كاثي سونغ
Cathy Sang
(1955-....)
الشاعرة
الأميركية كاثي سونغ
نمنمات
شعرية أسيوية
في عام 1982، اختار الناقد والشاعر المعروف ريتشارد
هوغو، الذي كان يشرف على سلسة (ييل) للشعراء الشباب، مخطوطة
كاثي سونغ "عروسُ الصّورة" لتكون الكتاب الفائز في مسابقة
ذلك العام. في مقدمته للكتاب يقول هوغو: "إذا قبلنا المرجعية
الثقافية لكاثي سونغ كما تتجلى في قصيدتها "رحيل"، وفي نتفٍ
وشظايا من قصائد أخرى، يمكننا أن نتعرّف على أصل وضرورات حساسيتها
شبه الحيادية. إنها ليست بحاجة إلى الهيجان أو الصراع. لقد
تعلّمت قوّةَ العزيمةِ الهادئة".
تتحدّر سونغ
من أصول صينية وكورية، وكانت جدتها، إذا أردنا أن نصدّق إحدى
قصائد الشاعرة، بمثابة "عروس الصورة" (أو عروسٌ مرسلَة بالبريد)،
أتت إلى جزر هاواي لغاية واحدة، وهي الزواج، بسبب قوة وتأثير
تلك الصورة. بعد تلك الهجرة الغريبة، وجدت سونغ نفسها تقطن
عالمين مختلفين: آسيا القديمة حيث ينحدر أجدادها، وهاواي الحديثة
حيث شبّت وترعرعت.
وقصائدها تسبر
غالباً هذا التقلب الحتمي بين عالمين متناقضين. هنا نجد أنّ
قصيدتها "رحيل"، تمثل مزيجاً من تذكر عالم الطفولة ومن الانفصال
التدريجي عنه في آن واحد. ثمة رغبة في الالتصاق بالجذور سرعان
ما تخبو وتتلاشى، لتفسح الطريق أمام ضرورة التكيّف مع مفردات
العيش الجديد في العالم الجديد.
في قصيدة "البنت
الصغرى" تولي المتحدثةُ اهتماماً بوالدتها، لكنها، مع ذلك،
تقول إنها تخططّ للهرب من قيود الأسرة. وفي قصيدة "أخت ضائعة"
تهرب البنت بالفعل من تقاليدها، وتكتشف الشاعرة، على حدّ تعبير
ريتشارد هوغو، أن "الثمن النفسي لتمرّدها كان عظيماً". إن
حساسية سونغ المتأرجحة بين الجذب والنبذ، القبول والرفض، لا
تغفل أيضاً تصوير القيود التي تفرضها قيم العائلة والمجتمع
على المرأة بوجه عام، وتحدّ من حريتها.
وتجدر الإشارة
إلى أن ديوانها (عروس الصورة) يحاكي أيضاً صوراً أخرى لرسّامين
كبار، من خلال قصائد تتحدث عن الجمال والحزن، وعن تلك الكآبة
التي يجدها المرء في لوحات تشكيلية شهيرة، كما في أعمال الرسام
الياباني كيتاغاوا يوتامارو، التي ترصد، على حدّ قول سونغ،
"العالم السابح" للخادمات والخليلات والممثلات والوصيفات والسبايا.
في ديوانها
الثاني (نوافذ عارية، ساحات من ضوء) الصادر عام 1988، تواصل
سونغ سبرها لعالم العائلة، وتدمج تجربتها الشخصية، كأمّ، بتجربتها
الاجتماعية كأنثى تعيش في بيئة ذكورية لها قاموسها الخاص الذي
تطغى فيه مفردات السيطرة والتحكم. في قصيدة "مشاهد قبَلية"
تصوّر الشاعرة علاقة التواصل والاستمرار بين أفراد الأسرة
الواحدة، والرغبة، في الآن ذاته، بالانعتاق والتحرر منها:
"أحياناً كان شقيقي/ لأسباب عملية/ يمسكني بقوة/ مثلما يمسكُ
ابني شقيقتَه الآن،/ كي لا يطيرَ كلاهما من الأرجوحة".
وفي قصيدة
بعنوان "سماء" تتأمّل الشاعرةُ ماضيها، وتركّز على فكرة العود
الأبدي أو ما يسمّيه فرويد رومانس العائلة، في حوار التواصل
والانفصال عن الجذور. في قصائد أخرى من هذه المجموعة، مثل
"هواء نباتي"، تتابع الشاعرة حديثها عن أولئك المنقطعين عن
جذورهم، والمطالبين في الوقت ذاته، بالبحث عن آليات جديدة
للتأقلم في تربة جديدة. ديوانها "أرض البركة" الصادر عام 2001،
يتحدّث عن شغف سونغ بالطبيعة ودورتها الأزلية، حيث "المطر
الذي هطل ويهطلُ الآن/ هو نفسه المطر الذي هطلَ/ قبل مليون
سنة".
في توصيف قصائدها
تقول كاثي سونغ:
"ثمة قصائد تتحدث عن نافذة أو حقل، وعن آثار للزمن يعثر عليها
المرء هناك: تاريخ شخصي موجز، وخطّ الزمن الذي يقيس طول غرفتك؛
ناهيك عن نافذة تشغلها يوماً وراء يوم، وأنت تحدّق في الأفق،
وفي الحقل البعيد حيث الثلج الهاطل على جانبي الزجاج. إنّ
ما يؤطّر المشهد لديك هو العقل في ذروة تركيزه، مطلقاً شعاعه
الصافي إلى أقبية الذاكرة، بعدما تحرّره قوةُ الخيال. من سحيق
ذاك العمق، تتشكّلُ مربّعات الضوء، مثل نوافذ تمرّ بها في
الليل، أو مثل صورٍ تكتملُ في العتمة".
ولدت كاثي
سونغ في عام 1955 وتلقّت تعليمها في مدارس هاواي، ثم انتقلت
إلى جامعة بوسطن ونالت درجة الماجستير في الكتابة الإبداعية.
تدرّس الأدب في جامعات ومدارس الولايات المتحدة الأميركية
منذ عدد من السنوات.
رحيل
"واهياوا" ما تزال
بلدة حمراء ترابية
حيث الرائحة اللزجة
للأناناس المقطوف
والمرمي في الحقول الواطئة
تتصاعدُ لتختلطَ
بالأوراق الشوكية
للصبّار
في الوادي المجاور.
عشنا هناك
قرب الحافّة
حيث السّحلبية تنمو عالياً
مثل الفوانيس في الليل،
وحيث ثمار الحبّ تنضجُ
على الأغصان
قبل أن يتمّ قطافها.
ترعرعنا هناك
في المطر الراسخ
الذي يهطل مثل ستائر بنية اللون
تختلسُ أمّي النظرَ من خلالها:
مساحات من الكآبة.
كانت تُبقي الأطفال تحت أغطيتهم.
بنينا بيوتاً داخل بيوت،
نازعين الوسائد والشراشف
عن سرير أهالينا،
وشيدنا جدراناً خارج
مجلة (ناشنال جيوغرافيك)
التي كان والدي يتابعها منذ سنوات.
لطالما أشبعنا جوعَنا
على تلك الصور من كل أنحاء العالم،
فيما كان الوحلُ ينقّط
من النوافذ،
فوق الأوراق الخضر الكابية
لسعَفِ البلح
ونحن نأكل السبانخ.
كان الندى الناعم ينمو على شكل خواتم
حول المغسلة
فيما حشرات الميئنية
تسبح عبر الأنابيب
على أقدام كثيرة،
والفطرُ ينمو
حول أصابعنا الصغيرة
جاعلاً كلّ شيءٍ
زلِقَ الملمس.
كنّا موسوسين وشاحبين.
ذات ليلة أتذكّر
كيف أنّ أختي صرخت.
كل الأضواء في المنزل
أنيرت دفعةً واحدة.
في السطوع المفاجئ
اندفعنا إلى غرفتها،
ووجدناها متكوّرة
في الزاوية الأبعد للسرير،
فستان نومها مشدودٌ إلى جسدها بطريقة غريبة،
عيناها كبيرتان كعينيّ،
تحدّقان بعيني الخفّاش
الملتصق على الشاشة.
لكنّ أظافره القارضة
سرعان ما انفكّت أخيراً
ما إن لمسَ أبي فروَ جسدِه
بعصا المكنسة.
أجنحة مائية
الصباحاتُ له،
زرقاء وبيضاء،
مثل غطاء الطّاولة عند الفطور.
إنه سعيد في المنزل،
وبنقرةِ ملعقةٍ
يسحبُ العصافير
إلى تحت كرسيه.
يغنّي فتختفي الصحونُ.
أو حاملاً قلمَ الطباشير كشمعةٍ،
يرسمُ دائرةً.
إنّه يعسوبهُ رقم مائة،
طالباً المزيد من الورق،
وهذا اليعسوب أحمر الجناحين
مثل الآخرين،
يريدهُ أن يطيرَ، ببساطة،
بالانحناءة العفويةِ لتوقيعهِ.
يسمّيها أجنحةً مائيةً،
تلك المصاقل التي لفّها حول ذراعِه.
أرتدي فستاناً من القلق،
وأكنسُ عصافيرَ الصباح.
إلى الماءِ يعودُ،
غاطساً حيث البرودة،
متوثباً، صارخاً في وجه الشمس.
من هنا، يبدو الماءُ مرشوشاً بالذهب.
أراقبُ الدوائرَ
التي يصنعُها جسدُه الصغيرُ
تتموّجُ وتهفّ،
ثمّ تتبعثرُ كالصّدى،
إلى جسدِ الماءِ، والضوءِ والهواء.
بصمتُه على الماء
لا تُعمّرُ إلاّ قليلاً،
مثل رجفةٍ عابرة لجناحِ يعسوب.
ذاك هو الحزن، أقولُ لنفسي،
الصباح الذي اختاره ليتركَ جناحيه خلفه،
ذلك أنّه لن يتذكّرَ
بأنه هو والجمالُ صنوان،
يعبرُ الماءَ، محمولاً على الهواء تقريباً،
في أوّل طيران منفردٍ له.
سوف أكتبُ: "كيف لم يكن بمقدوره
أن يحتوي نشوتَه".
في الجانب الآخر،
وفي إطار زمني آخر،
ينتظرني ـ
بما أنني تجاوزتُ للتوّ جسدَه،
الذي انزلق منّي كسمكة،
سابحاً، متحرّراً من نفسِه.
أخت ضائعة
-1-
في الصين،
الفلاحون أيضاً يُسَمّون أولى بناتهنّ (ملفت)ـ
الصخرة في الحقول البعيدة
يمكن أن ترطّب الفصلَ الجافّ
ويمكنها أن تجعلَ الرجالَ يحرّكون جبالاً
فالخضرةُ الشّافية للهضابِ الداخلية
تلمعُ مثل قطعٍ من البطيخ الشتوي.
والبناتُ ممتنّات جداً:
لم يسبق لهنّ أن غادرن المنزل.
أن يتحرّكن بحرية فذلك بذخٌ
سُرِقَ منهنّ منذ الولادة.
هنّ يجمعن الصَبر، عوضاً عن ذلك،
ويتعلّمن المشي بأحذيةٍ
لها حجمُ فناجين الشاي
ومن دون كسر ـ
قوسُ تحرّكاتهن هاجعٌ مثل صفصافةٍ راسخةٍ،
فائضٌ عن الحاجة مثل دجاجاتِ المزرعة.
لكنهنّ يوغلن بعيداً
في فنّ العيش،
ويتعلّمن كيف يفرشن أرز العائلة
ويخرسن الجنّ
والمعد الخاوية.
ـ2 ـ
ثمة أخت
عبر المحيط،
تخلّت عن اسمِها
مخفّفةً الأخضرَ الغامقَ
بزرقةِ المحيط الهادي.
فوق مدّ من الجراد
سبحت مع الأخريات
لتغمرَ شاطئاً آخر.
في أميركا ثمة دروبٌ كثيرة
ويمكن للنساء أن يتنزّهن مع الرجال.
ولكن في برّيةٍ أخرى،
الاحتمالات،
الوحدة،
يمكن أن تلتفّ
وتخنقَ المرءَ مثل علّيق الغابة.
...
...
اكتشفتِ أنكِ تحتاجين للصّين:
هويتُكِ الوحيدةُ الهشّةُ،
مثل حلقةٍ زرقاء
مقفلةٍ كالقيد حول معصمِك.
تتذكّرينَ أمّكِ
التي مشت لقرونٍ طويلة،
بلا قدمين ـ
وهاأنتِ، مثلها، لا تتركينَ آثارَ أقدامٍ
فقط لأنّ محيطاً بأسره يفصلُ بينكما ـ
ذاك الفضاء المتواصلُ لتمرّدكِ.
ترجمة وتقديم:
عابد إسماعيل