حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

فرنسوا شانغ
Francois Cheng
(1929
-....)

فرنسوا شانغ شاعر صيني يهتك اللغة الفرنسية

حين تجتمع حكمة الشرق وحداثة الغرب داخل تجربة شعرية واحدة تبلغ القصيدة كمالاً قل مثيله، إن على مستوى الشكل أو المضمون. وينطبق هذا الكلام خصوصاً على الشاعر الصيني-الفرنسي فرنسوا شانغ الذي صدرت له حديثاً انطولوجيا شعرية لدى دار «غاليمار» تحت عنوان «شرقُ كل شيء»، والقصائد منتقاة من دواوينه الخمسة الأخيرة، وتُشكّل فرصة لتأمّل تطوّر كتابته الشعرية. ولكن قبل التطرق إلى محتوى هذا الكتاب، لا بد من التعريف بمسار هذا الشاعر لفهم شخصيته الفريدة ونتاجه الأدبي الغزير.

من مواليد مدينة نانشانغ الصينية عام 1929، نشأ شانغ داخل عائلة مثقفة كانت ترغب في أن يُحصّل ابنها دراسة كافية كي يتمكّن من ممارسة مهنة «محترمة». ولكن فور اكتشافه الأدب في الخامسة عشرة من عمره، عرف شانغ أنه لن يكون له مهنة حقيقية براتب ثابت، وأن الكتابة وحدها هي قدره. وفعلاً، بعد حصوله على شهادة البكالوريا، انطلق في تعليم نفسه بنفسه. وباكراً استوعب أهمية الحوار الحقيقي الذي يسمح لثقافة ما في تجنّب التحجر وفي التوق، انطلاقاً من جذورها الحيوية، إلى تحولات مفيدة.

وهذا تأكيداً ما دفعه عام 1949 إلى الاستقرار في فرنسا حيث تعلّم الفرنسية في شكل تحوّلت فيه إلى «جسدٍ» ثانٍ له، فكتب فيها روايات وأبحاث ودواوين شعرية رائعة تُرجم معظمها إلى لغات عدة وأتت كنتيجة لمسار داخلي مزدوج يتغذى من ماضيه ومن أفضل ما أنتجته ثقافته الأصلية، من جهة، ومن تجربة المنفى ومن أفضل ما أنتجته الثقافة الغربية، من جهة أخرى. مسار شانغ إذاً هو مسار مؤلم ومثير في الوقت ذاته، عبره الشاعر بنفاذ بصيرة نادرة وضمن توتر دائم غايته في كل لحظة الإتحاد الذي لا مرادف له سوى الانفتاح. عام 2001، نال «الجائزة الكبرى للفرنكفونية». لكن تتويج مساره يتم لدى انتخابه عضواً في «الأكاديمية الفرنسية» عام 2002.

يشدنا شعر شانغ بهدوئه الغريب المنبثق من طمأنينة وقلق في الوقت ذاته. فميزته الأولى انه فن توحيد الأضداد واستخلاص معنى دائم منه، يتوق إلى تناغم مشترك غايته الصواب والرحابة، الارتباط والتحرر. ولهذا تراه يفلت من الاستخدام المعهود للعلامات التي لا تعمل في طياته إلا للتحرر من منطق الكسب والفقدان، من منطق النجاح والفشل، كما يشير إليه الشاعر أندريه فلتر في مقدمة الكتاب. إنها تجربة ترتكز على الصبر والزهد لبلوغ لغة جديدة ونضرة. والشاعر الذي يستمع بشدة إلى اختبارات حياته وتحولاتها وحده قادر على تحقيق هذه المعجزة. ونظراً إلى امتلاكه قدرات إيحائية كبيرة خاصة بالرموز الكتابية الصينية (idéogrammes) وإلى اكتشافه قدرات الأبجدية اللاتينية الدقيقة على مستوى التحليل والصياغة، استطاع شانغ ابتكار لغة جديدة وتوسيع القطر الفكري والعملي للغة الفرنسية عبر مدّها بفضاء مادي وذهني وروحي هائل مستوحى من الحضارة الصينية.

ويلاحظ فلتر في شكل صائب اقتراب فن شانغ الشعري من فن الرسم الصيني الذي يتقن قوانينه. فمثل الرسوم أو التخطيطات الصينية، تميل قصائده إلى مواجهة سيرورة التطور والتحولات التي تتحكم بالأشياء والأجساد والتمثيلات والعواطف وابتكارات النفس البشرية. وهاجس شانغ الأول هو عدم تفريق قدر الإنسان وقدر الكون ودمج المطلق بالمواد أو البنيات العابرة كي يحفظ كل ابتكار مادي، لغوي أو خيالي استقلاليته العضوية وفرصته في بلوغ مرامه ككيان حي. وضمن هذا المنظار، لا تبدو القصيدة معزولة بل تبقى مفتوحة على التحولات وتصبح صدى للعناصر أو حواراً معها ومع الأرض والأهواء والبعد الصوفي للكائنات.

وعلى رغم الحضور القوي للطبيعة في قصائد شانغ، فهو لا يقوم بتمثيل الطبيعة أو تقليدها، بل يتوق إلى المشاركة في حركة الإبداع الكبرى حيث كل الأشياء تترابط وتتماسك. قصيدة بعد قصيدة، وديواناً بعد ديوان، يتابع شانغ عملية ترتكز على المساءلة الشاملة للكون ولكن أيضاً على التقاط رسائله. فما يقوله يأتي مما تمكّنت قوى الطبيعة من نقله إليه، وما يعبّر عنه باستمرار التنوّع المذهل للعالم الحي.

ولهذا نجده يجهد في جمع الكلمات وتركيبها في شكل يسمح للمناظر والأشياء في التحدّث إلينا وفي الظهور ضمن وحدة تمنح للمحجوب (l’invisible) مكانه. فالمنظر الطبيعي ليس مجرّد مشهد، إنه المكان الذي تجري فيه الحياة الحقيقية، وفيه نجد روح الكون وروح الإنسان في حالة اتحاد وثيق. وإذا كانت نظرية الانفجار الكوني (Big Bang) هي بداية الكون، فشانغ لا ينظر إليها كمعطى وإنما كهبة لأنها تتضمن وعد الحياة كله. فبفضلها وصل الكون إلى نظام الحياة، إلى الوحدة بين الكائنات وإلى اللغة. والعالم، بالنسبة إلى شانغ، ليس فسيحاً فقط بل رائع، وهذه الروعة تستحق أن نحتفل بها، لأن رؤيتنا لها تبرر وجودنا. فكل شيء في هذا الكون يتوق إلى معنى، إن كان الأمر يتعلق بصخرة أو غصن شجرة أو كائن بشري. المأساة تبدأ برفضنا هذه الحقيقة واعتبارنا أن الإنسان هو كائن خاص خارجها.

مشهد العالم في قصائد شانغ هو إذاً موضوع دهشة دائمة، انطلاقاً من روعة سماء منجّمة حتى أصغر عشبة على الأرض، مروراً بطيران سرب من العصافير أو عدو مجموعة من الغزلان. وقد تبدو هذه الأمور صوراً مبتذلة أو كليشيهات مستهلكة، ولكن كل لحظة، في شعر شانغ، فريدة، وكل فجر بداية جديدة، وكل مشهد دعوة إلى تأمّل الكون كما لو أنها المرة الأولى.

فالجمال الحقيقي هو اندفاع ينبثق من داخل الكائن. إنه قسمة وسخاء. ولا يمكنه أن يأتي نتيجة تراكب عبثي تبلغه المادة بالصدفة، بل هو مربوط بالوعد الأول للمادة المتشعّبة والمنتشرة، نكتسب من خلاله معنى المقدّس.

أما الإنسان فهو المحور التي تنتظم الطبيعة حوله والجزء الأكثر حساسية وإدراكاً فيها. إنه عين العالم اليقظة وقلبه النابض.

مختارات شعرية

من الأرض الفانية

ماذا يمكنك أن تهاب

أنت النيزك

الذي نجا

من الانفجار الأول

من السقوط

الذي لا نهاية له...

ماذا يمكنك أن تهاب

سوى لغزك الخاص؟

***

عند أقصى الخريف

لا يزال يصلنا

ممزوجاً بالزبد والليلك

صدى الشلال

منعشاً الدم

منعشاً النشيد

في جوف الصخرة المصدّعة

***

أحياناً تنبت شجرة سرو فيك

راضياً

تحمل ثماراً

مصعوقاً

تصبح مشعلاً

لو تغطس في نفسك

- أوراق وأغصان ملتبسة

وراء كل نسيان

يتحوّل

الهواء

إلى غناء

***

جوعٌ وعطشٌ ينقلاننا

إلى الشاطئ المهجور.

لا شيء سوى رماد مخلوط

بحجارة محروقة

وقصب منحنٍ

تحت نسيم النسيان.

وحدها زنبقة توقّع الضفة الأخرى.

***

أن نتأمّل حتى الساعة الأخيرة

حتى الاشمئزاز، حتى

التململ. عضلات محروقة،

عظام مشقوقة. خيط من دم

يعيد خطّ وعد

الليلة الأولى حين

انبثقت الشعلة المستحيلة

***

من الماء تولد الشعلة

من الشعلة الهواء

هواء الحلم الأعلى

المُعاد إلى النفَس الصافي

لظبية نائمة

***

الذي ينام في جوار الليل

يلمس حرارة الجذور العفنة

يستنشق طيران الخفّاش

يرد على نداء الذئب السماوي

ينذر روحه وجسده لجمود الزمن

ويتحوّل ندى من دمٍ

كي لا يتوه أبداً مع الفجر

 

أنطوان جوكي / باريس


.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri