ماياكوفسكي
Vladimir Mayakovsky
(1893-1930)
ماياكوفسكي
سيكون حزيناً
في مقال نشره "ملحق
النهار"، عدد 4 أيلول، عنوانه "أيها الشعراء لا تموتوا باكراً"،
ورد ما يأتي: "في روسيا، مات فلاديمير ماياكوفسكي ولما يتجاوز
أواسط الثلاثينات إلا قليلاً، عندما أطلق النار على نفسه في
غرفته المعزولة. غدا انتحاره أشبه بالعلامة السوداء في تاريخ
الثورة البلشفية، اذ اضطهده لينين وغيره من رجال الثورة".
هذا ولا يدري المرء
ما إذا كاتب المقال، الأستاذ فرح جبر حين أطلق حكمه أعلاه،
حول اضطهاد لينين لماياكوفسكي- كان يعرف أن لينين توفي في
كانون الثاني من عام 1924، وأنه كان قد خرج نهائياً من مواقع
السلطة في أواخر عام 1922، بعد إصابته بشلل جزئي ومن ثم بفقدان
النطق نهائياً في آذار من العام 1923، في حين أن ماياكوفسكي
انتحر في 14 نيسان من العام 1930.
في شتى الأحوال، وأياً
تكن الأسباب التي دفعت كاتب المقال للوقوع في خطأ فادح، سواء
في علاقة كلامه بالحقيقة التاريخية، أو في ما يتناول الخصوصية
الخلاقة لشاعر كماياكوفسكي قال عن ثورة أكتوبر في سيرته الذاتية
المختصرة: "كانت تلك ثورتي"، سوف أحاول في معرض وضع الأمور
في نصابها مجدداً، إلقاء بعض الضوء على علاقة الشاعر بالثورة
البلشفية ولينين، مبيّناً مدى الانسجام بين قامة ماياكوفسكي
الشعرية والمهام العظمى التي كانت تتنطح للاضطلاع بها سيرورة
شارك فيها عن كثب.
الثوري فالشاعر
في مطلع الكتاب الذي
وضعته الكاتبة الفرنسية من أصل روسي،إلسا تريوليه، عن الشاعر،
والذي يحمل اسمه، وصدر للمرة الأولى عام 1957، تقول: "ولد
ماياكوفسكي في 7 تموز 1893، في بغدادي (بلدة في جورجيا)، لعائلة
ناطور. هو ابن الاشجار الكبرى وجمال القوقاز، ولقد نما أعلى
وأقوى من الناس الآخرين، وأعصى منهم على القهر. توفي عام 1930،
وهو في أوج قوته، مصعوقاً...".
أما هو فيخبرنا في سيرته
الذاتية المختصرة، بعنوان "أنا نفسي"، كيف عادت شقيقته من
موسكو بعد الحرب مع اليابان، عام 1904، في حالة من الإثارة،
وأعطته سراً أوراقاً طويلة تحوي أبياتاً ضد الحرب وضد القيصر
أعجبته بجسارتها. ويقول: "كانت تلك هي الثورة، وكان ذلك شعراً.
كما لو أن الشعر والثورة اجتمعا في رأسي".
في العام التالي 1905،
وهو لم يتجاوز بعد الثانية عشرة من العمر، بدأ يقرأ الكتب
الثورية، "مثلما يسكرون"، كما يقول، وانخرط في حلقة ماركسية.
وفي موسكو إلى حيث انتقلت العائلة بعد وفاة والده، عام 1906،
وفي الليسيه الذي التحق به هناك، كان تحت الطبقة التي يجلس
إليها كتاب فريدريك أنجلس، ضد دوهرنغ. ويقول ماياكوفسكي: "ما
من عمل فني أثار يوماً شغفي بمقدار ما فعلت مقدمة ماركس لكتابه
نقد الاقتصاد السياسي". وقد انضم الى الحزب البلشفي في العام
1908، وبدأ مذاك يتنقل بين السجون.
انخرط لاحقاً في مدرسة
الفنون الجميلة، المكان الوحيد الذي قبل به من دون شهادة "ولاء
سياسي". وقد أدهشه في تجربته هذه أن المقلدين كانوا يلقون
الاهتمام والاكرام فيما يتم اضطهاد المستقلين، وجعلته "الغريزة
الثورية"، على حد قوله، يتحزب "للمتعرضين للإقصاء".
في مدرسة الفنون الجميلة،
سوف يتعرف إلى دافيد بورليوك، الذي أغاظه في مرحلة أولى بسبب
مظهره الوقح، وأناقته، ورندحته الأغاني فيما هو يتمشى. لكن
سرعان ما سيتقارب الشابان خلال سماعهما كونشرتو لرحمانينوف
أضجرهما فغادرا معاً "قاعة النبلاء" حيث كان يتم العزف.
ويقول ماياكوفسكي إنهما
بعدما أمضيا بعض الوقت في التسكع، راحا يتجاذبان الحديث حول
الضجر من المدرسة، لكن أيضاً، من كل ما هو كلاسيكي وقديم.
"لقد ولدت المستقبلية الروسية"، يقول ماياكوفسكي.
في ذلك اليوم، كان قد
نجح في كتابة قصيدة، أو شذرات من قصيدة. ومع أنه شعر بأنها
رديئة، فقد قرأ بعض أبياتها لصديقه مدعياً أنها لأحد معارفه.
فنظر بورليوك إليه، متفحصاً، وصاح: "أنت عبقري". أما ماياكوفسكي
فيقول إنه مذاك سيغرق في كتابة الشعر: "لقد أصبحت منذ ذلك
المساء شاعراً، وذلك بصورة غير متوقعة".
ويضيف: "أفكر ببورليوك
بحب ثابت. إنه صديق رائع. معلمي الحقيقي".
هذا وقد طُرد الاثنان
لاحقاً من المدرسة، بعدما أصدرا بياناً مشتركاً سمياه "الصفعة
للذوق العام"، ورفضا الاستجابة لاقتراح الادارة أن يوقفا النقد
والتحريض.
سوف يسافر الصديقان،
بعدئذ، في كل اتحاد روسيا، عاقدين الامسيات، وملقين المحاضرات.
وقد كتب ماياكوفسكي عن تلك المرحلة: "كانت تلك السنوات، بالنسبة
لي، سنوات العمل على الشكل، على التحكم بالكلمة". ويضيف: "لم
يكن يريد الناشرون كتاباتنا، فالأنف الرأسمالي كان يشتمّ فينا
رائحة مفجرين بالديناميت. ولقد جرى رفض كل أبياتي".
هذا وقد استقبل الشاعر
الحرب العالمية الأولى بتأثر، وكتب قصيدته "لقد تم إعلان الحرب".
ثم كتب ذات مساء وهو يتسكع على الشاطىء قصيدته التي ستعود
عليه بالشهرة لاحقاً، "الغيمة في سروال"، تلك القصيدة التي
ستدمع عينا مكسيم غوركي لدى قراءة الشاعر لها أمامه.
أما التاريخ الذي يذكره
على أنه بين الأكثر إثارة للفرح فهو تموز 1915. في ذلك الشهر
سوف يتعرف إلى الزوجين ليلي وأوسيب بريك، وسيشعر نحوهما بالكثير
من المودة، ونحو ليلي بالتحديد بحب حياته.
كان ذلك الحب يتلازم
مع تفاقم تلك الحرب التي شعر إزاءها، في المقابل، بأقصى الكراهية،
وراح يعتقد، يوماً بعد يوم، أن اقتراب الثورة بات في حكم المؤكد.
وعندما سيندلع الجزء الأول منها، في شباط 1917، سوف يتعرف
إلى قيادتها البورجوازية، ويشعر بأن لا شيء تغير في الجوهر،
معتبراً أن الاشتراكيين، وبالتحديد البلاشفة، سرعان ما سوف
يصلون. وحين صدقت توقعاته، بعد أشهر قلائل، رأى أن السؤال
حول ما اذا كان ينبغي الالتحاق بأكتوبر أو العكس، لم يكن موجوداً
بالنسبة إليه: "كانت تلك ثورتي. لقد ذهبت إلى سمولني، واشتغلت
في كل ما كان ينطرح أمامي".
وهو ما سيفعله على امتداد
السنوات الباقية من حياته. فعدا العمل الخلاقي، في الشعر كما
في المسرح، وذلك في خدمة الثورة ومُثُلها، وعملية التغيير
التي كانت تطرحها، سوف يعمل في كل المجالات التي كان في وسعه
أن يقدم فيها إسهاماته.
من ضمن ذلك، الملصقات
التحريضية، التي كان يصنعها، بين عامي 1919 و1922، مع قلة
من الشعراء والرسامين. وقد واصل بعد ذلك مهام مشابهة، في العمل
الدعائي لصالح صناعات الدولة. وحين سأله أحدهم بلؤم، في جلسة
عامة بنيويورك، خلال جولة له حول العالم: "هل صحيح أنك كتبت
للحكومة أبياتاً عن الخراف"، أجاب: "أفضِّل أن أكتب عن الخراف
لحكومة ذكية، على الكتابة لخراف عن حكومة بلهاء".
وعلى مثال التروبادور
القدامى، كان يجوب البلد بأكمله، ملقياً قصائده، وبين اهمها
150.000.000 أو أسطورة ايفان، ذي المئة والخمسين مليون رأس،
حيث "روسيا بأسرها إيفان واحد/ذراعها نهر النيفا/ وأعقابها
فيافي قزوين"-؛ وفلاديمير إيليتش لينين، التي كتبها بعد وفاة
القيادي المذكور، عام 1924؛ ومن بين ما يقول فيها:
أمس
في السادسة والخمسين
دقيقة
مات الرفيق لينين.
رأى هذا العام
ما لن تراه مئة من الأعوام
(...)
هنا ما من عامل إلا
ويعرف لينين.
هنا كل فلاح دوّن في
قلبه اسم لينين.
لقد أمر بأن يتملكوا
الأرض
التي يحلم بها في القبور
أجداد لهم ماتوا تحت
السياط (...)
في هذا الرّتل المتجمد
والرهيب
كانت تسير القرى مع
المدن
ويرن الألم بصوت الأطفال
والرجال (...).
وقصيدة لا بأس، وهي
تروي قصة الثورة، من عام 1917 حتى العام 1927،...الخ.ناهيك
بكتابة السيناريوهات للسينما، وبين أهمها الآنسة والزقاقي،
و قلب السينما، و حب شكافوليوبوف، وأخيراً كيف الأحوال؟. وقد
جرى نشر هذا السيناريو الأخير في مجلة ليف (Lef)، أو الجبهة
اليسارية، التي أصدرها ماياكوفسكي في العشرينات من القرن الماضي،
وكانت لسان حال الكتاب والفنانين المستقبليين.
هذا فضلاً عن المسرحيات
الطليعية التي كتبها وأشرف على عرضها، وشارك في تمثيل بعضها.
وهي: فلاديمير ماياكوفسكي (1912 1913). السِّرِّية الهزلية
(1918)؛ وقد كتب مفوض الشعب للتعليم العام، آنذاك، أناتول
لوناتشارسكي، عن المسرحية المذكورة أنها "... الرحلة المفعمة
بالفرح للطبقة العاملة بعد الطوفان الثوري، الطبقة العاملة
التي تتحرر تدريجياً من طفيليتها، وتجتاز الجنة والجحيم، لتصل
الى الأرض الموعودة..."؛ ومن ثم مسرحية البقّة (1929)، التي
يُظهر فيها ماياكوفسكي شخصيات مما يسميه البورجوازية الصغيرة
الجديدة، التي نمت خلال اعتماد النيب، أو السياسة الاقتصادية
الجديدة. أما مسرحيته الاخيرة، الحمّامات ، فقد دافع عنها
في نقاشات عديدة قبل عرضها الاول في موسكو في 16 آذار 1930،
أي قبل انتحاره بأقل من شهر. وهي هجائية ضد البيروقراطية السوفياتية
الجديدة، تظهر المعوقات التي تضعها هذه أمام الابداعات المستقبلية،
متمثلة هنا بآلة الزمن التي اخترعها تشوداكوف، والتي تذهب
بك الى المستقبل وتعود، ولكنها لا تتجاوز حواجز الإدارات،
ولاسيما الحاجز الرئيسي، الرفيق بوبيدونوسيكوف، الذي يذهب
الى المسرح ويجد نفسه على خشبته، لكنه يؤكد ان الأمور لا تتم
هكذا إطلاقاً في الحياة.. هذه الآلة تجيء من المستقبل بالمرأة
الفوسفوريّة، المكلفة باختيار الأفضل بين الناس لنقلهم الى
القرن المقبل. وهكذا تقوم الآلة بقفزة الى الامام، متحركة
بخطوة مقدارها خمس سنوات مضروبة بعشر، وآخذة معها كل من يجمعهم
حب العمل، والعطش للتضحية، واللامبالاة بالتعب، وباصقةً بوبيدونوسيكوف
- الذي كان قد أعد لنفسه تفويضات، وجواز سفر، وتعويضات انتقال
لمدة مئة عام - ومعه كل من هم على شاكلته.
انتحار ماياكوفسكي
"الى الجميع ! أنا أموت، لا تتهموا أحداً.
ودعكم من الأقاويل. كان الميت يكره ذلك كثيراً.
أماه، أختيّ، رفاقي، سامحوني، ليست هذه
وسيلة (لا أنصح أحداً بها)، لكن بما يخصني لم يكن لديّ حل
آخر. ليلي ، أحبيني.
يا رفيقتي الحكومة، عائلتي ليلي بريك،
وأمي، وأختي، وفيرونيكا فيتولدوفنا بولونسكايا. شكراً إذا
جعلت حياتهن ممكنة.
أعطوا القصائد المبتدأة لآل بريك. سيتعرفون
إلى أنفسهم فيها.
وكما يقولون،" الحادثة باتت منتهية"
تحطّم زورق الحب على الحياة الجارية
أنا متخالص مع الحياة
لا جدوى من استعراض الآلام والمصائب
والإساءات المتبادلة.
كونوا سعداء!".
تلك هي الكلمات الأخيرة التي خطها قلم
ماياكوفسكي، ومن الواضح انه كان حريصاً على إظهار ان ما حصل
كان بقرار ذاتي حاسم: "لا تتهموا أحداً"، يقول.
من جهة أخرى، ربما كان ماياكوفسكي مهتماً،
في الوقت نفسه، بتأكيد دور اساسي للجانب العاطفي في هذا القرار:
"تحطم زورق الحب على الحياة الجارية". لكن أياً يكن، ليست
مهمة أحد أن يغوص في الخلفيات العميقة والاسباب الحقيقية الكامنة
وراء انتحار الشاعر، وهي اسباب كثيرة تتعلق بكامل شخصيته،
قبل كل شيء، وبكامل تاريخه.
في كل حال، لا بد من إبراز واقع مهم
جداً كشفته إلسا تريوليه، في كتابها عن ماياكوفسكي، وهو أن
قرار الانتحار لم يكن طارئاً لديه، بل رافقه على مدى جزء أساسي
من حياته. فهي لاحظت هذا الميل عنده منذ الفترة الأولى، تقريباً،
لمعرفتها به.
وبالفعل، فإن هذا التوجه ظهر مراراً
في شعره، وفي قصائد عديدة، في تواريخ متنوعة.
ففي العام 1916، وفي قصيدته المشهورة
شبَّابة الفقرات ، كتب:
غالباً ما أقول لنفسي
وإذا وضعت نقطة رصاصة على نهايتي.
وكتب في العام 1917 في الإنسان:
وقفز القلب نحو الرصاصة
والعنق يحلم بموسى الحلاقة.
وفي قصيدته المشهورة، عن هذا، التي نشرها
عام 1923، نلاحظ ما يمكن اعتباره عناصر أولية لرسالة الوداع.
فهو يقول في مقطع منها:
تتلفن الريح إلى متنزه بتروفسكي:
وداعاً... أنا أموت.
لا تتهموا أحداً.
هذا مع أن ماياكوفسكي كثيراً ما أعلن
عشقه للحياة ورفضه للموت. كان هذا التناقض العميق متأصلاً
لديه باستمرار، وجزءاً لا يتجزأ من شخصيته، وفي الوقت نفسه
من موقفه من الكينونة والحياة.
أليس هو القائل في قصيدته، يوبيلي، التي
نشرها عام 1924:
أكره كل ما يشبه الموت وأعبد كل ما يكون
الحياة!.
إنه بالضبط ديالكتيك العلاقة بين هذين
الوجهين المتعاكسين ليس فقط لعملية الخلق، لدى قامات كبرى
في تاريخ الأدب والفن، بل لحضور هؤلاء في الحياة، وجوهر تفاعلهم
معها. وفي شتى الحالات، وفي حالة ماياكوفسكي في وجه خاص، سيكون
من قبيل الافتعال العقيم جداً ربط ذلك الميل، الذي لازمه على
امتداد حياته الخلاقة كثوري وفنان، بمواقف رجل السياسة هذا
أو ذاك منه، في حال وجودها.
مواقف لينين و"رجالات الثورة" منه
لا شك في أن لينين، ومعه مفوض الشعب
لشؤون التعليم العام، لوناتشارسكي، وآخرون من قادة الدولة
الجديدة، كانوا يرفضون وجهة نظر ماياكوفسكي وغيره من الدعاة
اليساريين لـ"ثقافة بروليتارية"، في المنظمة المعروفة باسم
البرولتكولت، الذين اعتبروا أن "كل ثقافة الماضي يمكن اعتبارها
برجوازية، وباستثناء العلوم الطبيعية والتقنية، لا شيء فيها
يستحق إبقاءه قيد الحياة" (س. فيتزباتريك، التنظيم السوفياتي
للتربية والفنون في ظل لوناتشارسكي، ص 74 و85).
ويقول مارسيل ليبمان (اللينينية في ظل
لينين، دار الحصاد، دمشق، ص 160 و162): "إن لوناتشارسكي، الحاظي
بدعم لينين، كان يحاول أن يدافع بوجه ماياكوفسكي وغيره من
أعداء التقاليد عن كلاسيكيي الأدب الروسي والفن عموماً (...).
وقد شهدت الساحة في الأخير هذا المشهد الغريب لمسؤول دولة
عن الثقافة يدافع عن حرية الخلق ضد هجمات بعض الفنانين والأدباء
اليساريين".
ويضيف ليبمان: "إذا كان لوناتشارسكي
ومفوضية الشعب للتعليم العام يحميان شتى تعبيرات الفن الكلاسيكي
ضد نفاد الصبر الثوري وانعدام التسامح لدى التحديثيين الذين
كانوا يريدون إقصاء هذه المخلفات الخاصة بعالم بائد إلى "مزبلة
التاريخ"، فلقد كان لوناتشارسكي يتيح لمزدريه اليساريين الاستفادة
من ليبيرالية ودعم مادي مماثلين على الأقل. وكانت تعبيرات
الفن الأقل تقليدية تُعرض هكذا بحرية في شوارع موسكو". ويبيّن
ليبمان كيف أن لينين "كان يخشى كثيراً أن تتشبث "البرولتكولت"
ببلورة علم وثقافة بروليتاريين، في حين تبدو له هذه المهمة
مبكرة ومستحيلة في آن واحد".
إلا أنه على الرغم من كل ذلك كان لينين
حريصاً على الاعتراف "بعدم كفاءته بالكامل في حقل الأشكال
الحديثة للفن"، ولم يكن مندفعاً، على حد ليبمان، ليطبق في
الميدان الثقافي لا صرامة ولا رقابة حقيقية. وهو ما سوف يعبر
عنه ليون تروتسكي في ما بعد، بطريقته الخاصة، في منفاه بالمكسيك
حين كتب هو وأندره بروتون ذلك النص العظيم الأهمية، بعنوان
"نحو فن ثوري مستقل"، حيث نقرأ: "إذا كان على الثورة أن ترسي
نظاماً اشتراكياً قائماً على التخطيط المركَّز من أجل تنمية
قوى الإنتاج المادية، فإن عليها، في ما يخص الخلق الثقافي،
أن ترسي منذ البدء وتضمن نظاماً فوضوياً من الحرية الفردية.
لا أدنى سلطة، لا أدنى إكراه، لا أدنى أثر للقيادة".
في كل حال، إذا كان لينين، المنهمك حتى
أذنيه في العمل النظري والممارسة السياسية، والمهتم أكثر بالفلسفة،
لكن المثمِّن أيضاً وكثيراً للأدب الكلاسيكي، الروسي والعالمي
على حد سواء، إذا كان أكد للقيادية الشيوعية كلارا زتكين آنذاك
أنه لا يثمن الأعمال التي أنتجتها "الانطباعية والمستقبلية
والتكعيبية"، فهو قد وجد قاسماً مشتركاً أساسياً يجمعه بماياكوفسكي،
هو رفض البيروقراطية التي كانت تنمو بصورة مخيفة في تلك الفترة،
والتي سعى يائساً لمكافحتها في الأشهر الأخيرة من حياته السياسية،
بما فيه على فراش الاحتضار، قائلاً عنها: "البيروقراطية تخنقنا"،
أو "كل شيء غرق عندنا في المستنقع البيروقراطي الآسن"، واصفاً
الدولة السوفياتية الجديدة بأنها "دولة عمالية مع تشوهات بيروقراطية".
وهي نفسها البيروقراطية التي هاجمها ماياكوفسكي في كتابات
عديدة، وفي وجه خاص في مسرحيته الأخيرة "الحمّامات"، كما أسلفنا.
وإنها للافتة جداً تلك الكلمة التي قالها
لينين عن ماياكوفسكي، في السنة الأخيرة من حياته السياسية
الفعلية، عام 1922، في خطاب ألقاه في مؤتمر لعمال المعادن،
حيث قال:
"قرأت البارحة في الإزفستيا قصيدة لماياكوفسكي
عن موضوعة سياسية... لقد مر وقت طويل لم أشعر فيه بهذا القدر
من المتعة على المستوى السياسي والإداري. فهو في قصيدته يهزأ
كلياً من الاجتماعات بعد الاجتماعات. لا أعرف كم في ذلك من
الشعر، لكن لجهة السياسة، أنا كفيل أن ما يقوله صحيح بالكامل".
هذا وطالما أن صاحب مقال عدد 4 أيلول
من "ملحق النهار" قد جمع، إلى لينين، "غيره من رجال الثورة"
في تهمة اضطهاد ماياكوفسكي، قد يكون مفيداً إيراد هذه الشهادة،
التي كتبها ليون تروتسكي عن الشاعر في نتاجه المشهور، الأدب
والثورة ، الصادر في النصف الأول من عشرينات القرن الماضي،
وكان لا يزال آنذاك مفوضاً للشعب لشؤون الحرب، حيث يقول: "ماياكوفسكي
موهوب كبير، أو كما يعرِّفه بلوك، موهوب هائل. فهو قادر على
تمثيل أشياء سئمنا رؤيتها، على نحو تبدو معه وكأنها جديدة.
يتلاعب بالكلمات وبالقاموس كمعلم مقدام يعمل طبقاً لقوانينه
الذاتية، سواء أحاز عمله الفني الرضى أم لا. الكثير من صوره،
من صيغه، من تعابيره، دخل الأدب، وسيبقى مقيماً فيه ردحاً
طويلاً من الزمن إن لم نقل إلى الأبد".
موقف ماياكوفسكي من لينين
يصف الشاعر السوفياتي ن. أسيف حالة ماياكوفسكي
حين توفي لينين، على الشكل الآتي: "لم أر شخصياً فلاديمير
فلاديميروفيتش، قبل ذلك الحين، متجهماً وكئيباً. كان وجهه
يبدو كالحاً، بينما كان عادة حيوياً ويتأثر بشدة بالأحداث،
ولكن لم يتكلم في تلك الأيام تقريباً" (حياة شرارة، ماياكوفسكي،
المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص 183).
وبالطبع، جاءت قصيدته الطويلة جداً (حوالى
ثلاثة آلاف بيت)، التي كتبها بعد وفاة الرجل عام 1924، وظهرت
في الذكرى السنوية الأولى لوفاته، عام 1925، لتعطي صورة واضحة
عن انشداد ماياكوفسكي إلى لينين ومدى تقديره لدوره في السيرورة
التي لم يضع الشاعر نفسه يوماً خارجها. وعلى الرغم من أن ماياكوفسكي
لم يكن في تلك الفترة قد حافظ على عضويته الحزبية، فهو أهدى
قصيدته، فلاديمير إيليتش لينين ، إلى الحزب الشيوعي الروسي.
وهي القصيدة التي تقول عنها تريوليه إنها كانت "نموذجاً لغنائية
ماياكوفسكي الكبرى، هذه الغنائية التي تؤنسن كلاً من أبياته،
أياً يكن موضوع قصيدته".
وإذا كان الشاعر قد تعرض، أياً يكن،
لتنكيدات من البيروقراطية الإدارية، كما الثقافية، التي تعامل
معها دائماً بازدراء، فإن ذلك لم يؤثر يوماً في موقفه الأصلي
من السيرورة التغييرية الجذرية التي افتتحتها ثورة أكتوبر،
ومن المثل الأعلى الاشتراكي الذي كانت تطرح الارتقاء إليه.
ففي المحاضرة التي ألقاها قبل أسبوعين من وفاته، يقول:
"... لقد نظمت هذا المعرض [معرض ماياكوفسكي:
"عشرون سنة من العمل"] لأنهم ينسبون إليَّ، بسبب طبعي المشاكس،
الكثير من الأفعال الكريهة السوداء، يتهمونني بالكثير من الخطايا
الحقيقية أو الكاذبة، بحيث أروح أتمنى أحياناً أن أمضي إلى
أي مكان، لعامين أو أكثر، فلا أعود أسمع هذه الصرخات والشتائم!
لكن منذ الغد، أستعيد جلد التمساح، أتخلى عن التشاؤم، أشمر
عن ساعدي، وأروح أقاتل، مطالباً بحقي في الوجود ككاتب ثوري
(...).
"إن معنى هذا المعرض هو إظهار أن الكاتب
الثوري ليس شخصاً على الهامش، يجري تدوين قوافيه في كتاب،
وتبقى على الرفوف تتغطى بالغبار. إن الكـاتب الثوري هو إنسان
يشارك في الحياة العادية، اليومية، وفي بناء الاشتراكية" (إلسا
تريوليه، ماياكوفسكي، ص 55).
وتريوليه، التي عرفته عن كثب، وعاشت
على مقربة من الأجواء التي كانت تحيط به، في سنواته الأخيرة،
وشاهدت شهرته ومجده وأثر شعره وأدبه في الحياة السوفياتية،
هذا الشعر الذي قالت عنه إنه "اكتسح الاتحاد السوفياتي كنار
الغابات"، عزت تلك التنكيدات والخصومات في وجه خاص إلى "الرجعيين
والعصبويين"، وإلى "الحسَّاد، بكل بساطة". وهي، التي وصفت
كيف أن صعوده إلى المجد كان قد بات أمراً ناجزاً، حين عادت
إلى موسكو عام 1925، تقول: "خلف الكراهية التي يكنونها لذلك
الرجل الذي يسحقهم بعبقريته (...)، لم يكونوا قد لاحظوا ما
غدا ماياكوفسكي للبلد، وللشبيبة... حتى دفنه الذي كان نوعاً
من الحج الفوضوي الهائل، حيث أن المنظمين لم يتوقعوا أن مئات
الآلاف من الناس سيأتون لمواكبة جثمانه". وتضيف: "ما الذي
كان يعرفه موظفو الأدب أولئك، الغارقون في قصصهم الصغيرة،
عن حب شعب لشاعر؟!..." (المرجع نفسه، ص 47).
لقد ظل ماياكوفسكي منسجماً مع نفسه،
ومع أحلامه الأولى، حتى اللحظة الأخيرة من حياته. وكان مدركاً
بعمق جسامة تلك الأحلام، وضخامة المهمات التي كانت تطرحها،
هو الذي، في مقارنته عملية الخلق التي كان يتوق لتقديم مساهمته
الخاصة فيها كاملاً، بتلك التي يطرحها الفكر العام على الإله
"الذي في السماوات"، والذي يرفضه ماياكوفسكي بوصفه هذا، اعتبر
أن هذه المساهمة أرقى بامتياز من مساهمة ذلك الكائن الماورائي
غير المتجسد. ففي قصيدته 150,000,000 ، كان حريصاً على أن
يكتب:
ستكون مآثرنا أصعب من مآثر الخالق
الذي كان يملأ فراغ الأشياء.
ليس علينا أن نبني فقط،
متخيلين الجديد،
بل أن ننسف ما بات قديماً.
ولقد بقي هذا الهاجس، هاجس الهدم، يلازمه
باستمرار، إلى حين اتخذ ذلك القرار الحاسم بأن آن له أن يهدم
هذه المرة ذلك البناء العملاق الذي هو جسده!. لكنه إذا كان
كتب، قبل ذلك بسنوات:
حيثما سأموت
سأموت وأنا أغني.
فهل كان يغني حين أطلق النار في الرابع
عشر من نيسان 1930 على صدره لجهة القلب؟
ليس هذا مؤكداً، لكن الأكيد أنه إذا
كان طالما تعامل بازدراء مع الشائعات والأكاذيب التي حيكت
حوله، إبان حياته، فهو لن يفعل ذلك إزاء أقاويل بعد الممات
لن يكون قادراً على المبادرة لدحضها. وهو لأجل ذلك سيكون حزيناً
كميل داغر / ملحق النهار