حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

وليام ستانلي مروين
William S. Merwin
(1927-....)

مكشوفاً للبرق الإلهي

لم تكتسب أعمال أحد من الشعراء الأميركيين المعاصرين الشهرة الواسعة والإحترام الشديد وقوة التأثير التي إكتسبتها إنجازات "وليام ستانلي مروين" أو "و. س. مروين" الشعرية والأدبية. في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام المنصرم 2004، حاز مروين جائزة تقدير عن أعماله الكاملة من

Lanna Foundation

وكان حاز جائزة "بوليتزر" لعام 1971 عن مجموعته الشعرية "حامل السلالم"، إضافة إلى العديد من الجوائز الشعرية والتكريمات وعضويات الشرف في جمعيات وأكاديميات عديدة. كتب الشعر والنثر على حد سواء، وله أيضاً تجارب مسرحية. يعد مروين في طليعة الشعراء الأميركيين المعاصرين في مجال الترجمة. مهاراته الشعرية أكثر ما تبدّت في تعددية أساليبه، إذ كان غني التجربة ولا يكلّ من التجديد. كتب قصيدة الهايكو والأمثال والحكم والمونولوج السوريالي والأناشيد. واحتلت الأسطورة جزءاً كبيراً من أعماله، فهي في نظره مخزن معلومات روحية وفلسفية تستبطن في جوهرها قوانين الحياة. قارىء مروين لا يفوته رصد مواقفه تجاه سبر أغوار اللغة والصمت، أيضاً منحاه الجلي شطر العدمية، وتركيزه على الحيوانات والكائنات الحيّة من حيث علاقتهما بالبيئة.

الشريان الأكثر ظلمة

معظم الشعراء الذين خاضوا تجاربهم الشعرية منذ أوائل أربعينات القرن الماضي وحتى منتصف الخمسينات، كانوا متأثرين ومقلدين وخاضعين إلى حد ما لهيمنة أشعار "عزرا باوند" و"ت. س. إليوت"، إلاّ أنّ هذا الجيل خاض نوعاً من الثورة في الأحاسيس في الستينات. فقد عمد إلى التجريب في أشكال وأساليب شعرية أكثر تحرراً، متخلياً بالطبع عن الأوزان والقوافي وكل المناهج التي كانت سائدة. خلال هذه الصحوة، ظهر تنويع في الأشكال والأصوات الشعرية، وباتت الإيحاءات أكثر شخصية، تميل إلى الخصوصية أكثر في تحديد الحوادث والتواريخ والأمكنة والأشخاص، أيضاً في تحديد الهدف عبر التحرك أكثر باتجاه الداخل.

بالنسبة إلى شعراء أميركيين معاصرين عدة، من بينهم مروين، فإن تعقب الرؤى الذاتية غالباً ما يقود إلى تخوم مدوخة وشديدة الإنحدار، حيث "الذات" تقف وحيدة من دون أية مواساة أو مؤازرة من أحد. تقف معتمدة فقط على ما تملكه من ثروات شخصية قُبالة أرض تبدو محسوسة باليد، بحياتها المتكاثرة والمحيرة، وقبالة فضاء بعيد وإيقاعات لانهائية للطبيعة وتعاقب الليل والنهار، وقبالة التصورات الوهمية للذاكرة والحلم، والسلوك الإنساني اللاعقلاني، المريب، والأحزان والنشوات التي تتراكم بالعيش. كنتيجة لهذه المواجهة الميتافيزيقية العارية مع الأرض وكائناتها، تخلق الذات البروميثية عالماً من رؤياها الخاصة، مما يجعل الحدود بين ما هو ذاتي وغير ذاتي تنهار؛ (أي ذات هي ذاتي؟). والذات كما وصفها " ثيودور روثكي" يُطلق سراحها في الريح ممزقة". جلياً أنّ مروين اتبع تقاليد الرومنسيين الأدبية في كتاباته. يقول في قصيدة "كلما أذهب إلى هناك": "أذهب في طريقي ملتهماً صمت الحيوانات واهباً الثلج للظلام". هذه القصيدة تجسّد رومانسية متطرفة لدى الشاعر. هذا التعقب للظلام، للصمت، يأتي من روح متحركة بطريقة مغايرة تماماً للفكر التجريدي الذي يلتهم جنتها الساكنة، إلاّ أنّ مروين يتعقب الشريان الأكثر ظلمة في التقاليد الرومانسية، المتمثل ببعض قصائد "كيتس" و"وليام وردث ورز"؛ الإنفتاح على أية رؤى وتصورات، الإستعداد لتقبل الآخر، الغبطة في السعي نحو الكمال، والذاتية المطلقة في وجه جلالة الطبيعة، كل هذا يُميّز هذا الشريان الرومانسي لديه.

أحد النقاد ويدعى"رالف ميلز" صنّف مروين من بين الشعراء الذين يمتلكون نوعاً من الإنفتاح والقابلية لتقبّل كل ما هو جديد من الآراء والمعتقدات، وقال فيه ما قاله هايدجر في هولدرلن:" إنه مكشوف للبرق الإلهي". المقصود هنا الإنفتاح في الرؤى التي تتعدى في كثير من الأحيان التجارب الإجتماعية والسياسية إلى مواجهة عارية مع الكون وهويّة الفرد واحتمالات أن يكون الله غائباً أو حاضراً، أو في تصور "عدم" فسيح ومهيمن.

على رغم أنّ مروين أكثر روحانية وأقل تواضعاً، فإنه ينتمي إلى مدرسة أصحاب الصور الذهنية العميقة في الشعر الأميركي المعاصر، وذلك من طريق خلقه سلسلة من الصور الشعرية المعقدة المنبثقة من أعماق اللاوعي. تبقى الصور والأشكال في أعماله غائصة عميقاً في إنتظار عزيمة القارىء الذهنية والحدسية. يقول أحد نقاده:" يتسلق القارىء الكلمات والصور الشعرية لديه كمن يتسلق صخوراً تحت الماء، فهو غير متأكد إلى أين ستقوده خطوته التالية". ويبدو مروين أكثر فطنة من غيره من الشعراء في تحقيق التأثير المفاجىء على القارىء، وذلك من طريق دفعه إلى تأمل الرعب، تماماً في مركز أفكاره الوديعة والتقليدية عن الحياة. هو يُدخل القارىء إلى قصيدته ثم يختفي تاركاً إياه وحيداً ومتأملاً في مرآة تعكس أوهامه الخاصة. يقول في إحدى قصائده:"لا داعي لكسر المرآة / هنا تهشّم الوجه / إنها صالحة بعد لسبع سنوات من الأسى".

الوعي مرآة اللاوعي

يعرّف مروين الشكل الشعري أنه عبارة عن تأليف للطريقة التي يتم عبرها الإصغاء إلى الشعر في الكلمات. الكلمات في نظره لا تصنع الشعر، على غرار الطريقة التي يتم عبرها الإصغاء إلى كيفية حدوث الحياة في الوقت، إذ ليس الوقت ما يصنع الحياة. ويضيف مروين: " في الوقت عينه الذي لاحظت فيه أني شاعر تقليدي صارم وأرثوذكسي بمعنى ما، راودني حلم في إيجاد قصائد كما لو أنها مخبأة في عليّة المنزل، قصائد على قدر ما هي تقليدية في غنائيتها، على قدر ما هي مغايرة أدبياً ومفرطة في شفافيتها". مفهومه إذاً يتعلق بشعرغير متكلف وصافٍ وغنائي بألق. يرى مروين أن فعل كتابة القصيدة هو مدخل إلى مستوى اللاوعي، حيث كل الأشياء لا تزال في إرهاصاتها الأولى، غير مكونة أو معروفة. فن الشعر له، قائم على أساس أن الذات قابلة للمعرفة من خلال تمرين الخيال. عبر خلق الشكل الشعري، الشاعر يمارس حياته كاملةً، في حين تكون ملكاته العقلية أقل أهمية في عمله الخلاّق هذا. الفكر، الشعور، الحواسّ، كلها تغذي القصيدة والذات في آن، كلها أساسية في الحفاظ على كليّة الشاعر ككائن حي. في عملية خلقه هذه يشعر الشاعر أنه بمثابة إله يجلب حقائق إلى الوجود، لم تكن موجودة من قبل، ومن دون حياة الخيال، ليس في وسع الشاعر أن يحيا. يقول "ستيفنز" في الخيال:"نحن نملكه لأننا لا نملك ما يكفي من دونه". للوصول إلى حالة إلإشباع والإكتفاء هاتين، لا بدّ لمخيلة مروين أن تبقى مأهولة ومجازفة في القبض على المجهول، ولمعايشة مستوى أعلى من الواقع وتجربة شعور أعمق من الوعي والشمولية، فإنّ الشاعر يصوغ قصيدته من مواد الوعي الحيّة. يترجم مروين حكمة "أنطونيو بورشيا" التالية: "نحن ننتزع حياة من الحياة لنستخدمها في الرؤية إلى ذاتها". الشاعر يرى إلى الحياة في أعماق الوعي وينتزعها ليرى كل الحقيقة بوضوح أكبر. كل قصائد مروين مولودة من هذا النبض الخلاّق الذي يسبر غور المجهول. "الحقيقة" لدى مروين كما لدى "مالارميه" و"رامبو"، من دون هذا الشرح الشاعري الجلي المشرق الذي يدوّنه الشاعر عليها، فإنها تبقى ناقصة.

يعد ديوان "أخضر مع الوحوش" أكثر دواوين مروين إظهاراً لحقيقة هويته وأصوله. إنه سفر تكوين، فيه يشرع مروين بخلق عالم من اللغة والخيال، وإعادة خلق اللغة. كيف يمكن إعادة إحياء اللغة؟ هذا هو السؤال الذي وضعه مروين نصب عينيه. هل يتم ذلك من طريق الشعر؟ على عكس الإنسان، فإنّ الوحوش والقديسين لم يسقطوا من النعمة، هم لديهم قدم في الجنة، ولأنهم يحتفظون بالومضة الأصلية، فهم أكثر قداسة من الإنسان.عام 1969 صدر لمروين ديوان مليء بقصائد عن الحيوانات، عنوانه كلمة لاتينية تعني أرواح. بالنسبة إلى مروين الحيوانات أرواح. أيضاً في ديوانه "أخضر مع الوحوش" نراه يجسد هذا التبجيل لهذه المخلوقات التي بدورها تجسد تبجيلاً للحياة، ومن دون هذا التبجيل ليس في وسع الإنسان أن يكون حكيماً. في نظر مروين، الملائكة والوحوش أيضاً يتماثلان، وذلك في كونهما غير ناطقين. هذه اللاحاجة إلى الكلام، هذا التحرر من اللغة، يجعلهما غير قابلين لأن يخون واحدهما الآخر. إنهما يحيان ببساطة في حالة ما قبل الوعي، وهي الحالة التي منها يكتب مروين شعره. في قصيدة بعنوان "الماعزة البيضاء، الحمل الأبيض" يتحدث مروين عن العماء اللغوي ويقول: "إنها لا ترى الصيف ولا فكرة الصيف، إنما المعاني الخضراء، الظلال، الضوء الذهبي..."

لغتنا الأولى

يعتقد الناقد "روبرت بنسكي" أن تأثير مروين في الشعر الأميركي المعاصر يتجلى في ثلاثة مجالات: الأسلوب، السلوك (النهج)، والبيان. كان مروين معلماً في إستخدام الأساليب القديمة في الكتابة. أشعاره تزخر بالمفردات غير المتداولة والتي أكل عليها الدهر وشرب. كان غامضاً، خفياً، صعباً، يجمع بين مفردة قديمة وأخرى دارجة في عبارة واحدة(على غرار ما فعل باوند) خالقاً بذلك نوعاً من الدهشة أو الصدمة اللغوية. ميل مروين نحو خلق تجربة نوعية حدا به إلى كتابة قصيدة نوعية بأسلوب متفرد وخصائص محددة، قد تبدو سهلة التقليد، إلاّ أنّ الصمت النوعي الذي يخلقه مروين بين السطور يستحيل تقليده. شعره بقدر ما هو حاضر بقدر ما هو صامت. المعاني العميقة تتوارى بين السطور مثلما تتجلى في الكلمات. الصمت ووعي لغزه في الحياة هما من المواضيع الأساسية في كتابات مروين الشعرية والنثرية. الصمت هو "لغتنا الأولى" بحسب تسميته له، ولا شك أن مروين ضليع بهذه اللغة، فالأشياء تجيء فجّة إلى مخيلته، من مكان ما قديم، من زمان ما غابر، أو كما يقول: تجيء "من قبل أن يكون للأشياء أسماء بعد".

"الُمطلق" الذي نحوه اتجهت أشعار مروين في الستينات والسبعينات، أستوجب نوعاً من النفي والإنكار لقيمة الهويّة الذاتية، فالمطلق لا يُمكن مناله دون فضيلة إنكار الذات. هذه خسارة على الشاعر الحقيقي أن يتكبدها! لذا نقع على الكثير من السلبية والرفض والإنكار في دواوين مروين اللاحقة، إذ يعمد إلى وصف الأشكال لا بما هي عليه، بل بما هي ليست عليه. هي محاولة من طريق اللغة للتعبير عن العدم الذي تجسده الأشكال السلبية. في لحظة أسى يكتب مروين في قصيدة "الأرملة": "ليس أنّ الجنة غير موجودة، بل أنها موجودة من دوننا...إنّ كل ما هو في غنى عنا، حقيقي".

يبدو الإنسان الذي وضعه مروين في أعماله الأولى في مركز الخلق، سيداً لكل شيء، عاد لاحقاً وجعل من مركز البراعة والتفوق هذا، مركزاً خاوياً وحيداً ومنعزلاً. يقول مروين: "في زمن ما، يُخيل للمرء أنه باردٌ كخواطر الطيور، عالق على جرف صخري في البحر، كحيوان طوطمي، مبشر بتنبوءات لا يُسبر غورها، يحاول المساعدة لكن من دون طائل". مشكلة مروين الدائمة هي في كيفية إستغلال موهبته الشعرية، وفي تصوره أنّ على الشاعر الإضطلاع بمهام ومسؤوليات على غرار "نُوح" أو" بروميثيوس" تتعلق بخير البشر والحيوانات. من أجل هذه الرسالة كان لا بد لشعره وللغته أن يخضعان لنظام صارم. يقول "والاس ستيفنز": "نظام عنيف هو فوضى، وفوضى هائلة هي نظام". كان مروين على دراية بأن التحديات الحقيقية التي يواجهها هي ضمنية، من داخل صمت الذات العميق، وصمت النص، وعليه فإنه تحت هذا النظام الصارم لشعره كانت تكمن فوضاه الهائلة.

معاصر من العصور الوسطى

ولد "و. س. مروين" في مدينة نيويورك عام 1927. أمضى معظم طفولته في ولاية بنسلفانيا. عام 1948 تخرج من جامعة برنستون بشهادة في اللغات الرومانسية، ثم أكمل دراسته لاحقاً في مجال اللغات المعاصرة. قام بترجمة العديد من الأعمال الأدبية والشعرية عن اللغتين الفرنسية والإسبانية. عايش مروين زمن التحولات العالمية الكبرى، وربما لهذا، وجد نفسه مشدوداً إلى زمن القرون الوسطى؛ الزمن الأكثر إستقراراً وأمناً ويقيناً. عمد إلى ترجمة العديد من أشعار وملاحم تلك العصور مأخوذاً بقيمها العتيدة من شرف وشجاعة وشهامة وفروسية ونبالة وغيرها. عام 1949 امتهن التدريس في كل من فرنسا والبرتغال، ثم انتقل بعدها إلى لندن عاكفاً على ترجمة بعض الأعمال الأدبية لمحطة الإذاعة البريطانية.عام 1952 قام بنشر مجموعته الشعرية الأولى "قناع لِ جانس" التي حملت في طياتها تأثراً واضحاً بالعصور الوسطى من خلال أشعار "باوند"، ونقداً لاذعاً للواقع آنذاك (أميركا ما بعد الحرب)، لحقتها مجموعته الثانية "الدببة الراقصة"عام 1954، ثم "أخضر مع الوحوش" عام 1956، ثم "السكران في التنور" عام 1960. قصائد المجموعة الأخيرة طغى عليها جو الرحلات الطويلة الأوديسية، وجاءت رؤيتها أكثر ظلمة وعبثية من سابقاتها. أوائل الستينات صدرت لمروين ترجمات عديدة عن اللغة الإسبانية شعراً ونثراً، وكان صدر له أيضاً عملان مسرحيان ما بين عامي 1956 و1957. عام 1963 كان لمجموعته " الهدف المتحرك" الصادرة حديثاً آنذاك وقع المفاجأة الحقيقية على صعيد الشكل والمناخ، إذ بدت قصائدها عارية وذات نهايات مفتوحة. بعدها ظهر لمروين أربع مجموعات شعرية هي على التوالي: "القمل" 1967، "حامل السلالم" 1970، "الكتابة إلى مكمل لم يكتمل" 1973، "زهرة البوصلة 1977 . قام بترجمة تحفة بابلو نيرودا "عشرون قصيدة حب وأغنية للناس"، وأوائل السبعينات، صدر له كتاب "شخصيات آسيوية" ضاماً ترجمة لبعض النصوص. عام 1977 صدرت له ترجمة لِ"شعر الحب السانسكريتي" بمساعدة" ج. موسييف ماسون"، أيضاً في العام ذاته صدر له كتاب نثري بعنوان "بيوت ورحالة".

الجمالية السلبية

و. س. مروين شاعر رؤيا بإمتياز. أشعاره تعكس مواقفه تجاه الوجود والأشياء والكائنات، أيضاً تلقي الضوء على خصوصية نظرته إلى مسألة صمت الذات، وعلى مدى انفتاحه على التجارب الماورائية، حيث نجده لاحقاً في أعماله المتقدمة يُطور هذا الإنفتاح إلى مشاركة في حيوات كائنات أخرى، وإلى مساءلة عن البنية الأساسية التي منها تتكون قدرتنا على الإدراك. في رصده الجمالية السلبية إذا صحّ التعبير، يفتح مروين الطريق أمام شعر باطني من غير أن يكون فياضاً، حميم من غير أن يكون ذاتي، ملتزم من غير أن يأخذ نفسه كثيراً على محمل الجديّة؛ شعر بقدر ما هو مُستوحى بقدر ما هو مُسيطر عليه.

هنا نورد ترجمة لبعض من قصائده من مجموعة "القمل".

هل هذا ما هو أنت

شبحٌ جديد، هذا ما هو أنتَ

واقفٌ على درجٍ من ماء،

مُحجمٌ عن الدهشة.

الأمل والشجن لا يزالان جناحينا

لِمَ لا نقدر أن نطير؟

أية هزيمة لازالت تُبقيكَ بيننا نحن غير

الكاملين.

الدواليب تُداوم على الصلاة،

نحن لا نسمع شيئاً مُغايراً

نضرب بأجنحتنا

لِمَ أنتَ هنا؟

لم أحسب أنّ لدي شيئاً بعد أُعطيه،

الدواليب تردد ورائي

ثمة ريشات في الجليد

نمدد البرد على ركبنا.

اليوم،

الشمس أبعد مما نخال

وعلى الشبابيك، في السكاكين

أنتَ تراقب.

***

ليلة ديسمبر

المنحدر البارد مسمّر في الظلام،

لكن الجنوب من الشجر جافٌ للمس.

الأغصان الثقيلة تمتشق ضياء القمر

مكسوةً بالريش،

جئتُ لأراقب هذه النباتات البيضاء وهي

تكبر في الليل،

الأكبر بينها سينالها الحطام أولاً،

ولأسمعَ غرباناً أبقاها القمر مستيقظة.

الماء يجري عبر أصابعه بلا نهاية،

الليلة ولمرة أخرى

أهتدي إلى صلاة منفردة

وليستْ للرجال.

***

الغرفة

أظن أنّ كل هذا هو في مكان ما في ذاتي.

الغرفة الباردة مطفأة إزاء الفجر

مكتنزة سكوناً كذاك الذي يَمْثل في الموت،

ومن زاوية ما، نشيج عصفور صغير

يحاول من وقتٍ إلى آخر الطيران

بضربات قليلة في الظلمة

قد تخال أنّه يحتضر،

إنه خالد.

***

الغسق في الشتاء

الشمس تغرب في البرد بلا أصدقاء،

بلا خزي،

بعد كل ما فعلته بنا.

إنها تغيب مؤمنة بلا شيء،

وبينما هي راحلة

أسمع جدولاً يجري وراءها،

إنها تصطحب مزمارها معها،

فالدرب طويلة.

***

مؤونة

طيلة الصباح وبآلات موسيقية جافة،

يرددُ الحقل صوت المطر من الذاكرة.

وفي الجدار

الأموات يُكْثرون من عسلهم اللامرئي.

إنه آب

الأسراب تشرع في التشكّل.

سآخذ معي خواء يديّ،

فما ليس لديكَ تجده في كل مكان.

***

القطعان

متسلقاً باتجاه الشمال

عند الغسق

حين الأفق يرتفع كيد،

سأتنحى جانباً قُبالة الظلمة.

سأقف بمحاذاة جدول منحدر عبر جليدٍ

أسود،

ولمرة بعد، سأحتفي ببعدنا عن البشر.

وبينما أستلقي بين حجارةٍ،

عالياً في ليلة بلا نجوم،

فإن أصوات القطعان،

من بين آثار حوافر عدة،

ستشرع بالتناهي إليّ مجدداً.

فوقهم ستكون شمسهم القديمة

منزلقة في البعيد.

غافياً قرب الجبل الزجاجي،

سأرقب أسراب الضوء وهي ترعى،

والماء وهو يهيئ انحداره

نحو أول ميّت.

 

أمال نوّار -
anawar63@yahoo.com


.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri