جوستافو ادولفو بكر
Gustavo Adolfo Bécquer
(1836-1870)
آفاق الأدب العالمي
جوستافو ادولفو بكر..
لؤلؤة نادرة في خزانة الشعر الأسباني
هذا شاعر أسباني لم
تتعد حياته أربعة وثلاثين عاما "1836-1870" ترك مجموعة شعرية
واحدة بعنوان "أشعار" طبعت بعد وفاته بعام واحد‚ لتصبح إنجيل
الشعراء والمحبين منذ ذلك الحين‚ مر على دربه كل شعراء الأسبانية
الكبار قبل ان يكتشف كل منهم صوته الخاص‚ وعرفه عالم الأدب
الواسع من خلال ترجمة أشعاره الى اللغات الرئيسية‚
عندما ولد هذا الشاعر‚
كانت الحركة الرومانسية الاوروبية التي بدأت في المانيا ونضجت
في انجلترا وفرنسا قد امتدت آثارها الى الأدب الأسباني عن
طريق الصحافة الأدبية والترجمة التي عرفت القارئ الاسباني
على اعمال "هوغو" و"جوتة" و"بايرون" و"شيلي" و"هايني" وغيرهم‚
ورفع لواء هذه الحركة الرومانسية في اسبانيا أفواج المفكرين
الاسبان العائدين او الذين كانوا قد هاجروا إبان طغيان الملك
فرناندو السابع‚ ثم عادوا بعد وفاته حاملين معهم الافكار السياسية
الليبرالية والتأثيرات الرومانسية في الادب والفن‚
عاش جوستافو ادولفو
بكر طفولته وصباه في اشبيلية وسط تلك الظروف التي ازدهر فيها
التيار الرومانسي‚ وتجلى ذلك في الشعر والمسرح والمقال الأدبي
بالإضافة الى الرواية التاريخية التي حذت حذو ما كان يكتبه
"سير والترسكوت" في انجلترا‚ الا ان الشاعر كابد صعوبات الحياة
على المستوى الشخصي منذ بداية الطريق‚ فقد توفى والده وهو
في الخامسة من العمر تاركا اسرة فقيرة كبيرة العدد‚ وقبل ان
يكمل عامه الحادي عشر توفيت امه فتشتت شمل الاسرة‚ فكان ان
تعهدته سيدة ميسورة الحال كانت اشبينته يوم تعميده وصديقة
لأمه‚ قضى مرحلة التكوين الفني في بيتها‚ فنهل من مكتبتها
العامرة بذخائر الادب العالمي المترجم وتعرف على اعمال شاتوبريان
وجورج صاند وبلزاك وقرأ اشعار لورد بايرون وموسيه وهوغو ولومارتين
بالاضافة الى اعمال المؤلفين الاسبان كما ساعدته اللاتينية
التي درسها في طفولته الى جانب الفرنسية على قراءة اناشيد
هوراس الغنائية سيظهر تأثيرها في اشعاره فيما بعد‚
هذا العالم الرومانسي
الذي عاشه قراءة سوف يساعد على تنمية ميله الطبيعي نحو التأمل
والعزلة وفي الثامنة عشرة من العمر انتقل من اشبيلية الى مدريد
ليبدأ حياته العملية في الادب وهنا سيعمل بالصحافة محررا ومترجما
ومعلقا من وقت لآخر على بعض المسرحيات والاعمال الشعرية وهي
المرحلة التي بدأ فيها نشر انتاجه في الصحف‚ قلقه وعدم شعوره
بالاستقرار جعلاه يبدأ مشروعات ولا يكملها فكتب فصولا عن التاريخ
الفني للكنائس ثم توقف وبدأ كوميديا غنائية ولم يكملها ولكن
المستقر والمقام كان في الشعر الرومانسي "اجدف في بحر من شكوكي
ولا اعرف اين يتجه ايماني‚ ورغم ذلك يشير لي ذلك القلق الذي
يعتريني‚ انني احمل داخل روحي شيئا مقدسا"‚
صدرت هذه المجموعة بعد
وفاته بعام واحد في ديوان بعنوان "أشعار" وترجمها عن الأسبانية
ماهر البطوطي للمشروع القومي للترجمة "المجلس الأعلى للثقافةـالقاهرة"
وقد حازت هذه الترجمة جائزة "سرفانتسـنجيب محفوظ" للترجمة
من الأسبانية الى العربية عام 2002.
"جوستافو ادولفو بكر"
لؤلؤة نادرة في خزانة الشعر الأسباني كما وصفه نزار قباني‚
وترجمة ماهر البطوطي لؤلؤة نادرة في خزانة الشعر المترجم.
هنا مختارات من المجموعة
كما نشرها الشاعر دون عناوين‚
مختارات
ــ تسأليني ما الشعر
وترشقين عينيك الزرقاوين
في مقلتيا
ما الشعر؟ وأنت التي
تسألين؟
ما الشعر يا حبيبتي
إلا أنت!!
ــ كيف لا تزال تنبض
بالحياة
تلك الوردة التي تضعينها
إلى جوار قلبك
لم أر قبل الآن في هذه
الدنيا
وردة تحيا إلى جوار
بركان ثائر!
ــ لقاء نظرة من عينيك
أهب الدنيا وما فيها‚
ولقاء بسمة من شفتيك‚
سماء بحالها‚
ولقاء قبلة منك‚‚
كلا‚ ليس هناك من شيء
يعادل قبلة منك!
ــ أنا جمرة مشتعلة
سمراء‚
أنا الرغبة مجسدة‚
تفعم روحي شهوات اللذة‚
فهل انا من تبحث عني؟
كلا! لست انت من أنشد‚
جبيني يظلله الشحوب‚
وضفائري من ذهب نضار‚
بوسعي أن أهبك سعادة
غامرة‚
وعندي مفاتيح كنوز الحنان
فهل انا من تنادي؟
كلا! لست انت من أنادي
أنا حلم من الأحلام‚
أنا شيء من المستحيل‚
طيف خيال مجبول من غمام
ونور‚
لا صورة لي ولا ملمس‚
وليس في مقدوري ان احبك
آه! تعالي‚‚ تعالي‚‚
تعالي أنت!
ــ فلتعلمى
انه لو كان لشفتيك مرة
أن تحرك الهواء الخفي
وتحيله جمرات متقدة
فهكذا النفس التي تستطيع
الحديث بلغة العيون
بوسعها أن تطبع قبلة
عن طريق النظرات!
ــ يمضي الأمل من امام
الرغبة
متوهما الحقيقة في أطياف
الغرور
وتتولد أكاذيبه
كما تتولد العنقاء
مما تخلفه من رماد!
ــ حين نعود إلى ابتعاث
ساعات الماضي المارقة‚
تتلألأ بين جفنيك السوداوين
دمعة راجفة توشك على
السقوط‚
وتسقط آخر الأمر‚
تسقط كأنما هي قطرة
ندى‚
حين ندرك
أننا قد نشتاق الى اليوم
غدا‚
كما نشتاق اليوم الى
أمس!
ــ كان حبنا مأساة قصيرة
الأجل
جمعت حكايتها الخرقاء‚
بين الجد والهزل‚
فبعثت الضحك والبكاء
على السواء‚
وكان اسوأ ما في هذه
الحكاية‚
ان نصابها في نهاية
الأمر
كان دموعا وضحكات‚
وكانت الدموع - لا غير
- من نصيبي!!
ــ كنت أنت العاصفة
وأنا البرج العاتي الذي
يتحدى قوتها‚
كان عليك ان تنكسري
أو أن انهدم‚
فكان حبنا مستحيلا!
كنت أنت المحيط
وأنا الصخرة الشامخة‚
التي تتلقى في ثبات
موجاته الهادرة‚
كان عليك ان تتحطمي
أو أن تجرفني الموجات‚
فكان حبنا مستحيلا
أنت‚ جميلة
وأنا‚ ذو كبرياء
حملت العادة أحدنا على
الانتصار
والآخر على عدم الاستسلام‚
ولا مناص من الصدام‚
فكان حبنا مستحيلا!!
ــ تزعمين ان لك قلبا
وما ذلك إلا لأنك تشعرين
بدقاته‚
ليس قلبا هذا
إنما هو آلة‚
تصدر أصواتا مع إيقاع
حركاتها!
ألقيت المصباح في ركن
من الأركان
وعلى طرف السرير المهدل
جلست‚
صموتا‚‚ كئيبا‚
وقد التصقت عيناي الساكنتان
بالحائط‚
لا علم لي‚
كم من الوقت مر علي‚
وأنا على هذه الحال
وحين انقشعت سحابة الألم
المهول عني‚
انطفأ المصباح‚
وضحكت الشمس في آلاف
النوافذ‚
ولا علم لي كذلك
فيم كنت أفكر‚
أو ماذا حدث لي في تلك
الساعات المخيفة
أذكر فقط أنني بكيت
وصحت‚
وأنني في تلك الليلة
قد هرمت‚
إني أطالع أعماق عينيك‚
كأنما أطالع سفرا مفتوحا.