آي
AI
(1947-....)
الشاعرة الأمريكية "آي"
القسوة في صيغتها البدائية
اسمُها الحقيقي فلورنس أنتوني، لكنها اختارت وبشكل قانوني، اللقبَ الغريب (آي) أو (Ai)، ويعني "الحبّ" في اللغة اليابانية، لتذيّلَ به جميعَ كتبها المنشورة. هذه الشاعرة التي فازت بجائزة الكتاب القومي للشعر للعام 1999 عن ديوانها (رذيلة)، وهي من أرفع الجوائز الأدبية في أمريكا، تدافع عن اختيارها للقب بقولها: "آي هو الاسم الوحيد الذي أرغب أن أُعرَف به. ولدتُ من جرّاء علاقة مشينة ربطت والدت ذات الأصول الزنجية، برجل ياباني التقَت به مصادفةً في محطّةٍ لسيارات الأجرة، وبسبب ذلك أُجبرتُ على أن أعيشَ كذبةً لسنوات عديدة بسب إخفاء والدتي هوية والدي الحقيقية عنّي، فكان لا بدّ من إسقاط اسمه من الكنية".
في قصائدها ثمة الكثير من السكاكين، والفؤوس، والنصال، أو المذراوات التي تشطر الجماجم، وتمزّق الجسدَ إرباً، أو تطعنُ شعاعَ الشّمسِ ذاته. إن ما يمكن أن يتحوّل إلى عنفٍ عبثي مبالغٍ فيه لدى شاعر آخر، يتحول بين يدي هذه الشاعرة إلى إزميل بلاغي حادّ تستخدمه لاختراق النظام الاجتماعي الذي أصبح رديفاً للمعاناة البشرية. هذا العنف ليس مجرد قسوة مرئية من الخارج، بل تعايشه شخصيات القصائد، خاصة أن أبطال الشاعرة يقعون أسرى المونولوغ الدرامي الذي تستعيره الشاعرة من قصائد الإنكليزي الشهير روبرت براونينغ، وخاصة استخدام ضمير المتكلم الذاتي. في كتابها الأول (قسوة) الصادر عام 1973، تهيمن أصوات متقطعة، هذيانية، لبشرٍ يرزحون تحت وطأة القمع العاطفي والنفسي، ما يساعد على تأجيج الرغبة وتصعيدها. قد تكون الرغبة مؤلمة، وتهدد المتكلم بالموت، غير أنّ الشاعرة تركز على اللحظة الهاربة، ولهذا نجد قصائدها قصيرة، مكثفة، وجارحة، بل ثمة من يشبهها بطعنات خاطفة للرغبة في حياة قاحلة جدباء.
المنولوغات في كتابيها اللاحقين "أرض القتل" الصادر عام 1979 و "إثم" الصادر عام 1986 هي أكثر طولاً، والناطقون بها ينتمون إلى مكان وزمان محددين. بعض هؤلاء شخصيات تاريخية حقيقية من مثل لوبي دي أغويري، المغامر الإسباني الشهير من القرن السادس عشر. ثمة شخصيات أخرى معاصرة، مثل الممثلة الأمريكية مارلين مونرو، وليون تروتسكي، القائد الروسي الشيوعي الذي نفاه ستالين. في قصيدتها "أرضُ القتل" مثلاً، يظهر تروتسكي في مقاطع ثلاثة، وفي كل ظهور، نكتشف أنّ موعد اغتياله يقترب أكثر فأكثر من لحظة الصّفر. وثمة متحدثون آخرون من نسج خيال الشاعرة، هم مجرد أسماء أو رموز، مثل "سالومي" التي تحمل اسم الراقصة التي تطالب برأس القديس يوحنا المعمدان، والتي تتكشّف قصتها عن رعبٍ فظيع لا نجد له مثيلاً، ربما، إلا في مسرحيات المتشائم السويدي ستريندبرغ. وبسبب هذه الخاصية الدرامية المتفردة، تندمج الأصوات في القصائد متحولة إلى ما يشبه الجوقة في مسرحية إغريقية.
ولدت آي في عام 1947، وهي تتحدّر من أصول يابانية وإفريقية. تحمل شهادة الماجستير في الدراسات الشرقية من جامعة أريزونا، وينصب اهتمامها الأكاديمي والشخصي على دراسة البوذية كحركة تصوف كبرى في تاريخ الفكر الإنساني. مارست، وما تزال، مهنة التدريس في العديد من الجامعات الأمريكية. من أهم أعمالها الشعرية: "قدر" الصادر عام 1991، و(طمع) الصادر عام 1993، و (رذيلة) الحائز على جائزة الكتاب القومي للشعر عام 1999، و"خوف" الصادر عام 2003.
رجلٌ لامرأة
يضربُ البرقُ السقفَ
يغرزُ السكّين، العتمةَ،
عميقاً في الجدران.
جميعُها تنزفُ ضوءاً فوقنا
ووجهُكَ، المروحةُ، تنفتحُ،
ولا أدري لماذا أنت خائفٌ
لأنّكَ معي.
نحن لا ننصهرُ معاً حتى في السرير
إلى حيث ينتهي بنا المطافُ دائماً.
لا حاجةَ لأن تخفي تلك الحقيقة:
أنتَ ثلجٌ وأنا جمرٌ،
ولديّ الندوبُ لأثبتَ ذلك.
ولكن افتح فمَكَ،
وسوف أذيقكَ طعمَ سوادٍ
لن تنساه.
سوف يجعلكَ قوياً لبعضِ الوقت،
ويجعلُ قلبكَ جسوراً كأسد،
ومن ثمّ أسترجعُه منك.
عشرون عاماً من الزواج
تتركني أنتظرُ في شاحنةٍ
علِقَت دواليبُها في المستنقع،
وتذهبُ لتتبوّلَ على الطرف الجنوبي للشجرة.
هيّا، أسرع. لم أرتدِ شيئاً تحت تنورتي هذه الليلة.
هذا ما يزالُ يثيركَ، لكن هذه "البيك آب" بلا نوافذ
والمقعدُ المصنوعُ من جلدٍ مزيف،
الضاغطُ بقوة على فخذي، باردٌ جداً.
حجمي وشكلي وهيئتي هي نفسها قبل عشرين عاماً،
ولكن ادخل فيّ، وأدِر المحرّكَ،
سوف تمتلك القوةَ والإرادةَ لتتحرّك.
أنا أسحبُ، وأنتَ تدفعُ،
وننشطرُ معاً إلى نصفين.
هيا، حبيبي، مدّدني على ظهري.
تظاهر أنكَ لا تدينُ لي بشيء،
فربما خرجنا من هنا،
تاركين الماضي مكوماً خلفنا،
مثل جرائد عتيقة لن يقرأها أحدٌ ثانيةً.
إهانة
فوق الرأس، يشتعلُ عودُ الثقاب،
غير أنّ مكعّب الثلج في المقعد الخلفي
يظلّ يذوبُ بفعلِ حرارةٍ متخيّلة،
ونهر هدسون العجوز يصعدُ السفحَ على رؤوس أصابعِه.
بلوزتي القطنيةُ رطبةٌ جداً وصارت شفّافة،
تلتصق بصدري مثل يدٍ مذعورةٍ.
حقيبةُ الملح الصخري المسفوحةُ قربي تستيقظُ عطشى
وتمدّ لساناً مترنّحاً باتجاه مكعّب الثلج.
أضغطُ دوّاسةَ الغاز بقوّة.
سأعودُ إلى المنزل، والساحة الترابية، والبركة،
سأعودُ إليكَ في الخلف وأنت تحفرُ بئراً
تريد أن تملأه بعرقكَ
بالرغم من أنه لا يوجد سببٌ واحد يجعلني أرغبُ بذلك.
لا تلحظ وجودي أبداً حتى نهاية اليوم
عندما تضع يدكَ على ركبتي
ويكون مكعبُ الثلج، المطهوّ حتى الرّغوة،
حاراً بما يكفي لحرقِ الجلدِ عن لمستي.
سالومي
"سالومي أميرة يهودية من القرن الأول الميلادي، طالبت برأس يوحنا المعمدان مقابل تأديتها لرقصةٍ أمام الملك هيرود. في الكتاب المقدس (ماثيو 14 ـ 6) سردٌ لقصتها، لكنها لا تُذكَر بالاسم".
أقصّ سويقة القرنفلة الحمراء
وأضعها في حوضِ الماء.
تطفو حيث يطفو رأسُكَ
إذ قمتُ بقطعِها.
ولكن ماذا لو أنني قطّعتُكَ إرباً
انتقاماً لتلك الظهيرات
عندما كنتُ في الخامسة عشرة
ومثل عصفورِة الجنّة
ذُبِحتُ من الوريدِ إلى الوريد بسبب ريشي.
حتى أنّ اسمي كان يوحي بجناحين،
وبقفصٍ مجدولٍ، وبالطيران.
"تعالي، اجلسي في حضني"، قلتَ لي.
شعرتُ بأنني طرتُ إليكَ،
وكنتُ عديمةَ الوزن.
كنتَ في الأربعين، ومتزوجاً.
لم يكن مهماً أنها كانت أمّي.
كانت بمثابة بابٍ يُفتَحُ نحوي.
اندمجَ ثلاثُتنا في ما يشبه الخَدَر
ملفوحين بعبير المسك، مسك أيام الآحاد.
ثمة تعرّقٌ وحلاوةٌ.
تلك الخوخة المجفّفة، وطعمُ عرقِ السّوس
عائداً أبداً إلى لساني
حيث لسانُكَ قبالة أسناني
ما يلبثُ أن يلامسَ لساني. كم من المرّات؟
رحتُ أحصي، لكنني لم أستطع أبداً أن أتذكّر.
وعندما ظننتُ بأننا سنستمرّ هكذا إلى الأبد،
وأن لا شيء سيقفُ في طريقِنا
ونحن نهربُ، بلا نهاية، من الوعي،
أتت الأوامرُ. حربٌ في الشمال.
سيفُكَ، والرتبةُ الذهبيةُ على كتفِكَ،
سترتُكَ العسكريةُ ذات الألوان الزاهية،
كما لا يشبهُ الحربَ، كما ظننتُ.
وجوادكَ! كيف امتطيتَهُ وخرجتَ من البوابة.
لا، بل كيف رقصَ ذلك الجوادُ تحتَك
على صوتِ نيرانِ المدافع.
كان بمقدوري أن أسمعَها على بُعدِ فراسخ قليلة.
كنتُ أراكَ تهوي، وجهُكَ قرمزيٌ،
والجوادُ يرقصُ بدونكَ.
وفي اللحظةِ ذاتِها
تنهّدت أمّي، واتجهت، متعثّرةً، إلى الأرجوحة،
حيث النبيذُ في الكأس ذات العنق النحيل
انسكبَ فوق العشب،
وشعرتُ أنني أتحوّلُ إلى لوحٍ خشبي بلون البراندي،
وصار جلدي آلافَ الأوتارِ المشدودةِ بقوّة
حتى إنني عندما مشيتُ إلى البيتِ
كنتُ أسمعُ الموسيقى
تتقافز خلفي
مثل شلالٍ من الحرير الصيني.
سحبتُ رسالتكَ من بين نهدي.
"سالومي"، سمعتُ صوتكَ يهمسُ،
"أيتها العصفورةُ الصغيرةُ، طِيري".لكنني لم أفعل.
فككتُ الشرائطَ الليلكيةَ عن نهديّ
وارتميتُ فوق سريركَ.
بعدها بقليلٍ، سمعتُ خطوات أمي تقتربُ،
ورأيتُها تقتربُ من النافذة.
أطبقتُ عيناي،
وعندما فتحتُهما
مرّ ظلّ سيفٍ عبر حنجرتي،
وأمّي، المرتدية زيّ جنديّ،
انحنَت، وقبّلتني على شفتيّ.
ترجمة وتقديم: عابد إسماعيل