حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

أوخينيو أندرادي
Eugenio De Andrade
(1923-2005)

الشاعر البرتغالي أوخينيو أندرادي

الصمت هو فتنتي

أخيراً وبعد صراع طويل مع المرض هوى ذلك الجسد الذي توحّد مع الشمس والطبيعة والماء، وقنع بها ثروة بعيداً عن الشهرة والأضواء وبهارج المجتمع المادي. لقد ودع الشاعر البرتغالي الشهير خوسيه فونتينهاس Jose Fontinhas المعروف باسمه الأدبي أوخينيو أندرادي Eugenio de andrade، ودّع هذا العالم بتاريخ 13 حزيران الماضي عن عمر يناهز الثمانين عاماً مخلفاً وراءه أكثر من 25 ديوان شعر، وأبرزها المراهق (1942)، اليدان والثمار (1948)، وامرأة في ثياب الحداد (1988) واسم الأرض الآخر (1986) وملح اللغة (1999) وكل ذهب النهار، ومجاري العطش...

ولد الشاعر أوخينيو أندرادي في قرية بافون دي أتلاجا الواقعة في إقليم فونداو المتاخم للحدود الإسبانية، وهو يتحدر من أسرة فلاحين، ولم يعرف في طفولته سوى الشمس، والماء، والطبيعة، مما جعله يقتنع بأن الحياة لا تتطلب سوى أشياء بسيطة جداً. كما جعله يأنف الحياة الدنيوية والاجتماعية، ويمقت حبّ الظهور والاستعراضية الزائفة، ويهرب من المقابلات والمكرفونات. وحول ذلك يقول في سيرته الذاتية بأنه ورث عن طفولته الاستخفاف بالترف والأبهة التي تجسّد بمختلف أشكالها غاية الانحطاط، وأن الصفاء والنقاء الذي اشتهرت به أشعاره إنما هو مجرد ولع بأشياء الأرض بأشكالها الأكثر تأججاً وتوهجاً، تلك الأشياء التي لم تستهلك بعد.

لقد كان أوخينيو أندرادي معجباً بالشاعر الإسباني الشهير غوستابو بيكير، وسان خوان دي لا كروس، وشاعر البرتغال الشهير بوسا، ورامبوا، ووايتمان، كما وتأثر إلى درجة كبيرة بالأدب الإغريقي والشرقي. وكان يتمتع بمستوى أدبي مرموق وواسع، إلى جانب تعمّقه الكبير بالأدب الإسباني. وكان من كبار المدافعين عن دقة اللغة، وغالباً من كان يقضي وقته بالقراءة، وسماع الموسيقى، والنظم، والترجمة، حيث ترجم إلى اللغة البرتغالية أعمال لوركا، وماتشادو، وخوان راميرس خيمينيس.

وكان الصمت والسكون بمثابة عملة نادرة بحث عنها أوخينيو أندرادي باستمرار إذ يقول بأن "الصمت هو فتنتي، وإن الحاجة إليه تتفاقم طرداً، واللقاء به والعثور عليه يندر تباعاً. فالمدن الكبرى أصبحت غير صالحة للسكن، فعندما قدمت في عام 1992 إلى البيت الذي أقطن فيه كنت أسمع البحر ليلاً وأنا مضطجع في حجرتي، أما الآن فقد أصبح ذلك نادراً، إذ لا أسمع البحر إلا عندما تكون التيارات قوية، بينما أسمع كل مساء ولغاية بزوغ الشمس ارتطامات السفن، وطرقات البارات المهووسة والممتزجة بذلك الخليط المشؤوم من الضجة والصخب!!". ويضيف قائلاً: "ليتني استطيع العيش في منزل صغير، وفي حقل قمح متوار عن الأنظار في قريتي الصغيرة، حتى يتسنى لي استرجاع الصمت!!". وفي نفس السياق يبرز أندرادي القول المأثور لبناة قصر الحمراء بأن " خرير الماء هو أروع موسيقى في الكون بعد الصمت!!" وكان يردد باستمرار بأنه على استعداد لمبادلة مملكته بعين الماء المتدفق بصمت في ديار أحد البيوت في الجنوب!!".

وقد تأثر الشاعر أوخينيو أندرادي إلى درجة كبيرة بشخصية والدته، ويقول بأنه عاش معها دوماً، وأنه مدين لها بكل شئ، حتى بأشعاره، فقد ضحّت بحياتها من أجل رجل لا يستحقها، ومالبثت بعدها أن وهبت كل حياتها لابنها الذي أدرك منذ البداية بأنه كان بمثابة الرمق والنفس الدافئ في ثغرها، ويعترف بأنه ولشدة تأثره بشخصية أمه لم يستطع الاقتراب إلا من النساء اللواتي يشبهنها رغم مضي فترة طويلة على فراقها!!

وعن رأيه في الشعر يقول أندرادي: "الشعر ليس فن أناس خاملين، أو نثراً منمّقاً، بل هو أمر قائم بذاته، ويتطلب انغماساً كلّياً من الشاعر في إلهامه، فالشعر هو نار المعرفة التي هي أيضاً نار المحبة والتي يحترق فيها الشاعر ويذوب، فهي أخلاقه ومعنوياته ولا مكان لشيء آخر!!".

وتبرز الذاكرة والموسيقى في أعمال إوخينيو أندرادي الشعرية باستمرار بحيث تبرز الموسيقى كخيط يعلق فيه حبّات أفكاره، ويقول في ذلك: " إنني كالفاخوري الذي يصنع الإناء، فعندما أنظم الشعر أكون مهتماً فقط بتحويل تلك الذاكرة إلى كلمات، وإلى موسيقى"، ويضيف بأن الأرض والعمر والذاكرة هي المادة التي صُنِعنا منها، وهي صواعق يطلقها "جنّي غامضٌ!!".

ولاشك أن تلك القناعات التي تحلى بها أوخينيو أندرادي كانت تقف وراء انتمائه السياسي إلى اليسار بمفهومه الأصيل. وفي ذلك يوضح بأنه لم يكن ينتمي إلى أي حزب، بل أنه – أسوة بالشاعر البرتغالي الشهير بيسوا - "يرفض التفكير متأثراً بالدفاتر المدونة بالأجرة". ويضيف: "إن اليسار الذي أنتمي إليه هو الذي يرفض دوماً الإجحاف وعدم التكافؤ، ويرفض كافة أشكال القمع، ويراعي الواقع الجديد، وليس فقط فيما يخص علاقة الإنسان بالإنسان، بل علاقة الإنسان بالأشياء، ولا يساهم هذا اليسار فقط في توزيع ممتلكات الأرض بالقسطاس بل ويهتم بتوزيع الحقائق والسلطات أيضاً. واليسار الذي أنتمي إليه يدرك بأن إحدى الحقائق تتمثل في الجسد، وأن إحدى هذه السلطات هي الرغبة والأمل، ولا يتجاهل هذا اليسار إطلاقاً بأن للإنسان الحق في السعادة واللذة".

وهكذا فقد توحدت في شخصية إوخينيو أندرادي كل الصفات التي جعلت منه إنساناً عظيماً متواضعاً، وخولته لأن ينال أعلى الجوائز الأدبية حيث نال في عام 2000 جائزة أكستريمادورا للإبداع الأدبي، وجائزة سيلسو إميليو فيرايرو للشعر، وجائزة الحياة الشعرية في البرتغال. وفي عام 2001 نال جائزة كامويس وهي أعلى جائزة أدبية باللغة البرتغالية، ناهيك عن الجوائز الأخرى والأعداد المخصصة بأشعاره في أرقى المجلات والصحف المختصة بالشعر، مما جعل شهرته تطبق الآفاق، وأشعاره تترجم إلى أكثر من 20 لغة مختلفة، ليصبح أشهر شاعر برتغالي على الصعيد العالمي بعد فرناندو بيسوا.

* * *

مطر في البيت

المطر..

مرة أخرى يهطل فوق شجر الزيتون

لا أعرف لم عاد هذا المساء

مادامت أمي قد غادرت..

لن تأتي بعد الآن إلى السطح لترقب تساقطه

لن تكف عن التطريز لترفع عينيها سائلة:

هل تسمع؟

أجل أسمع يا أماه... إنه المطر من جديد

المطر فوق محياكِ...

* * *

الآن أعيش أقرب إلى الشمس

الآن أعيش أقرب إلى الشمس

الأصدقاء لا يعرفون الطريق...

جميل أن يكون الإنسان هكذا

لا يمتلك قياده أحد

في الأغصان العالية / شقيق لتغريد طائر عابر

رجع لرجع/ معاصر لأية نظرة هائمة

فقط ذلك الذهاب والإياب للأمواج

تأجج من صنع النسيان

مسحوق حلوٌ على زهرة الزبد

ذلك بالكاد...

* * *

تسند الرأس إلى الأسى...

وتضرب صفحاً عن سماع العندليب أو القبّرة

وتتحمل الهواء مثقلاً / مشتتاً

بين الوفاء الذي تكنّه / لأرض أمك / والسماوي

شبه الأزرق / حيث تغيب الطيور / والموسيقى /

التي كانت دوماً جرحك، بل كانت ذلك الهيجان /

فوق الكثبان / لا تسمع العندليب / أو القبّرة/ فبداخلك

كل الموسيقى طير.

* * *

إنه مكان إلى الجنوب

/فيه الكلس المتراكم يتحدى النظر /

حيث عشت

وحيث مازلت تعيش في حلمك أحياناً /

الاسم المتضمخ بالماء /يتسرّب من فمك

/ من درب قطيع الماعز تنحدر / نحو الشاطئ

البحر يركل تلك الصخور

/ في هذه المقاطع / العيون تضيع غارقة

في اتقاد اليوم الأول أو الأخير/

إنه الكمال بعينه...

* * *

بلا نهاية...

بين جدران الذاكرة الأربعة

يحضر إلى الديار صهيل الفرس الذهبي

أيها الصباح... الصباح اللامتناهي في دمي

كلمات قليلة... قليلة جداً...

يكاد أي منها يكون غير ضروري

لجلب ذلك العطر...

وكانت الشفاه تلتهب

كان شاب لحجر الوداع

واحتضار مختزل

وبعدها / وكما لو أن الشمس ولدت هنا /

لم نعد لنتسامر في الصحارى

عن نزوات الجسد

* * *

دمعة

تنسابين من مآقيَّ

رونقٌ مكوّرٌ...

كالثمرة... كالقمر.

مهيضة الجانح

تؤبين إلى ماء النهر الزلال

نسغاً حالكاً

لشجرات السوسن الباسقة.

هندسة موجزة

للحزن.

دمعة / بالكاد

* * *

 

ترجمة وتقديم: عصام الخشن / كاتب لبناني يقيم في الأرجنتين


.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri