من الحانات والألعاب وأقراص الحظ
الدوارة وصالات لعب الكرة الكهربائية المندفعة بنابض ومنصات
بيع الحلوى. المنتجعات الصيفية محزنة لمعظم أيام السنة والمصيف
الذي غدت أفضل أيامه وراءه مضاعف حزنه.
ترعرعت وأنا
أسمع جملة خانعة وحسرة جماعية تقول: "لم تعد البلدة كما كانت".
غير أن سمة فوضوية ومرنة في ذات الوقت في ذكائي منعتني من
التمييز الكفؤ للتراجع في الأعمال واكتشافه من موت الرؤساء.
حانة جدي بنسكي،
التي أطلق عليها اسم "حانة برودواي،" في نفس جهة فندق غارفيلد–غرانت.
وقد اختلطت الخواص التاريخية والمدنية للرؤساء الراحلين الذين
يحمل الفندق أسمهم في ذهني مع اسم "برودواي"، والذي بدأ مستمراً
من مانهاتن حتى باب الحانة المعبق برائحة المشروبات. وقبل
الحانة، وخلال سني العشرينات المزدهرة، كانت العائلة تعمل
في تهريب وتوزيع المشروبات الممنوعة. تداخلت حكايات أيام العصابات
مع قصص وجود مقر البيت الأبيض الصيفي في بلدتنا.
ذلك الماضي
الخافت والضبابي، وغير المحدد يبدو نقيضاً للتواريخ. ولكن،
وعلى أية حال، التواريخ أيضاً أعطيت أبعاداً عاطفية سلبية
على نطاق واسع واستغلت سياسياً وتم تشويهها ونسجت مع الأقمشة
كالسكر الوردي أو تحولت إلى أسلحة قاتلة. قصة العاشقين، باولو
وفرانشيسكا في سيارتهما المكشوفة، وحكاية الزوجة والزوج اللذين
سلما من الحرب وأسماء القوارب والأغنية والمسرح فوق الماء
– كلها تاريخية، وجميعها يأتينا من مصادر مظلمة أو ساطعة شمال
النهر عنا، وكلها متجذرة في رغباتنا ومسراتنا وكذلك في ما
يسميه وليام شكسبير: "ليلة الموت غير المؤرخة."
يعمل روبرت
بنسكي مدرساً في برنامج الكتابة الخلاقة في جامعة بوسطن ومحرراً
للشعر في مجلة سليت Slate، التي تبث على شبكة الإنترنت. كما
أنه يقرأ قصائد كمساهم في برنامج ساعة إخبارية مع جيم ليرر
The Newshour with Jim Lehrer، الذي يذاع على شبكة التلفزيون
العامة. وقد قامت دار فارار وشتراوس وغيرو في العام 2000 بنشر
مجموعته الشعرية الأخيرة أمطار جيرزي Jersey Rain. كما تم
ترشيح مجموعة شعرية أخرى له، هي الدولاب المصور: قصائد جديدة
ومجمعة 1966-1996 The Figured Wheel: New and Collected Poems
1966-1996 لجائزة بوليتزر وحصلت على جائزة لينور مارشال وجائزة
أمباسادور لأفضل كتاب، التي يمنحها اتحاد الناطقين بالإنجليزية.
وتتضمن جوائزه الأخرى جائزة ذكرى شيلي، جائزة وليام كارلوس
وليامز، جائزة أفضل كتاب التي تمنحها جريدة لوس أنجلوس تايمز،
إضافة إلى جائزة هاوارد مورتون لاندون للترجمة لترجمته الأكثر
مبيعا لملحمة جحيم دانتي The Inferno of Dante. وهو عضو في
الأكاديمية الأميركية للفنون والعلوم، والأكاديمية الأميركية
للفنون والآداب، والمحرر المشارك لكتابين، الأول هو قصائد
الأميركيين المفضلة Americans’ Favorite Poems، أما الثاني
فهو قصائد للقراءة Poems to Read. وقد جاءت هاتان المجموعتان
في إطار "مشروع القصيدة المفضلة،" الذي تبناه. ومن بين أعماله
النثرية صوت الشعر: دليل مختصر The Sounds of Poetry: A Brief
Guide وكتابه الأخير الديمقراطية والثقافة وصوت الشعر Democracy,
Culture, and the Voice of Poetry.
خلال فترة
تولي بنسكي لمنصب أمير الشعراء في الولايات المتحدة (1997–2000)،
أسس مشروع القصيدة المفضلة لتوثيق وتعزيز مكانة الشعر في الثقافة
الأميركية والاحتفاء به. وإضافة إلى المختارات الشعرية، فلقد
أنتج المشروع 50 شريط فيديو يظهر الأميركيين وهم يقرأون القصائد
التي يحبونها ويتحدثون عنها، كما صمم موقعاً على شبكة الإنترنت،
هو www.favoritepoem.org
حيث تعرض أشرطة الفيديو وتدار المناقشات بين الأساتذة والطلاب.
يعيش الشاعر
روبرت بنسكي في كامبرج بولاية مساشوستس مع زوجته الدكتورة
إيلين بنسكي.