البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

و. ه. أودن
W. H. Auden
(1907-1973)

أودن.. شاعر بريطاني ارتحل من اليسار الى الصوفية

هناك علاقة ملتبسة للغاية بين أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، وتعكس هذه العلاقة نفسها على الصعيد الادبي والثقافي. فجميع الادباء الاميركيين الكبار اما غادروا اميركا نهائياً متجهين الى اوروبا ليستقروا ويبدعوا فيها، أو ـ على الاقل ـ كانت اوروبا محطة مهمة قضوا فيها جزءاً كبيراً من حياتهم.

وذات المشهد تكرر بشكل معكوس مع قسم كبير من مشاهير الادب الاوروبي في القرن العشرين اذ هاجر قسم كبير منهم الى اميركا واستوطنوا فيها، ولم يعودوا الى بلدهم الاصلي قط. ومن هؤلاء الشاعر البريطاني الشهير (أودن) الذي غادر بريطانيا نهائيا واستقر في الولايات المتحدة، وحصل على الجنسية الاميركية. وأبدع هناك اشهر اعماله التي جعلته واحدا من اهم الشعراء الاوروبيين، حتى ان هناك من قال (إن افضل الشعراء في جيل أودن هو أودن نفسه).

ولد ستاف هف أودن ـ وهذا هو اسمه الكامل ـ في يورك من اعمال بريطانيا في فبراير من عام 1907، وكان والداه يشتغلان في الطب. وكان المستوى المادي للعائلة جيداً، فصمم الوالدان على ان يجعلا من ولدهما رجلا مرموقا في المجتمع.

نال اودن مستوى تعليميا رفيعا، يليق بأبناء العائلات الارستقراطية البريطانية، وتخرج من الجامعة مبكراً وهو في الثامنة عشرة من العمر (العام 1925). سافر بعدها الى برلين لقضاء اجازة استمرت عاماً كاملاً، بتحريض من والده. وهناك درس اللغة الالمانية، وأظهر ميلاً نحو المسرح الألماني، وتأثر خاصة بالكاتب المسرحي الشهير برتولد بريخت!

في العام 1924 ظهرت اول قصيدة لأودن في مجلة المدرسة. ولكن الجامعة كانت المجال الرحب الذي ينتظره، ويعمق شهرته. الى ان كان العام 1932 حيث نشر أودن قصيدة عن العمال يصفهم فيها بالرفاق!

وبدأ أودن يصنف كـ (شاعر اليسار البريطاني) وراح اهتمام النقاد يتزايد بشعره، وبدأوا يصنفونه كخليفة للشاعر الشهير ت.س.اليوت. وعمل أودن في السنوات التالية معلماً في مدارس بريطانيا واسكتلندا، وراحت اشعاره تنشر ومكانته تترسخ وشهرته تتوطد أكثر فأكثر.

بعد استلام هتلر السلطة في ألمانيا، وخلال اشهر تأسس في بريطانيا (اتحاد الفاشيين البريطانيين) وهكذا بدأ الصراع السياسي في أوروبا بأسرها يتركز بين الفكر اليميني المتطرف بتياراته الفاشية والنازية، واليسار بتلاوينه الثورية والشيوعية، وقد اختار أودن التيار الثاني.

لم يعد الشاعر يعلي من شأن القيمة الفردية، بل يرى ان هناك حاجة لنظام سياسي يصونها. ورأى ان النظام الرأسمالي الغربي نظام مريض ومشرف على السقوط.

استمر أودن شاعراً ثورياً يسارياً طوال السنوات (1933 ـ 1941)، ويُجمع دارسو أدبه وحياته على ان هذه المرحلة كانت الاخصب في رحلته الابداعية، وان شهرته الكبيرة تعود اساساً لتلك المرحلة.

وتجسدت في هذه السنوات موهبة أودن في اعلى مراتب تنوعها الخصب، مثلما شهدت غزارة انتاجه. فإذا تركنا جانباً الأدب الصحافي الذي انتجه، فإننا نبقى مع ثمانية كتب: مجلدين من الشعر الغنائي، اربع مسرحيات كتبها بالتعاون مع صديقه أشروود، ومجلدي «أدب رحلات» يضم كل منهما خليطاً من الرسائل والمعلومات وقصائد السفر والمذكرات.

وفي العام 1936 اندلعت الحرب الأهلية الاسبانية. فلم يتردد أودن في اعلان موقفه الى جانب الجمهوريين واليسار الثوري الاسباني. واتجه من فوره الى اسبانيا ليساهم أساساً في المعركة التي كان يراها مع معركته أساساً، وتطوع هناك في الهلال الأحمر. ولكنه اصطدم بالخلافات والسلوكيات المنحرفة بين الأحزاب اليسارية، وعاد من اسبانيا بخيبة أمل مريرة للغاية.

شهد أودن في عمره القصير حتى الآن حربين عالميتين مروعتين، وشهد قيام النازية والفاشية وسقوطهما، وشهد قيام الانظمة الاشتراكية في الشرق والديمقراطية في الغرب، وإفلاسهما في انقاذ الانسان والمجتمع. انقاذ الانسان من القلق والغثيان، وانقاذ المجتمع من الانحطاط والصراع.

وبنتيجة هذا الاحباط المرير، اتخذ أودن في العام 1939 (أي في الثانية والثلاثين من عمره) قراره الحاسم بالهجرة الى أميركا، حيث امتدت اقامته هناك حتى العام 1972. أي قبل وفاته بسنة واحدة، ووصل هناك الى المرحلة الثالثة من ابداعه، وهي مرحلة الثورة الصوفية، التي مثلت نهاية مسيرته الفنية المضنية وطوافه الصعب من اجل ايجاد طريق للخلاص! يجمع النقاد على عنصرين اثنين حاضرين بقوة في المرحلة الأميركية من حياة الشاعر. وهما: عنصر الإنسان المنبوذ الذي يفتش عن خلاصه في اللجوء الى الله. وعنصر (مدينة الله) التي تمثل مجتمعاً مصاناً يمكن ان تعمه العدالة الكاملة والخير الكامل. وقد حلل مشكلة الإنسان في كتابه (عصر الغثيان) في كون «الناس هم الآن افراد فقط يكونون كتلاً جماعية لا مجتمعات».

وبالاضافة الى (عصر الغثيان) انجز أودن عدة اعمال ابرزها (قصائد قصيرة) وديوان (درع آخيل) ثم (المجد لكليو). ورغم اهمية هذه الاعمال الا ان النقاد يجمعون على انها لا ترقى الى مستوى الفترة الثانية من حياته. وترجح (باربارا ايفريت) تراجع أودن الى كون اهم مصادر طاقته الخيالية قد نضب.

على أية حال فإن شهرة أودن تجاوزت حدود أوروبا وأميركا لتعم العالم بمختلف اللغات، ومنها ديارنا ولغتنا العربية (وتأثر به كبار شعراء العربية أمثال السياب والبياتي). وبالنسبة لأودن فقد عاد الى وطنه الأم (بريطانيا) في العام 1972، أي بعد ثلاثة وثلاثين عاماً من الاغتراب، ولكنه لم يقض في بلده سوى فترة قصيرة، انتقل بعدها إلى فيينا حيث وافته المنية في 29 سبتمبر عام 1973.

وهكذا رحل شاعر كبير عاش في عصر القلق الكبير، وأتت أعماله كلها محاولة التعبير عن قلقه، والبحث عن طريق الخلاص. ولعلنا سنذكر طويلاً هذا البيت الذي يلخص اغتراب أودن: «قطعت طريقاً طويلة، لأثبت أن لا أرض، ولا ماء، ولا حب».

(وفيق يوسف)

* في ذكرى و. ب. ييتس الذي مات في كانون الثاني 1939

لقد اختفى في قلب الشتاء:

كانت البحيرات متجمدة، والمطارات تكاد تكون مقفرة

والثلج يشوه التماثيل المنتثرة هنا وهناك.

وغاص الزئبق في فم النهار المحتضر،

أجمعت الأجهزة كلها

على أن يوم وفاته كان يوماً بارداً مظلماً.

وهناك في مكان ناء عن مرضه

كانت الذئاب تتراكض عبر الغابات الدائمة الاخضرار

ولم تستطع السدود الحديثة

أن تغوي النهر القروي.

وحجبت الألسنة النائحة

خبر موت الشاعر عن أشعاره.

أما بالنسبة له

فقد كانت هذه الأمسية نذير

الخاتمة.

كانت أمسية حافلة بالممرضات والإشاعات ،

لقد ثارت مناطق جسده

وفرغت ميادين عقله

وغزا السكون الضواحي

وتوقف تيار شعوره:

لقد أصبح ملكاً للتاريخ.

ملكاُ للمعجبين.

إنه الآن مبعثر في مئة مدينة

وممنوح برمته لعواطف غريبة لم يألفها،

ليجد سعاته في نوع آخر من الغابات.

وليلتقي العقاب من شرعة ضمير أجنبي

أن كلمات رجل ميت،

لتتخذ الآن قوالبها الحية في أحشاء

الأحياء.

ولكن في ضوضاء الغد وأهميته

عندما يزأر السماسرة كالوحوش على أرض البورصة

ويعاني الفقراء الآلام التي ألفوها جيداً

ويقتنع كل منهم في زنزانة نفسه بحريته

سيتذكر هذا النهار الورف عديدة

كما يتذكر الإنسان يوما قام فيه بعمل شيء غير مألوف.

أن الأجهزة أجمعت كلها

على أن يوم وفاته كان بارداً مظلماً.


 

Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri