أدغار
آلان بو
Edgar Allan Poe
(1809-1849)
قصائده وتنظيره
للشعر
تأليف: ريتشارد
ويلبور
مؤلف هذا الكتاب
هو الشاعر والناقد الأميركي ريتشارد ويلبور. وكان قد نال سابقا
عدة جوائز أدبية من بينها جائزة الكتاب القومي، وجائزة بوليتزر
وجائزة بولينجين للترجمة. نذكر من بين كتبه العديدة كتابه الذي
يحمل العنوان التالي: «قصائد جديدة» وكتاب الآخر «أشياء عابرة».
وفي هذا الكتاب
الجديد يتحدث المؤلف عن واحد من اشهر الشعراء الذين انجبتهم
اميركا: ادغار آلان بو. وهو يتحدث عنه كشاعر وكناقد في ان معا.
ومعلوم انا «بو» برع في شتى الأنواع الأدبية: من النقد، الى
المقالة، الى الرواية، الى الشعر، الى الكتابة الفلسفية، بل
وحتى الرواية البوليسية.
وقد أثارت حياته
وأعماله مناقشات حامية في أوساط الأدباء داخل اميركا وخارجها.
ومعلوم ان شارل بودلير كان يرفعه الى أعلي عليّين ولا يحلف الا
باسمه وقد أمضى وقتا طويلا في ترجمته الى الفرنسية. وكان يفتخر
بأنه يعرف ادغار آلان بو، اي يعرف انتاجه ويقرأه باستمرار ويستلهمه.
ثم يقول المؤلف
الذي قدم لاعمال ادغار آلان بو: يقال بأن أحد المعاصرين عندما
سمعه ينشد شعره بصوت مرتفع راح يرتجف من شدة الانفعال. لقد أحس
وكأنه واقع تحت تأثير شيء يشبه السحر او المغناطيس. ومعلوم ان
الدوس هوكسلي كان يقول: كل قصائد بو ساحرة.
ولكن المؤلف
يضيف قائلا في مقدمته: هناك شيء آخر بالإضافة إلى السحر في هذه
القصائد. هناك العمق الفكري والنزعة الإنسانية الصافية.
ثم يضيف المؤلف
قائلا: كان ادغار آلان بو يعتبر نفسه شاعرا بالدرجة الأولى.
ولكن ضرورات الحياة المادية أجبرته على امتهان الكتابة الصحفية
وتناول مختلف المواضيع لكي يكسب رزقه.
ولو سمحت له
الأقدار لما كتب غير الشعر وتفرغ له كليا. وفي أشعاره نلاحظ
ذلك البحث عن المطلق عن الحقائق السماوية العليا التي تتجاوزنا
وتتخطانا فنحن عابرون في هذا العالم. نحن لسنا كل شيء. هناك
حقائق عليا اكبر منا.
ولد ادغار آلان
بو في مدينة بوسطن عام 1809 ولكن أبويه ماتا بعد سنتين فقط من
ولادته. وهكذا اصبح يتيما بدءا من عام 1811 وعندئذ تلقاه تاجر
غني وأشرف على تربيته ولكن دون ان يتبناه رسميا.
ثم حصلت له
مشاكل كثيرة مع والده بالتبني وهرب من البيت وهام على وجهه.
وانخرط في الجيش الأميركي لفترة، ثم تركه واشتغل في الصحافة.
وراح ينشر بعدئذ أعماله الشعرية والنثرية حتى وجدوه ميتا في
الشارع بمدينة بالتيمور عام 1849. هذا يعني انه لم يعش اكثر
من أربعين عاما، ومع ذلك فقد ملأ الدنيا وشغل الناس بأدبه وإنتاجه.
ويرى المؤلف
ان ادغار آلان بو كان ناقدا صارما لا يرحم. ولم يكتف بكتابة
الشعر والقصة وإنما نظرّ للأدب آيا. ويعتبره البعض بمثابة المؤسس
للنقد الأميركي الجديد.
وقد ناضل بكل
قوة ضد تأثير الأدب الأوروبي على الأدب الأميركي من اجل التوصل
الى الاستقلالية الذاتية لهذا الأخير. ومن أهم دراساته النقدية
نذكر دراسة بعنوان: ولادة القصيدة وفيها يحلل قصيدته الشهيرة:
العذاب.
كما وكتب دراسة
أخرى بعنوان: المبدأ الشعري ويرى البعض انه أسس فيها ما يمكن
ان ندعوه بالفن من اجل الفن. ولكن يبدو ان هدفه الأساسي كان
يكمن في دراسة التأثير الانفعالي الذي تولده القصيدة على القاريء.
على الرغم من ان الشاعر وصل الى الشهرة والمجد في حياته لفترة
قصيرة الا ان الظروف تآمرت عليه فاحتقره معاصروه ونبذوه وعاش
السنوات الأخيرة في حياته في فقر مدقع. ويبدو انه لم يربح من
كتبه اكثر من ثلاثمائة دولار طيلة حياته كلها!
وقد حصل له
ما حصل للرسام الشهير فان غوخ الذي انتحر بسبب الفقر والجوع
والآن تباع اللوحة الواحدة من لوحاته بثلاثمائة مليون دولار
نستمع إليه يقول في دراسته: مبدأ الشعر:
في هذا الخطاب
عن المبدأ الشعري ليس مقصدي ان أكون شاملا او عميقا اريد فقط
ان اتحدث بشكل موضوعي وبدون منهج منظم عن الطبيعة الأساسية لما
ندعوه بالشعر وأريد ان اضع بين أيديكم بعض العينات من هذه القصائد
الصغيرة سواء أكانت إنجليزية ام أميركية.
ثم يردف ادغار
آلان بو قائلا:
وهي قصائد تتناسب
مع ذوقي الشعري وقد آثرت علي كثيرا عندما قرأتها ولكن بالقصائد
الصغرى لا اقصد القصائد الضعيفة وإنما القصائد القصيرة. واسمحوا
لي بهذا الصدد ان اقول لكم بأن القصيرة الحقيقية هي القصيدة
القصيرة، وأن القصيدة الطويلة لا معنى لها.
هل انا بحاجة
لان اقول لكم بأن القصيدة لا تستحق هذا الاسم الا اذا هزتنا
من الداخل، الا اذا ارتفعت بنا الى ما هو اعلى منا؟ وقيمة كل
قصيدة تتناسب عكسا او طردا مع هذا المبدأ.
كل قصيدة لا
تحرضني لا تنهرني لا ترتفع بي الى ما فوق الحياة اليومية ليست
قصيدة ولكن كل تحريض هو بالضروري نفساني، عابر مؤقت.
وبما ان التوتر
لا يمكن ان يستمر لفترة طويلة فان القصيدة ينبغي ان تكون قصيرة
بالضرورة. ولهذا السبب قلت بأن القصيدة الطويلة هي كذبة مفتعلة.
فلا يوجد شاعر بقادر على المحافظة على التوتر لفترة طويلة مهما
كان عبقريا ثم يتوقف ادغار آلان بو هنا عند الاعتراض التالي:
وماذا تفعل بالجنة الضائعة او الفردوس المفقود لميلتون وهي قصيدة
طويلة جدا؟
وماذا تفعل
بالإلياذة لهوميروس وهي ايضا قصيدة لا نهاية لها؟
ويجيب قائلا:
بأن هاتين الملحمتين وأشكالهما عبارة عن قصائد قصيرة ولكن متتالية
وراء بعضها البعض. وبالتالي فلا ينبغي ان نعتبرها شعرية من اولها
الى آخرها. فهناك لحظات يتوقف فيها التوتر الشعري ويتباطأ قبل
ان يتوصل الشاعر الى زخم جديد وهكذا دواليك.
ثم يتوصل ادغار
آلان بو الى القول بأن هدف القصيدة هو الجمال، هو القصيدة ذاتها.
وبالتالي فعلاقتها الحقيقة او بالواجب ضعيفة، وحتى معدومة. القصيدة
ليس هدفها ان تعلمنا المبادئ الأخلاقية، واذا ما فعلت ذلك فإنها
تبطل ان تكون قصيدة. كل شاعريتها تموت اذا ما تحولت الى وعظ
تربوي او تلقين أخلاقي.
وفي النهاية
يقول بأن جوهر الشعر يكمن في التطلع الانساني نحو الجمال فوق
الطبيعي او الخارق للطبيعة. واذا لم تستطع القصيدة ان تحدث فينا
هذا الانفعال والاهتزاز، اذا لم تستطع ان ترتفع بنا الى اعالي
السماوات فهذا يعني انها ليست قصيدة. القصيدة، الحقيقية، ترتفع
بروحك الى آفاق لم تكن في الحسبان.
وفي مكان آخر
يقول ادغار آلان بو بالنسبة لي فإن الشعر ليس هدفا وانما هو
هوس انفعالي يسيطر علي.. نعم ان الشعر هوس غالب مثله في ذلك
مثل الحب، او الحرية، او الجنون.
الشعر ليس عقلا،
انه يتجاوز العقل او ينطلق خارج أغلاله وقوانينه لنستمع اليه
مرة اخرى وهو يتحدث عن العلاقة بين العبقرية والجنون: ما يدعوه
الناس بالعبقرية ليس الا مرضا عقليا ناتجا عن تطور لا طبيعي،
اي تطور مسرف لاحدى ملكاتنا او مواهبنا.
وأعمال مثل
هؤلاء العباقرة ليست ابدا صلبة بحد ذاتها وانما تعبر عن استلاب
جماعي.. وبالتالي ينبغي ان نفهم الحقيقة التالية: كل الشعراء
الكبار مجانين، او مستفزي الاعصاب، او متوترين الى الحد الأقصى
والا لما اصبحوا شعراء. وعندما اقول شعراء فإني اقصد كل انواع
الفنانين والموسيقيين والكتاب، والرسامين، والنحاتين، والمبدعين
اجمعين فالشعر هو غاية كل كتابة وكل فن ايا يكن.
والفنان لا
يصبح فنانا الا لانه مهووس بالجمال فالجمال يؤمن له متعة شهوية
تصل الى حد النشوة العليا.
ولكن الشاعر
شخص مريض بمعنى انه يحس بالإهانة الشخصية اذا ما وجهت له بشكل
اكبر بكثير مما يحس الإنسان العادي. وبالتالي فهو يجعل من الحبة
قبة بسبب حساسيته المتطرفة او الزائدة عن الحد. الشعراء لا يجدون
الظلم حيث ليس هو ولكنهم يحسون به بشكل اكبر بكثير من الاخرين
فمنظر امرأة فقيرة او طفل محروم يجرحهم من الداخل ويتحول الى
مشكلة شخصية هذا في حين ان الآخرين يمرون عليه مرور الكرام.
ينتج عن ذلك
ان الإنسان غير الحساس او غير المريض من فرط الحساسية لا يمكن
ان يكون شاعرا. ولكن الشاعر بالإضافة الى ذلك او بسبب ذلك مهووس
بالعدل والحق والجمال.
من المعلوم
ان الشاعر الفرنسي الشهير بودلير كان معجبا بادغار الان بو الى
درجة تفوق المتصور وكما قلنا سابقا منذ ترجم معظم اعماله الى
اللغة الفرنسية والواقع انه وجد فيه ضالته او بالاحرى نفسه.
ويمكن القول
بأنه لولا بودلير لما لقي ادغار آلان بو كل هذا الإعجاب ليس
فقط في فرنسا وإنما حتى في اميركا ذاتها. فالأميركيون كانوا
يحتقرونه ولا يعترفون به الا قليلا، ولكن عندما وجدوا اكبر شاعر
فرنسي يهتم به الى مثل هذا الحد قالوا بينهم وبين أنفسهم: لو
لم يكن مهما لما اهتم به بودلير!
وهكذا عادوا
الى دراسته والاهتمام به من جديد.
يضاف الى ذلك
ان بودلير وجد في عذاب ادغار آلان بو شيئا من عذابه هو وقد عبر
عن ذلك افضل تعبير في نص يحمل العنوان التالي: «ادغار آلان بو،
حياته وأعماله. بقلم شارل بودلير».
وفيه يقول الشاعر
الفرنسي الكبير بما معناه: هناك مصائر قاتلة، مصائر مأساوية،
ويوجد في ادب كل بلد كتاب يحملون كلمة النحس على وجوههم انها
مطبوعة بأحرف سرية مجهولة على جباههم.
ويقال انهم
قبل فترة قصيرة اقتادوا الى المحكمة شخصا منقوشا على جبهته هذه
العبارة: يلاحظ.
وهكذا يحمل
في كل مكان ايتيكيت حياته تماما كما يحمل الكتاب عنوانه وبعد
ان استجوبوه اكتشفوا ان الامر صحيح. وفي تاريخ الأداب هناك مصائر
مشابهة. يحصل ذلك كما لو ان القدر العاثر قد اصاب بعض الأشخاص
واختارهم من بين كل خلق الله ككبش فداء. وأصبح يجلدهم الواحد
بعد الآخر لكي يتعظ بهم الآخرون. ولكن عندما نطلع على حياتهم
نجد انهم كانوا مليئين بالطيبة، والموهبة، والنزعة الإنسانية.
فما ذنبهم اذا
كان حظهم عاثرا، ما ذنبهم اذا كان القدر قد حط عينه عليهم؟ والأنكى
من ذلك هو ان المجتمع ينكل بهم وينبذهم ويضطهدهم. لقد فعل «هوفمان»
كل شيء لكي يتحاشى ضربات القدر! وفعل بلزاك كل شيء لكي يتحاشى
الحظ العاثر ويخرج من ورطة الحياة.
لقد اجبر هوفمان
على حرق عموده الفقري عندما اصبح بمنأى عن العوز والحاجة، وعندما
اصبح الناشرون يتقاتلون على حكاياته وكتاباته، وعندما وصل الى
ذروة المجد. لقد ضربه القدر في اللحظة التي وصل فيها إلى مبتغاة.
وبلزاك كان
يحلم بثلاثة أشياء: طبع أعماله الكاملة أداء ديونه، والزواج
بالمرأة التي يحبها. وعندما تحقق له كل ذلك مات! ولم يمهله القدر
لكي يسعد بالوصول. ويمكن أن نقول ذات الشيء عن ادغار آلان بو.
الكتاب: ادغار
آلان بو
قصائده وتنظيره
للشعر
الناشر: مكتبة
اميركا ـ نيويورك 2003
الصفحات: 179
صفحة من القطع الصغير
EOGAR ALLAN
POE
POEMS AND POETICS
RICHARD WIL
BUR
THE LIBRARY
OF AMERICA
NEW YORK 2003.