جمـانة حـدّاد
Joumana Haddad
(1970-....)
الحياة
والنفس والأشياء
شاعرة ومترجمة وصحافية لبنانية من مواليد
1970، بيروت - لبنان.مسؤولة عن الصفحة الثقافية في جريدة "النهار"
اللبنانية، التي تعمل فيها منذ عام 1997، محرّرة في صحفتها
الثقافية وملحقها الأدبي الاسبوعي، إضافة إلى إجرائها سلسلة
من الحوارات مع كتّاب عالميين من أمثال امبرتو ايكو وبول اوستر
وجوزيه ساراماغو وايف بونفوا وباولو كويلو وبيتر هاندكه ووول
سوينكا وانطونيو تابوكي والفريده يلينيك وماريو فارغاس يوسا
وآخرين.
تتقن سبع لغات، ولها ترجمات في الشعر
والرواية والمسرح لعددٍ من الأدباء العرب والعالميين، خصوصاً
عن الفرنسية والايطالية والأسبانية والإنكليزية، أحدثها "انطولوجيا
الشعر اللبناني الحديث" بالأسبانية التي صدرت خيرا عن دار
"منشورات من هنا" في مالاغا في اسبانيا، والتي أعدّتها وترجمت
فيها نحو 40 شاعرا لبنانيا الى الأسبانية. تحضر دكتوراه في
موضوع الترجمة الشعرية. تكتب ايضا القصة القصيرة، وقد صدرت
لها قصة في ايطاليا في عنوان "الموكاسان"، ضمن انطولوجيا الكاتبات
العربيات المعاصرات بالايطالية من اعداد المستعربة فالنتينا
كولومبو، الصادرة عن دار موندادوري.
- أصدرت في
الشعـر:
- وقت لحلم –مؤسسة اندراوس- بيروت-
1995،
- دعوة الى عشاء سري –دار النهار للنشر–
بيروت- 1998،
- يدان إلى هاوية– دار النهار للنشر-
بيروت- 2000،
- لم ارتكب ما يكفي- مختارات- دار كاف
نون- القاهرة- 2004،
- عودة ليليت- دار النهار للنشر- بيروت-
2004.
- تُرجِـمت قصـائدها الى الفرنسـية
والايـطالية والانـكليزية والاسبـانيـة والبرتغالية والأرمنية
والألمانية، وصدرت في انطولوجيات شعرية ومجلات أدبية أجنبية.
اكثر ما نستشفّه في مناخات جمانة الشعرية
_ كما يقول شوقي بزيع_ذلك البعد الوجودي في الرؤية الى الحياة
والنفس والاشياء. وهو بعد يبدأ من العنوان ذاته ويتغاغل في
ثنايا القصائد وتفاصيلها المختلفة. فاليدان يفترض فيهما ان
يكونا اداة لتلمس العالم والتلذذ بمباهجه في حين تبدوان في
المجموعة اداة للهلاك او وسيلة للاستغاثة شبيهة بما يظهر من
صواري السفينة بعد الغرق والمجموعة برمتها تبدأ بسؤال مرير
عن الذات الضائعة في التباس المعنى والتباس الهوية. كما لا
تكتفي الشاعرة بصرختها المبكرة: من تكونين ايتها الغريبة،
بل هي تلح على المعنى ذاته في غير صورة ووجه. وهي لم
تولد بعد وتفضل ان تتأخر قليلاً لكي تتخفف من الآخرين وتصير
هي نفسها تماماً.
قصائد
إثـنان
ضمّـني اليك
كي اذا خسرتُ شدّة قلبي تزوّدني شدة
قلبكَ
كي اذا ذهبتْ جذوري عميقاً أكون في عهدة
هاويتك
كي اذا اهدرتُ عمري ازداد بك اعماراً
ولغات.
ضمّـني اليك
كي أصيرَ عشـبةً تؤرق الصخر
كي تصير صخرة ليّـنة في ظل عشبة
كي يولد نهرٌ بيني وبينك فتـفيض كل الأنهار
كي أترجّل من جبالي لألاقيك
كي أكتـشف كم أنك الصعود
كي تكتـشف كم أنّي الغرق
كي اذا سرتُ اليك أرفع جسراً بين ضوء
وتهلكة.
ضمّـني اليك
كي تطلبني كتـفاحة تشتاق قطافها
كي أهرقك كتـفاحة بعد قطافها
كي أغمرك بما لا تستطيع
كي أصنع من أجلك ليلاً وغيمة فوق ليل
كي أنسـّيك أني شجرة لأغصانك
كي أنسـّيك أنك أغصان لشجرة
كي اذا غلبتـني الحياة أربح معك حياتي.
ضمّـني اليك
ثم اطلق سراح يديّ
كي كلما كدنا نصير واحداً
ظللنا اثـنين عاطلين عن القدر.
احتمال
لمسةٌ تكفي لتخون ثمرة ناضجة زوجها الغصن
خريفٌ يكفي لتـتـنبأ غيمةٌ بمصيرها
كنزةٌ من جمر
ليتدثّر البرد في موقد الشتاء
ضفّـةٌ بل ضفّتان
كي لا يهرب نهرٌ من سرير نومه
تـفاحةٌ أو فكرةُ تـفاحة
لتحتـفي الشجرة بشهوة أنوثتها
صخرةٌ وآهة صخرة
ليتعلّم النبع كيف يشقّ غده
قوسُ قزح وسرابُ ابتسامة
لتـتـفتٌح غابةٌ تحت المطر
نجومٌ ينفد صبرها
كي يعلن القمر بداية السهرة
ظلّ لبحيرة
كي يخمد العصفور شمس غربته
دمعة برقٍ ماجنة
كي تتكهرب نجمةٌ بذهب جسدها
عشبةٌ وهمسُ عشبة
ليخضرّ القمر
احتمال واحد يكفي لتتغيّر وظيفة القلب
ورجل واحدٌ
أقول ليلٌ واحد يكفي
لأكون امرأة.
عودة ليليت (مقاطع من قصيدة
طويلة)
أنا ليليت إلهةُ الليـلَين العائدةُ
من منفاها.
أنا ليليت العائدةُ من سجن النسيان
الأبيض، لبوءة السيّد وإلهة الليـلَين. أجمعُ ما لا يُـجمع
في كأس وأشربه لأنّي الكاهنة والهيكل. لا أترك ثمالةً لأحد
كي لا يُـظنَّ ارتويت. أتجامعُ وأتكاثرُ بذاتي لأصنع شعباً
من ذريتي، ثم أقتلُ عشّـاقي كي أفسح للذين لم يعرفوني.
أنا ليليت المرأةُ الغابة. لم أعرف انتظاراً
يُـرجى لكنّي عرفتُ الأسُود وأصناف الوحوش الأصيلة. ألقّح
جميع أنحائي لأصنع الحكاية، أجمع الأصوات في رحمي لـيكتمل
عدد العبيد. آكل جسدي كي لا أُعيَّر بالجوع وأشرب مائي كي
لا أشكو عطشا. ضفائري طويلة من أجل الشتاء وحقائبي غير مسقوفة.
لا يرويني شيء ولا يشبعني شيء، وأعود لأكون لبوءة الضائعين
في الأرض.
حارسةُ البئر أنا وملتقى الأضداد. القبلات
على جسدي ندوبُ الذين حاولوا. من ناي الفخذين يطلع غنائي ومن
غنائي تذهب اللعنة مياهاً في الأرض.
أنا لعنةُ اللعنة التي سبقتْ
مضلِّلةُ الزوارق كي لا تستتبّ عاصفة
أسمائي لترصّع ألسنتكم إن كان بكم عطش
اتبعوني مثلما تتبع اللمسةُ القبلة
وخذوني مثل ليلٍ على صدر أمّه.
أنا ليليت سرُّ الأصابع حين تلحّ. أشقُّ
الطريق وأكشفُ الأحلام وأشرّعُ مدن الذكورة أمام طوفاني. لا
أجمع اثـنين من كل جنس بل أكونهما كي يرجع النسل نقياً من
كل طهر.
أنا آيةُ التفاح. كتبتني الكتب وإن لم
تقرأوني. اللذة الفالتة الزوجة العاقة اكتمال الشبق الذي يصنع
الدمار العظيم. قميصي نافذةٌ على الجنون. كلّ من يسمعني يستحق
القتل وكل من لا يسمعني يقتله تبكيت ندمه.
أنا ليليت قمرُ الداخل
التيه بوصلتي ومقامي الهجرة
ليس من ساعٍ يقرع بابي
ليس من بيتٍ يفضي الى نافذتي
وليس من نافذة الا وهم نافذة.
لستُ الحرون ولا الفرس السهلة بل ارتجافُ
الإغراء الأول.
لستُ الحرون ولا الفرس السهلة بل اندحارُ
الندم الأخير.
أنا التي حُبِل بها تحت برج التلمّظ
التي وطأتُـها لتزداد
التي لسانُـها قفيرُ نحل
التي فطيرةٌ لتُـلتَهم ولكن لتظلّ
التي جوعٌ ليصرخ
التي كي تحفظ التيه.
أنا غرورُ النهدين
صغيران لينموا ويضحكا
ليطالبا ويؤكلا
نهداي مالحان
شاهقان لا أبلغهما
قبِّـلوهما عنّي.
السراجان ليومئا بضوءين
الصغيران ليُـغفَر لهما حين يعبثان.
أنا الملاكُ الماجنة. فرس آدم الأولى
ومفسدة ابليس. خيال الجنس المكبوت وصرخته الأصفى. الحيية لأنّي
حورية البركان والغيور لأني وسواس الرعونة الجميل. لم تحتملني
الجنّة الأولى فطُردتُ لأرمي فتنةً في الأرض وأدبّر في المخادع
أحوال رعيتي.
قدرُ العارفين إلهةُ الليلَين. إلفة
النوم واليقظة. أنا الجنين الشاعر. أهلكتُ نفسي فوجدتُـها.
أعودُ من منفاي لأكون عروس الأيام السبعة وخراب الحياة المقبلة.
أنا اللبوءةُ المغوية أعودُ لأهتك الأسرى
وأملك الأرض. أعودُ لأصحّح ضلوع آدم وأحرّر الرجال من حواءاتهم.
أنا ليليت العائدةُ من منفاها لأرثَ
موتَ الأم التي أنجبتُـها.
بلادُكِ هذا الليل الحارق
من تكونين أيتها الغريبة؟
أقنعتكِ الماحيةُ قسماتِ الهجس هي النافذةُ
العمياء
بنهم البرق تسرقين النوم
ومن مجون أحلامكِ تفور الرعشات
مرصودةٌ أنتِ لجهنّم الجسد
وصدعُكِ يتفتّح في الإناء
فكيف لوحدتكِ أن تتوسّد القلب
رغم النهارات المكتظة
وكيف لحزنكِ أن يرتدي الجفون
ولمساءاتكِ الشديدة الإنحدار
أن تنتشل الوجه من الهاوية؟
من تكونين يا غربة الذكرى عن الملمس
وغربة الجذور عن الفرار
أيها الإنحلال الغامض ككثافة الغيم
والإندثار الشبيه بالذات؟
العطشانُ جسدُكِ ترويه شهوته
كصحراء تنتشي من ظمأ رمالها
أرضكِ الضيقة أرحب من صدر العاشق
ونقطةٌ من عريكِ فينهمر القمر.
لم تلدكِ شجرة
ولا اكتمل نضجكِ في الفصول
أبوابكِ موصدة
لكنّك طريّة كلذّة تتـفتّح
تخرجين من بستان الحياة لتحتمي بخيالاتكِ
تؤثرين التنزّه بين النجوم
وهناك تهرقين ماءكِ لتأثمي
رأسكِ
عميقاً
عميقاً
يعـبق بالصور.
سماؤكِ التي تظلّ عالية
تليّن الضجر
وتسبغ عليه نكهةً غامقة
كالأفق المغلوب
قولي كيف يؤتمن خيالكِ على الجوهر
كيف تلتئم رغباتكِ عند الفجر
وتلهب توقك الى التعرّي؟
كيف يكون لكل شروقٍ سكّينه أيتها الغريبة
كيف تستطيعين!
تتيهين في ليلكِ
وفي مطارح العبور
أما ظلّكِ فيتلمّس يديك الكثيرتين
ويترنّح معكِ تحت قوس اللذة.
غريبةٌ أنتِ
وتعرفين
تنكسرين على ظلّكِ هذا
وعلى بعض جدار
ثم تنتظرين اكتمال الذهاب.
بلادكِ هذا الليل الحارق
ولا شموس تخمده
أغصانكِ الثملة تتمايل على حافة الحضور
كلّما
يدٌ
همّت
بالغياب.
لا إسم لبلادكِ أيتها الغريبة ولا آخر
روحُك كلّما دنت لحظة الوصول
تجعلها بعيدة.
غريبةٌ أنتِ أيتها الغريبة
تتأبطين وحدتكِ
التي تركض في السهول
باحثةً عن عصافير للغابة
وحدتك الخفيفة
كنهدٍ لم يجتز عتبة الخيال.
ترى أين تسندين نجمتك عندما تمسّكِ العتمة؟
أين تلمعين أيتها النجمة الغريبة؟
يحرسكِ شحوبكِ
وفي الظلمة تنتظركِ الوجوه المغلقة
مزاجكِ يتناثر على الدرب المحجوبة
وروحكِ تذرف في الليل كمال جنوحها.
من تكونين أيتها الغريبةُ يا نفسي
يحسبونكِ المتمردة
وما أنتِ إلاّ شبقٌ يخترق ذاته
وذاك الذي يحسبونه رفضاً
ما هو إلاّ دوار التيه.
ومن فرط الأقنعة يمّحي وجهك.
مأدبة
عندما أجلس أمامكَ أيها الغريب
أعرف كم تحتاج الى الزمن
كي تردم المسافة إليّ
أنتَ في أوج الذكاء
وأنا في أوج المأدبة
أنت تفكّر كيف ستبدأ حديث المغازلة
وأنا تحت ستار وقاري
أكون قد فرغتُ من التهامكَ.
حياتان مختلفتان وفعل اختلاس
ولن يبقى من تقاطع اللقاء الا شيطان
غوايتي.
تعال
تعال
نصنع قمراً جديداً يهرع إلينا من النافذة
فنعرّيه من فضة الخجل
ونُلبسه دغشة المساء وسيولة الشبق.
تعال
نعجنه وننضجه
ليصير كعكةً
أو جنوناً
فنأكل ونعطي العصافير ما يجمع شملها.
تعال
نضحك على الغيوم السكرى
ونسرقه من خرومها
لنزيّن الهواء بالطيش
ونضيّع الأفق بالدوار
ثم تقصد هاويتي وتفنى في فناء عينيّ.
تعال
نمِّش صدري برغبات عينيك
تعال
لا نقتل البرد بل ندفِّئه
لا نخنق الطمأنينة بل نطرّيها
تعال
لا نُحدث نوماً ولا ضجراً
بل جنحةً وعذاباً.
موقع الشاعرة على الانترنت
-
www.joumanahaddad.com